منوعات

الجزء الثاني والاخير بقلم محمد عبده

### الجزء الثاني: التسجيل اللي قلب الحفلة على صاحبها

في البداية، ماحدش اهتم بالصوت اللي بدأ يطلع من السماعات. بعض الضيوف افتكروا إن الـDJ بيجهز أغنية جديدة، وجاسر كان لسه بيضحك مع أصحابه، ورافع كوباية العصير في إيده، ومستمتع بنفسه كأنه ملك المكان.

لكن بعد ثوانٍ قليلة، اتغير كل شيء.

خرج صوت جاسر واضح من السماعات، وقال بنبرة متوترة:

«فانيسا، أرجوكي اسمعيني للآخر. أنا عارف إن اللي بطلبه منك صعب، بس أنا مش قادر أبطل تفكير فيكي. إنتِ مختلفة عن أي واحدة عرفتها في حياتي.»

اختفت الابتسامات بالتدريج.

كريم، أخوه الأصغر، رفع رأسه فجأة وبص ناحية السماعات.

أما فانيسا، فوشها شحب، وإيديها بدأت ترتعش وهي بتبص حواليها، كأنها بتحاول تفهم إزاي الكلام ده بيتذاع قدام كل الناس.

لكن التسجيل ماكانش خلص.

رجع صوت جاسر يتردد في المكان:

«أنا عارف إنك متجوزة كريم، وإن أنا كمان متجوز مريم، بس محدش لازم يعرف أي حاجة. خلينا نتقابل مرة واحدة بس، وأنا هثبت لك إنك أهم واحدة عندي.»

سقط الصمت على الحفلة.

المية اللي كانت بتتحرك بهدوء في حمام السباحة بقت الصوت الوحيد اللي ممكن يتسمع للحظات، قبل ما التسجيل يكمل.

«فانيسا، أرجوكي، ما ترفضينيش. أنا مستعد أعمل أي حاجة عشانك. حتى لو اضطرّيت أخبي الموضوع عن الكل، المهم تديني فرصة.»

وفجأة، التسجيل انتهى.

مافيش موسيقى.

مافيش ضحك.

ومافيش حد عارف يقول كلمة.

كل العيون اتوجهت ناحية جاسر.

كان واقف مكانه، وكأن حد ثبّته في الأرض. لون وشه اتغير، وابتسامته اختفت تمامًا، وبص لي بذهول قبل ما يلف ناحية الـDJ.

صرخ بصوت مرتفع:

«اقفل الصوت ده فورًا! إنتوا بتعملوا إيه؟!»

لكن الصوت كان اتوقف بالفعل.

المشكلة إن الكلمات كانت وصلت لكل الموجودين، ومحدش يقدر يتظاهر إنه ما سمعش حاجة.

جاسر اندفع ناحيتي، وملامحه مليانة غضب وخوف.

«مريم! إنتِ إزاي تعملي كده؟! إنتِ اتجننتي؟!»

بصيت له بهدوء وقلت:

«أنا؟ هو أنا اللي سجلت الكلام ده؟ ولا أنا اللي طلبت من مرات أخويا إنها تقابلك في السر؟»

حاول يقاطعني، لكني رفعت إيدي وقلت:

«استنى، لسه مخلصتش.»

قرب كريم من أخوه، وكان واضح إنه بيحاول يسيطر على نفسه.

بص لجاسر وقال بصوت مخنوق:

«قول لي إن التسجيل ده متفبرك. قول لي إن صوتك مش هو اللي سمعناه كلنا.»

جاسر فتح بقه، لكنه ماعرفش يرد.

بص لفانيسا، وكأنه مستني منها تنقذه بكلمة واحدة.

لكنها رجعت خطوة لورا، وهزت رأسها وهي بتقول:

«أنا ماكنتش عايزة الموضوع يوصل لكده، بس أنا رفضت طلبه أكتر من مرة. هو اللي كان بيحاول يقرب مني، وأنا كنت بتجاهله عشان ما أعملش مشكلة بين الإخوات.»

كريم بص لها، ثم رجع بعينيه لأخوه.

«يعني إنت كنت بتحاول تتقرب من مراتي من ورايا؟ وفي نفس الوقت بتقف قدام الناس تهين مراتك وتقول إنها أقل من غيرها؟»

جاسر بدأ يتلعثم:

«يا كريم، إنت فاهم الموضوع غلط. التسجيل متاخد من سياقه، وأنا كنت بهزر معاها.»

ضحكت ضحكة قصيرة من غير أي فرحة.

«بتهزر؟ هو التوسل إن واحدة متجوزة توافق تقابلك في السر بقى هزار؟»

ماحدش رد.

وفي اللحظة دي، حسيت إن كل التعب اللي شلته على كتافي خلال السنتين اللي فاتوا بدأ يظهر قدام عيني.

أنا اللي كنت بصحى كل يوم وأحسب المصاريف، وأدور على طرق أسدد بيها الديون، وأتنازل عن حاجات كتير عشان جوزي مايقعش.

أنا اللي كنت بدافع عنه لما الناس تسأل عن سبب تأخره في سداد التزاماته.

وهو في المقابل، كان بيجهز لي إهانة قدام مية شخص، وبيحاول يقرب من مرات أخوه في السر.

لكن المفاجأة الحقيقية ماكنتش التسجيل.

المفاجأة كانت في اللي هقوله بعده.

رفعت الموبايل قدام جاسر وقلت:

«بما إنك بتحب تستعرض حياتك قدام الناس، تعالَ نكمل الاستعراض للآخر.»

اتوتر أكتر، وقال:

«مريم، إنتِ بتعملي إيه؟ كفاية فضايح!»

بصيت له مباشرة وقلت:

«فضايح؟ إنت اللي بدأت لما قررت تهينني قدام الناس. أنا بس هقول لهم الحقيقة اللي كنت مخبياها عنهم.»

سكت لحظة، ثم قلت:

«إنتوا كلكم فاكرين إن جاسر راجل أعمال ناجح، وإن الفيلا دي والحفلات الغالية والبدلات والعربيات دليل على إنه عايش في نعيم. بس فيه حاجة محدش يعرفها.»

التفتُّ ناحية الضيوف.

«جاسر غرقان في الديون من سنتين. والفلوس اللي كان المفروض يسدد بيها التزاماته، كنت أنا اللي بدفعها من مدخراتي.»

بدأ الهمس ينتشر بين الحاضرين.

واحد من أصحاب جاسر بص له باستغراب، وقال:

«إنت مش كنت قايل لنا إنك خلصت كل التزاماتك من السنة اللي فاتت؟»

جاسر ما ردش.

كملت كلامي:

«أنا دفعت أقساط، وسددت مبالغ متأخرة، وغطيت التزامات كان ممكن تسبب له مشاكل كبيرة. كنت فاكرة إني بساعد جوزي يقف على رجله من جديد. لكن الحقيقة إني كنت بحاول أحافظ على صورة راجل ماكانش بيحترم حتى الست اللي بتساعده.»

جاسر قرب مني، وصوته بقى أخفض:

«مريم، أرجوكي، نتكلم في البيت. مش قدام الناس.»

بصيت له وقلت:

«لما كنت بتضحك عليّ قدام الناس، ماطلبتش مني نستنى لحد ما نروح البيت. ليه دلوقتي عايز كل حاجة تبقى في السر؟»

ماعرفش يرد.

وبعدين أخرجت من حقيبتي ملفًا صغيرًا، كنت مجهزاه من قبل الحفلة.

ماكانش فيه أسرار شخصية، ولا حاجات تخص حد غيري. كان فيه صور من التحويلات المالية اللي عملتها لسداد ديونه، وكشوف بالمبالغ اللي دفعتها على مدار السنتين.

حطيت الملف على الترابيزة قدامنا.

وقلت:

«دي مش اتهامات من غير دليل. دي فلوسي، ودي التحويلات اللي تثبت كل كلمة قلتها.»

مد جاسر إيده ناحية الملف، لكني سحبته بعيد عنه.

«لأ. الملف ده هيفضل معايا. أنا مش هسمح لك تستخدم فلوسي أو تعبي عشان تحافظ على صورتك، وبعد كده تعاملني كأني ولا حاجة.»

في اللحظة دي، كريم خلع خاتم الزواج من إيده، وحطه على الترابيزة قدام أخوه، ثم بص لفانيسا وقال:

«إحنا هنمشي دلوقتي. ومش هقدر أتكلم في أي قرار يخص جوازنا وأنا بالحالة دي.»

فانيسا هزت رأسها، ومشت معاه من غير ما تبص لجاسر.

وبدأ الضيوف ينسحبوا واحد ورا التاني.

بعضهم حاول يواسيّ، وبعضهم اكتفى بنظرات صامتة، أما أصحاب جاسر المقربين، فكانوا بيتجنبوا حتى النظر في عينيه.

في أقل من عشر دقايق، الحفلة اللي كان مخطط لها عشان تبين نجاحه وقوته، تحولت لمكان فاضي تقريبًا.

فضل جاسر واقف وسط الزينة والديكورات الغالية، محاطًا بكل الحاجات اللي أنفق عليها عشان يثبت للناس إنه ناجح.

لكن لأول مرة، ماكانش فيه حد بيصفق له.

اقترب مني، وعينيه مليانة غضب وندم في نفس الوقت.

وقال بصوت واطي:

«إنتِ دمرتي حياتي يا مريم.»

بصيت له، وقلت بهدوء:

«لأ يا جاسر. أنا بس بطلت أحميك من نتائج اختياراتك.»

ثم أخدت حقيبتي، واتجهت ناحية الباب.

وقبل ما أخرج، سمعت صوته بيناديني:

«مريم! استني! إحنا نقدر نصلح كل حاجة!»

وقفت للحظة، من غير ما ألتفت.

كنت عارفة إن اللي حصل الليلة دي مش نهاية الحكاية، وإن فيه أسرار تانية لسه هتظهر.

لكن أهم قرار كنت أخدته بالفعل.

مش هرجع أكون الست اللي بتدفع تمن أخطاء غيرها، وبعدين تتعرض للإهانة لأنها اختارت تسامح.

خرجت من الفيلا، وأغلقت الباب خلفي.

وما إن ركبت عربيتي، حتى وصلتني رسالة من رقم ماكانش مسجل عندي.

رسالة قصيرة، لكنها خلت قلبي يدق بسرعة.

كان مكتوب فيها:

«مريم، إنتِ فاكرة إن ديون جاسر هي أكبر مشكلة عنده؟ لو عايزة تعرفي الحقيقة كاملة، لازم تعرفي هو عمل إيه بالفلوس اللي كنتِ بتحوليها له كل شهر.»

وتحت الرسالة، كان فيه اسم شخص أعرفه كويس جدًا.

شخص كان موجودًا في الحفلة من أولها لآخرها.

يتبع في الجزء الثالث…
### الجزء الثالث: الحقيقة اللي كانت مستخبية ورا الديون

فضلت باصة للرسالة على شاشة الموبايل، وأنا بحاول أفهم مين اللي بعتها وليه اختار اللحظة دي بالذات.

«إنتِ فاكرة إن ديون جاسر هي أكبر مشكلة عنده؟ لو عايزة تعرفي الحقيقة كاملة، لازم تعرفي هو عمل إيه بالفلوس اللي كنتِ بتحوليها له كل شهر.»

وتحت الرسالة، كان فيه اسم خلاني أحس ببرودة في جسمي.

أحمد، شريك جاسر في الشركة.

السابق1 من 3
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى