منوعات

الجزء الثاني والاخير بقلم محمد عبده

أحمد كان موجودًا في الحفلة، وكان من الناس اللي ضحكوا لما جاسر أهانني قدام الجميع. شفته بعيني وهو واقف جنب حمام السباحة، بيرفع كوباية العصير وبيشارك الباقيين الضحك.

إزاي شخص بالشكل ده ممكن يكون عارف أسرار جوزي؟

كتبت له بسرعة:

«إنت عايز مني إيه؟ وإيه حكاية الفلوس؟»

ماعداش دقيقة حتى رد عليّ:

«أنا مش عايز منك حاجة. بس إنتِ من حقك تعرفي الحقيقة. لو تقدري، قابليني بكرة الساعة عشرة الصبح في كافيه قريب من شركتنا. وهاتي معاكي كشوف التحويلات اللي عندك.»

ترددت.

جزء مني كان عايز يقفل الموبايل وينسى كل اللي حصل، ويرجع بيته يعيش في هدوء بعيد عن الفضايح والمشاكل.

لكن جزء تاني كان عارف إن الرجوع للصمت معناه إني ممكن أكون لسه مخدوعة.

أنا ماكنتش عايزة أنتقم من جاسر لمجرد إنه أهانني. كنت عايزة أعرف إزاي سنتين من عمري وفلوسي وثقتي في جوزي اتحولوا لكذبة كبيرة.

وفي صباح اليوم التالي، رحت المقابلة.

كان أحمد مستنيني على ترابيزة في ركن هادي من الكافيه. أول ما شافني، وقف باحترام، وطلب لي مشروبًا ساخنًا، وبعدها فتح حقيبته وأخرج ملفًا سميكًا.

قال من غير مقدمات:

«مريم، أنا عارف إن اللي هقوله صعب، بس لازم تسمعيني للآخر.»

حط قدامي مجموعة من الأوراق.

«إنتِ كنتِ بتحولي فلوس لجاسر كل شهر عشان يساعد في سداد ديونه، صح؟»

هزيت رأسي.

«أيوه. كنت فاكرة إن الفلوس بتروح للبنك وللناس اللي كان مديون لهم.»

تنهد أحمد وقال:

«جزء من الفلوس فعلًا راح لسداد التزامات قديمة. لكن جزء تاني اتصرف بطريقة مختلفة تمامًا.»

بصيت للأوراق قدامي، وسألته:

«يعني إيه؟»

فتح أول صفحة، وأشار إلى مجموعة من التحويلات المالية.

«جاسر كان بيقول لك إن الشركة بتمر بأزمة، وإنه محتاج فلوس عشان يغطي الخسائر. لكن بعض المبالغ اللي وصلت له اتنقلت لحسابات مرتبطة بمشروع خاص كان بيحاول يدخله من غير ما يبلغني.»

حسيت إن نفسي بدأ يضيق.

«مشروع إيه؟»

رد:

«مشروع عقاري. كان ناوي يدخل فيه مع مستثمرين، وكان محتاج سيولة كبيرة. المشكلة إنه دخل في التزامات أكبر من قدرته، ولما المشروع اتعطل، بدأ يستلف من هنا وهناك عشان يغطي العجز.»

بصيت له بعدم تصديق.

«يعني هو كان بيطلب مني فلوس عشان يسدد ديونه، وفي نفس الوقت بيدخل في مشاريع جديدة؟»

أحمد هز رأسه ببطء.

«للأسف، أيوه. ومش دي المشكلة الوحيدة.»

سكت لحظة، وكأنه بيجمع شجاعته عشان يكمل.

«فيه مبلغ كبير اتسجل في حسابات الشركة على إنه قرض مؤقت من أحد الشركاء. لكن المستندات اللي عندي بتوضح إن جزءًا من المبلغ ده خرج من حسابات الشركة من غير موافقة مكتملة، ولسه مش واضح اتصرف في إيه بالضبط.»

سألته بقلق:

«وإنت عايزني أعمل إيه بكل المعلومات دي؟»

رد بسرعة:

«أنا مش محقق، ومش هقدر أقول لك إن جاسر ارتكب جريمة من غير ما كل المستندات تتراجع. لكن بما إنك كنتِ بتحولي له مبالغ كبيرة، فلازم تحتفظي بكل إثباتاتك، وتفهمي إذا كان فيه أي التزام اتسجل باسمك أو اتربط بحساباتك من غير علمك.»

الكلام ده كان أهم من أي إهانة اتعرضت لها.

لأن الموضوع ما بقاش مجرد جواز فاشل أو خيانة للثقة.

أنا كنت محتاجة أتأكد إن محاولتي لمساعدة جوزي ماحطتنيش في مشكلة مالية أكبر.

أخدت صورًا من المستندات اللي يحق لي الاطلاع عليها، واحتفظت بنسخ من التحويلات الخاصة بيا، وبعدها قررت أراجع محاميًا ومحاسبًا مستقلًا قبل ما أخد أي خطوة.

لكن قبل ما أقوم، أحمد قال جملة خلتني أرجع أقعد مكاني.

«فيه حاجة تانية لازم تعرفيها عن حفلة امبارح.»

بصيت له.

«إيه هي؟»

قال:

«جاسر كان عارف إنك اكتشفتي التسجيل الصوتي قبل الحفلة.»

حسيت إن قلبي وقف للحظة.

«إنت بتقول إيه؟ أنا ماواجهتوش بالتسجيل قبل الحفلة، وماقلت لحد إني لقيته.»

أحمد قرب صوته وخفضه.

«أنا مش عارف إزاي عرف، لكن قبل ما الضيوف يوصلوا، سمعت جاسر بيتكلم في التليفون، وكان بيقول إنه هيخليكِ تخرجي من الحفلة وإنتِ منهارة، وإنك مش هتقدري تواجهيه بعدها.»

اتجمدت مكاني.

يعني إهانته ليا ماكانتش مجرد تصرف طائش بسبب الشرب أو الغرور؟

هل كان بيخطط لإذلالي عشان يضمن إني أفضل ساكتة؟

سألته:

«وإنت ليه ماقلتليش الكلام ده امبارح؟»

بص للأرض وقال:

«لأني كنت جبان. أنا شريك له، وكنت خايف على شغلي وفلوسي. لكن بعد اللي حصل، فهمت إن السكوت ممكن يخليني شريكًا في حاجة غلط.»

خرجت من الكافيه وأنا حاسة إن الصورة اللي كنت أعرفها عن جوزي بتنهار قطعة وراء قطعة.

طول الطريق، كنت بفكر في كل مرة طلب مني فيها فلوس، وكل مرة قال لي إن الأزمة قربت تخلص، وكل مرة وعدني إننا هنبدأ صفحة جديدة.

كنت بصدقه لأنني كنت بحبه.

لكن الحب من غير صدق ممكن يتحول لفخ، وأحيانًا بيخلينا ندافع عن أشخاص المفروض نسألهم عن أفعالهم بدل ما نبررها.

لما وصلت البيت، لقيت جاسر مستنيني.

كان قاعد في الصالة، ووشه مرهق، وقدامه كوباية عصير ما لمسهاش.

أول ما دخلت، وقف وقال:

«كنتِ فين؟»

حطيت حقيبتي على الترابيزة ورديت بهدوء:

«كنت بخلص شوية حاجات تخصني.»

بص لي بعصبية.

«ما تلفيش وتدوري يا مريم. إنتِ قابلتي أحمد، صح؟»

السؤال ده أكد لي إن فيه حاجات كتير كان بيحاول يخبيها.

قلت له:

«أيوه، قابلته. عندك مشكلة في كده؟»

قرب مني خطوة.

«إنتِ مالكش دعوة بشغل الشركة! إنتِ مش فاهمة حاجة عن الحسابات ولا المشاريع، وأحمد بيحاول يوقع بيني وبينك عشان ياخد مكاني.»

بصيت له طويلًا، وبعدها قلت:

«غريبة يا جاسر. لما كنت محتاج فلوسي، ماكنتش شايف إني مش فاهمة في الحسابات. كنت بتطلب مني أحول المبالغ، وتقول لي إنها هتنقذك من الأزمة. لكن لما بدأت أسأل فلوسي راحت فين، بقيت فجأة مش فاهمة حاجة.»

اتغيرت ملامحه.

حاول يهدى صوته وقال:

«أنا غلطت في حقك في الحفلة، وأنا معترف بده. كنت متعصب وشربت زيادة، وماكانش ينفع أتكلم بالطريقة دي. بس التسجيل ده مش معناه إنك تدمري جوازنا.»

سألته:

«والفلوس؟»

سكت.

كررت السؤال:

«الفلوس اللي كنت بحولها لك كل شهر راحت فين يا جاسر؟»

رد بعد لحظة:

«أنا كنت بحاول أكبر شغلي. كنت عايز أضمن لنا مستقبل كويس.»

قلت له:

«بفلوسي ومن غير ما أعرف الحقيقة؟»

رفع صوته:

«أنا جوزك! المفروض تثقي فيا!»

في اللحظة دي، حسيت إن كل شيء بقى واضحًا قدامي.

هو كان عايز ثقتي من غير ما يديني الحقيقة، وعايز دعمي من غير ما يتحمل مسؤولية قراراته، وعايزني أتحمل الإهانة عشان صورته قدام الناس تفضل سليمة.

لكن المرة دي، ماعدتش مستعدة أعمل كده.

قلت له:

«من النهارده، مش هحوّل لك جنيه واحد. وأي التزامات مالية تخصني، هراجعها بنفسي مع متخصص. ولو فيه أي ورقة اتوقعت باسمي من غير علمي، هتعامل معاها بالطريقة القانونية المناسبة.»

جاسر بص لي بصدمة.

واضح إنه كان متوقع إني أعيط، أو أصرخ، أو أهدده بالطلاق، وبعدها نرجع نتكلم وننسى كل حاجة.

لكنه ماكانش متوقع إني أبدأ أحمي نفسي بالفعل.

اقترب مني، وصوته بقى هاديًا بشكل غريب.

«مريم، إنتِ مش عارفة إنتِ بتعملي إيه. لو مشيتي في الطريق ده، هتخسري حاجات كتير.»

بصيت له وقلت:

«أنا خسرت سنتين من عمري وأنا بحاول أنقذك، وخسرت جزءًا كبيرًا من مدخراتي وأنا مصدقة وعودك. مش هسمح أخسر أكتر من كده.»

لفيت عشان أطلع من الصالة، لكنه قال جملة أخيرة خلتني أقف مكاني.

«طيب، بما إنك عايزة تعرفي الحقيقة كلها، اسألي كريم عن الفلوس اللي اتحولت لحسابه.»

التفتُّ إليه ببطء.

كريم؟ أخوه الأصغر، وجوز فانيسا؟

إيه علاقة كريم بالتحويلات المالية؟

وليه جاسر ما جابش سيرته إلا دلوقتي؟

قبل ما أقدر أسأله، رن موبايلي.

كانت رسالة جديدة من أحمد، مرفقًا بها صورة لمستند مالي.

قرأت السطر الأول، وحسيت إن الأرض بتتحرك من تحتي.

لأن اسم المستفيد من أحد التحويلات كان واضحًا قدامي.

كريم عبد الرحمن.

وتاريخ التحويل كان قبل حفلة عيد الميلاد بثلاثة أيام فقط.

لكن السؤال الأخطر ماكانش مين استلم الفلوس.

السؤال كان: هل كريم كان مجرد شخص اتورط في معاملات أخوه، ولا كان عارف كل حاجة من البداية؟

يتبع في الجزء الرابع…
### الجزء الرابع: السر اللي كشف خيانة الجميع

فضلت واقفة في نص الصالة، والموبايل في إيدي، وأنا ببص على اسم كريم في المستند اللي أحمد بعتهولي.

ماكانش سهل عليّ أصدق إن أخو جوزي ممكن يكون له علاقة بالفلوس اللي اختفت، خصوصًا إنه كان طول الوقت بيظهر قدامي كشخص هادي، بعيد عن مشاكل جاسر وشغله.

رفعت عيني ناحية جاسر وسألته:

«إيه علاقة كريم بالتحويلات دي؟»

جاسر اتنهد، وقعد على الكنبة، وبعد لحظات قال:

«كريم كان بيساعدني في شوية معاملات مالية. فيه مبالغ اتحولت لحسابه عشان إجراءات المشروع، وأنا كنت ناوي أرجعها له.»

سألته:

«طب ليه ماقلتليش الكلام ده من الأول؟ وليه كنت بتقول لي إنك محتاج الفلوس عشان تسدد ديونك؟»

ما ردش مباشرة.

قلت له:

«أنا مش هقبل منك كلام عام تاني. عايزة أشوف المستندات، وأعرف كل جنيه راح فين.»

جاسر رفع عينيه ليا وقال بغضب:

«إنتِ بقيتي بتشكّي في كل حاجة! أنا جوزك، مش واحد غريب عنك!»

رديت بهدوء:

«الثقة مش معناها إني أقفل عيني عن الحقيقة.»

طلعت من الصالة، ودخلت أوضتي، وقفلت الباب.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى