
### الجزء الثاني: مكالمة واحدة قلبت حياة العيلة كلها… وأبويا اكتشف إن اللعبة اتغيرت!
الساعة كانت سبعة الصبح، لما تليفوني رن وأنا قاعدة في شقة فندقية صغيرة في القاهرة الجديدة، بعد ليلة كاملة ماعرفتش أنام فيها.
كان اسم محاميتي، راشيل مراد، ظاهر على الشاشة.
رديت بسرعة.
قالت من غير مقدمات:
«إيمي، لازم تشوفي اللي وصلني من البنك. الإجراءات اللي طلبتيها اتنفذت، لكن فيه حاجة أخطر ظهرت وإحنا بنراجع المستندات.»
اعتدلت في قعدتي، وحسيت إن قلبي بيدق أسرع.
«إيه اللي حصل؟»
قالت بصوت جاد:
«فاكرة التحويلات اللي كنتِ بتدفعيها لشركة والدك؟ اكتشفنا إن فيه مبالغ كبيرة خرجت من حسابات مرتبطة بالشركة واتحولت لحسابات تانية، من غير مستندات واضحة تبررها.»
غمضت عيني للحظة.
كنت متوقعة ألاقي مصاريف مبالغ فيها، ويمكن سوء إدارة، لكن اللي سمعته أكد لي إن شكوكي ماكانتش من فراغ.
سألتها:
«إحنا بنتكلم عن كام؟»
ردت:
«لسه بنراجع كل حاجة، ومش هقدر أديكي رقم نهائي دلوقتي. لكن فيه تحويلات متكررة بمبالغ كبيرة، وفيه مصروفات اتسجلت على إنها تكاليف مشروعات، رغم إن المستندات المتاحة مش بتوضح إنها اتصرفت فعلًا في المشروعات دي.»
حطيت إيدي على جبيني.
طول سبع سنين، كنت بحول فلوس علشان أنقذ شركة أبويا، وكنت مقتنعة إن كل جنيه بيدخل الشركة بيساعد العمال، وبيحافظ على شغلهم، وبيحمي اسم العيلة من الانهيار.
لكن لو جزء من الفلوس دي ماكانش بيروح للمكان المفروض يروح له، يبقى أنا كنت بساعد في إيه بالضبط؟
راشيل كملت:
«فيه نقطة تانية. بعض المستندات اللي عندنا عليها توقيعات وتفويضات باسمك. لازم نتأكد إنك وافقتِ فعلًا على كل عملية مرتبطة بيها.»
فتحت عيني فجأة.
«توقيعات باسمي؟ أنا ماوقعتش على أي حاجة جديدة تخص الشركة من شهور!»
قالت:
«علشان كده محتاجين نراجع الأصول، ونقارن التوقيعات، ونتأكد من مصدر كل مستند قبل ما نقرر أي خطوة قانونية.»
سكتُّ شوية، وبعدين قلت:
«اعملي كل اللي لازم يتعمل، بس عايزة كل حاجة تكون موثقة. مش عايزة أتهم حد بحاجة قبل ما الحقيقة تظهر.»
ردت بثقة:
«ده بالضبط اللي هنعمله.»
قفلت المكالمة، وفضلت قاعدة أبص قدامي.
كنت طول عمري فاكرة إن أكبر مشكلة بيني وبين عيلتي هي إنهم بيستغلوا كرمي.
لكن دلوقتي، كان فيه احتمال إن الموضوع أعمق من كده بكتير.
في نفس الوقت، كان الوضع في بيت عيلتي مختلف تمامًا.
أمي كانت قاعدة على السفرة، بتشرب قهوتها، وسارة جنبها بتقلب في صور شنط جديدة على موبايلها.
أما أبويا، فكان واقف عند الشباك، بيتكلم في التليفون عن شغل الشركة.
كل حاجة كانت ماشية كأن مفيش أي حاجة حصلت.
لحد ما موبايل أمي رن.
بصت للشاشة، وعبست لما شافت رسالة من البنك.
فتحتها، وبعد ثواني، اختفت الابتسامة من وشها.
«إيه ده؟!»
سارة رفعت عينيها.
«فيه إيه يا ماما؟»
أمي بدأت تقرأ الرسالة مرة تانية، وكأنها مش مصدقة الكلام.
«البطاقة اتوقفت!»
سارة قامت من مكانها.
«بطاقة إيمي؟ طب ليه؟ جربي تاني، يمكن فيه مشكلة في البنك.»
أمي حاولت تدخل على التطبيق البنكي، لكن العملية ماكملتش.
في اللحظة دي، أبويا أنهى مكالمته والتفت لهم.
«إيه الصوت ده؟»
أمي رفعت الموبايل قدامه.
«إيمي وقفت البطاقة! مش قادرة أستخدمها!»
أبويا سكت ثانيتين، وبعدها ضحك ضحكة قصيرة متوترة.
«هي فاكرة إنها كده هتخوفنا؟ خليها تعمل اللي هي عايزاه. دي بنتي، وفي الآخر هترجع تعتذر.»
لكن سارة ماكانتش مطمئنة.
قالت وهي بتبص لأمها:
«طب وأنا هعمل إيه في حجز السفر؟ وكمان الفستان اللي كنت هشتريه؟ إيمي عارفة إن عندي ارتباطات الأسبوع ده!»
أبويا بص لها بغضب.
«بطلي كلام عن التسوق دلوقتي!»
لكن بعد لحظات، رن موبايله.
كان اتصالًا من المحاسب المسؤول عن حسابات الشركة.
رد أبويا بنبرة متعالية:
«أيوه يا أستاذ سامح، خير؟»
جاله صوت المحاسب مترددًا:
«صباح الخير يا فندم. أنا بتصل علشان أبلغ حضرتك إن فيه مشكلة في بعض التفويضات المالية المرتبطة بحسابات الشركة.»
ملامح أبويا اتغيرت.
«مشكلة إيه؟»
«التفويضات اللي كانت بتسمح بإجراء بعض التحويلات باسم الأستاذة إيمي اتوقفت، وفيه مراجعة مطلوبة لعدد من العمليات السابقة. البنك طلب مستندات إضافية قبل تنفيذ أي تحويلات جديدة مرتبطة بالتفويضات دي.»
أبويا وقف مكانه.
«مين طلب المراجعة دي؟»
«الأستاذة إيمي، من خلال ممثليها القانونيين.»
سكت أبويا، وبص لأمي.
لأول مرة من ساعة ما طردني، ماكانش عنده رد جاهز.
أنهى المكالمة بعصبية، وبعدها ضرب كفه على السفرة.
«البنت دي اتجننت!»
أمي حاولت تهديه.
«ما تقلقش. هنتصل بيها، وهترجع لعقلها.»
لكنه كان بدأ يدرك إن الموضوع مش مجرد خلاف عائلي.
لأن الشركة كانت معتمدة على التمويل اللي بقدمه، وعلى التحويلات اللي كنت بوافق عليها لما تظهر أي أزمة.
ولما الفلوس اتوقفت، المشاكل اللي كانوا بيغطوها بتأجيل الدفعات بدأت تظهر واحدة ورا التانية.
في الساعة العاشرة صباحًا، كنت قاعدة في مكتب راشيل، وبراجع معاها مجموعة من المستندات.
حطت قدامي ملفًا كبيرًا.
«إيمي، ده ملخص مبدئي للحسابات اللي قدرتنا نراجعها لحد دلوقتي.»
فتحت الملف، وبدأت أقلب الصفحات.
كان فيه تحويلات لمبالغ كبيرة، وفواتير متكررة، ومصروفات إدارية أعلى من المتوقع.
لكن اللي خلاني أتوقف فجأة كان مستندًا متعلقًا بقرض تجاري.
بصيت للتاريخ، وبعدها للتوقيع الموجود أسفل الصفحة.
حسيت ببرودة في إيديا.
«راشيل، إيه ده؟»
قربت مني وبصت للمستند.
«ده مستند مرتبط بضمان مالي باسمك.»
رفعت عيني ليها.
«ضمان إيه؟ أنا عمري ما وافقت إني أضمن قرض جديد للشركة!»
قالت بهدوء:
«المستند بيشير إلى التزام مالي مرتبط بتمويل حصلت عليه الشركة. لكن قبل ما نستنتج أي حاجة، لازم نطلب النسخة الأصلية، ونعرف مين قدم المستند، وإزاي تم اعتماده.»
فضلت أبص للورقة.
المبلغ كان أكبر بكتير من أي مبلغ كنت وافقت أضمنه قبل كده.
ولو المستند صحيح، فده معناه إن فيه التزام مالي ممكن يترتب عليه مسؤوليات كبيرة بالنسبة لي.
أما لو التوقيع اتستخدم من غير موافقتي، فالموضوع محتاج تحقيق قانوني جاد.
قلت لراشيل:
«عايزة أعرف مين قدم الورقة دي، ومين وافق عليها، وكل مستند اتبنى عليها.»
هزت راسها.
«هنطلب كل السجلات المتاحة بالطريقة القانونية، ومش هنسيب أي نقطة من غير مراجعة.»
في اللحظة دي، موبايلي اهتز.
كانت رسالة من سارة.
فتحتها، ولقيت صورة قديمة ليا معاها وإحنا صغيرين، وتحتها جملة:
«إنتِ بجد هتضيعي عيلتك كلها علشان شوية فلوس؟»
فضلت أبص للصورة.
افتكرت الأيام اللي كنت باخدها فيها معايا علشان تخرج، والمناسبات اللي كنت بشتري لها فيها الهدايا، والمواقف اللي وقفت جنبها فيها لما كانت بتحتاجني.
وبعدين افتكرت إزاي طلبت مني أسيب بطاقتي وأنا خارجة من البيت، كأن كل اللي يهمها هو الفلوس اللي ممكن تخسرها.
كتبت لها ردًا قصيرًا:
«أنا مش اللي ضيّعت العيلة يا سارة. أنا بس بطلت أدفع تمن أخطاء غيري.»
وبعدين قفلت الموبايل.
في الظهر، اتصل بيا أبويا.
سيبت التليفون يرن مرتين قبل ما أرد.
جالي صوته غاضبًا:
«إنتِ فاكرة نفسك بتعملي إيه؟!»
رديت بهدوء:
«صباح الخير يا بابا.»
«بلاش استفزاز! إنتِ وقفتي بطاقاتنا، ووقفتي التفويضات المالية بتاعة الشركة، وخلّيتي المحاسب يتكلم معايا كأني واحد غريب!»
قلت:
«أنا ألغيت التفويضات اللي كنت مديّاها، وطلبت مراجعة الحسابات. ده حقي.»
صرخ:
«حسابات إيه؟! دي شركتي أنا! إنتِ مالكيش دعوة بإدارة شغلي!»
رديت من غير ما أرفع صوتي:
«لو دي شركتك وحدك، يبقى المفروض تقدر تديرها من غير ما تعتمد على فلوسي وتفويضاتي.»
سكت لحظة.
وبعدين غيّر نبرته، وحاول يتكلم بهدوء مصطنع.
«اسمعيني يا إيمي. إنتِ بنتي، وأنا أبوكي. حصل سوء تفاهم، وكلنا كنا متعصبين امبارح. تعالي البيت، ونتكلم بهدوء، وننهي الموضوع.»
غمضت عيني.
قبل يوم واحد بس، كان بيصرخ في وشي وبيقول إني مش بنته.
والنهارده، لما اكتشف إن فلوسي مش هتفضل متاحة له، افتكر فجأة إنه أبويا.
سألته:
«لو كنت رجعت البيت امبارح من غير فلوس، كنت هتعتذر لي برضه؟»
ما ردش.
فكملت:
«ولو ماكنتش طلبت مراجعة الحسابات، كنت هتطردني؟»
قال بعصبية:
«إنتِ بتكبّري الموضوع!»
ابتسمت بحزن.




