منوعات

الجزء الثاني والاخير بقلم محمد عبده

في الليلة دي، ما نمتش غير ساعات قليلة. كنت بفكر في السنتين اللي فاتوا، وفي المرات اللي كنت براجع فيها حساباتي عشان أقدر أساعد جاسر، وفي كل مرة كان بيقول لي إننا قربنا نخلص من الأزمة.

وفي الصبح، اتصلت بكريم وطلبت أقابله.

في البداية، حاول يعتذر عن اللي حصل في الحفلة، لكنه لما سمع إني عايزة أتكلم معاه في موضوع التحويلات، سكت فترة طويلة.

وبعدين قال:

«حاضر يا مريم. نتقابل النهارده.»

اتقابلنا في مكان هادي، بعيد عن الشركة وعن بيت العيلة.

أول ما قعد، حطيت قدامه صورة التحويل وسألته مباشرة:

«الفلوس دي وصلت لحسابك ليه؟»

كريم بص للمستند، وملامحه اتغيرت.

وبعد لحظات، قال:

«أنا كنت عارف إن جاسر عليه ديون، لكنه قال لي إن الفلوس دي جزء من تسوية مالية خاصة بالمشروع. ماكنتش أعرف إنها جاية من مدخراتك بالطريقة دي.»

سألته:

«يعني إنت ماكنتش عارف إني أنا اللي بسدد ديونه؟»

هز رأسه.

«كنت عارف إنك بتساعديه، لكن ماكنتش أعرف حجم المبالغ، ولا إن فيه تحويلات اتعملت من غير ما تكوني عارفة تفاصيل استخدامها.»

فضلت باصة له، وبعدين سألته عن فانيسا.

وشه اتغير مرة تانية.

قال بعد تردد:

«فانيسا حكت لي من فترة إن جاسر كان بيبعت لها رسائل وبيحاول يقرب منها. هي طلبت منه يوقف، وكانت متضايقة جدًا، لكنها ماكنتش عايزة تعمل مشكلة بيني وبينه.»

سألته:

«وإنت عملت إيه؟»

رد بصوت منخفض:

«واجهته، لكنه أنكر وقال لي إنها فهمت كلامه غلط. أنا صدقته وقتها، أو يمكن كنت عايز أصدقه عشان مش قادر أتخيل إن أخويا يعمل كده.»

للحظة، حسيت إن كريم كان واقعًا في نفس الفخ اللي وقعت فيه أنا: تصديق شخص قريب منه لأنه مش مستعد يواجه الحقيقة.

لكن ده ماكانش معناه إن كل شيء ممكن يتغفر بسهولة.

قلت له:

«أنا مش جاية أطلب منك تختار بيني وبين أخوك. أنا عايزة الحقيقة، وكل واحد فينا لازم يتحمل مسؤولية قراراته.»

كريم وافق، ووعدني إنه هيراجع التحويلات اللي تخصه، وهيقدم أي مستندات تثبت حقيقة دوره فيها.

وبعد المقابلة، قررت إن الوقت جه عشان أوقف كل محاولات التلاعب.

حجزت موعدًا مع محامٍ متخصص في القضايا المالية، وبدأت أرتب كل المستندات الخاصة بالتحويلات، وأفصل بين فلوسي الشخصية وأي معاملات تخص شركة جاسر.

المحامي وضح لي إن مجرد تحويل الأموال لجوزي لا يجعلني مسؤولة تلقائيًا عن ديونه، وإن أي التزام باسمي لازم يتراجع بشكل منفصل، حسب المستندات والظروف القانونية الخاصة به.

لأول مرة من سنتين، حسيت إني مش مضطرة أحل كل مشكلة لوحدي، ولا أصدق أي وعد من غير دليل.

لكن جاسر كان لسه عنده محاولة أخيرة.

بعد يومين، رجع البيت ومعاه باقة ورد كبيرة، وعلبة هدايا، وملامحه مختلفة عن المعتاد.

وقف قدامي وقال:

«مريم، أنا عارف إني غلطت. عارف إن اللي عملته في الحفلة كان إهانة ما تستحقيهاش. وأنا آسف.»

ما رديتش.

كمل كلامه:

«أنا كنت مضغوط من الديون والمشاكل، وخفت الناس تعرف إني مش ناجح بالشكل اللي كنت بظهر بيه. بدل ما أواجه الحقيقة، كنت بحاول أهرب منها. وبدل ما أشكرك على وقفتك جنبي، جرحتك.»

كانت دي أول مرة أسمعه يعترف بجزء من الحقيقة من غير ما يلومني.

لكنه أضاف بسرعة:

«أنا عايز فرصة أخيرة. نبدأ من جديد، وأنا هصلح كل حاجة.»

بصيت له وسألته:

«وهتصلحها إزاي؟»

قال:

«هسدد الفلوس، وهبعد عن أي مشروع فيه مخاطرة، وهثبت لك إني أقدر أبقى جوز كويس.»

سألته سؤالًا واحدًا:

«ولو ماكنتش شغلت التسجيل في الحفلة، كنت هتعتذر لي برضه؟»

سكت.

كررت السؤال:

«لو مفيش حد سمعك، ولو الناس فضلت فاكرة إنك الراجل الناجح اللي بيهزر مع مراته، كنت هتحس إنك غلطان؟»

ما قدرش يبص في عيني.

وفي اللحظة دي، عرفت إن اعتذاره، مهما كان صادقًا في جزء منه، مش كفاية يمسح اللي حصل.

قلت له:

«أنا مش هقدر أرجع أثق فيك لمجرد إنك خايف تخسرني. الثقة بتتبني بالأفعال، وإنت هدمت منها كتير.»

وبعدين قلت له إني محتاجة ننفصل فترة، وإن أي كلام عن مستقبل علاقتنا لازم ييجي بعد ما تظهر الحقيقة كاملة، وبعد ما أضمن إن حقوقي المالية محفوظة.

جاسر حاول يعترض، لكنه أدرك إني المرة دي مش بتكلم تحت تأثير الغضب.

كنت أخدت قراري بعد تفكير طويل.

وفي الأسابيع اللي بعدها، بدأت الحقائق تظهر واحدة وراء التانية.

المحاسب المستقل راجع المستندات، واتضح إن جاسر كان خلط بين بعض مصروفاته الشخصية ومعاملات المشروع، وإن جزءًا من الأموال اللي استلفها اتصرف في التزامات ومشتريات ماكانش شرحها لي وقت ما طلب الفلوس.

أما التحويلات اللي مرت بحساب كريم، فالمستندات وضحت إنها كانت مرتبطة بمعاملات تخص المشروع، لكن مسؤولية كل طرف وحقيقة علمه بالتفاصيل احتاجت مراجعة قانونية ومحاسبية دقيقة.

ماكانش كل شيء بسيطًا، وما رجعتش فلوسي في يوم وليلة، لكني أخيرًا بقيت عارفة أتعامل مع الأزمة بناءً على حقائق، مش وعود.

كريم كمان بدأ يراجع علاقته بأخوه، وقرر ياخد مسافة منه لحد ما يفهم حجم اللي حصل.

وفانيسا وضحت موقفها، وأكدت إنها رفضت محاولات جاسر للتقرب منها، وإنها مش هتسمح لأي حد يستخدم اسمها عشان يبرر تصرفاته.

أما أنا، فبدأت أرتب حياتي بعيدًا عن الضغط المستمر اللي عشت فيه سنتين.

رجعت أهتم بشغلي، ونظمت حساباتي، ووقفت أي تحويلات مالية غير واضحة، وبقيت أطلب مستندات تثبت كل معاملة قبل ما أوافق عليها.

ومع الوقت، أدركت إن أكتر حاجة خسرتها في زواجي ماكانتش الفلوس.

كانت إحساسي بالأمان، وثقتي في نفسي، واعتقادي إن التضحية المستمرة دليل على الحب.

لكن الحقيقة إن الحب مش معناه إنك تشيل أخطاء شخص تاني طول العمر، ولا إنك تسمح له يقلل منك عشان تحافظ على شكله قدام الناس.

وبعد شهور من المحاولات الفاشلة لإصلاح العلاقة، اتخذت قراري النهائي بالانفصال عن جاسر، وبدأنا الإجراءات القانونية بهدوء، بعيدًا عن الاستعراض والفضائح.

ما احتجتش أرجع لحفلة عيد ميلاده، ولا أواجهه قدام الناس مرة تانية.

اللي حصل في الليلة دي كان كافيًا عشان أعرف إن الحياة اللي كنت بحاول أحافظ عليها، ماكانتش الحياة اللي أستحقها.

### الجزء الخامس والأخير: اليوم اللي رجعت فيه كرامتي

مرّت ستة شهور على حفلة عيد ميلاد جاسر.

ستة شهور اتغيرت فيهم حاجات كتير.

أنا بقيت أهدى، وأقوى، وأكثر وعيًا بحقوقي. ما بقيتش أصحى كل يوم وأنا بفكر إزاي أنقذ جوزي من مشكلة جديدة، ولا أقضي ساعات بحاول أفهم ليه وعوده مش بتتحقق.

كنت بركز على حياتي، وشغلي، ومستقبلي.

أما جاسر، فخسر جزءًا كبيرًا من صورته المثالية قدام الناس. بعض أصدقائه ابتعدوا عنه، ومشاكل مشروعه بقت محتاجة حلول حقيقية بدلًا من المظاهر.

لكنه ماكانش اتغير في يوم وليلة، وده كان سببًا إضافيًا خلاني أتمسك بقراري.

في يوم، وصلتني منه رسالة طويلة.

كتب فيها إنه بيفكر في اللي حصل كل يوم، وإنه فهم متأخرًا إني كنت الشخص الوحيد اللي وقف جنبه لما الدنيا ضاقت عليه.

وقال إنه ندم على إهانتي قدام الناس، وإنه كان بيحاول يثبت لنفسه إنه أقوى من مشاكله، فاختار أسوأ طريقة ممكنة: إنه يقلل مني عشان يحس إنه أكبر.

قريت الرسالة للنهاية.

ماحسيتش بالشماتة، ولا حتى بالغضب اللي كنت متوقعاه.

حسيت بالأسف على السنتين اللي ضاعوا وأنا بحاول أكون كل حاجة لشخص ماكانش مستعد يكون صادقًا معايا.

كتبت له ردًا قصيرًا:

«أتمنى إنك تتعلم من اللي حصل، وتبقى شخصًا أفضل في المستقبل. لكن أنا مش هقدر أرجع للعلاقة اللي كنت فيها. أنا سامحت نفسي على إني وثقت فيك، لكن ده مش معناه إني لازم أرجع أعيش نفس التجربة.»

وبعدها، قفلت المحادثة.

ماكانش قرار سهل، لكنه كان القرار الصح بالنسبة لي.

وفي يوم جمعة، دعاني بعض أصدقائي لتناول الغداء في مطعم صغير هادي. كنت قاعدة معاهم وبضحك من قلبي، لما واحدة من صديقاتي سألتني:

«مريم، إنتِ ندمانة إنك شغلتي التسجيل في الحفلة؟»

فكرت للحظات قبل ما أجاوب.

قلت لها:

«أنا مش ندمانة إني وقفت الإهانة، لكن لو رجع بيا الزمن، كنت هواجه الحقيقة من غير ما أستنى لحد ما أوصل للمرحلة دي. كنت هحط حدودًا من أول مرة اتعاملت فيها بطريقة تقلل مني.»

سألتني:

«يعني لو رجع واعتذر، مش هتسامحيه؟»

ابتسمت وقلت:

«التسامح حاجة، والرجوع حاجة تانية. ممكن أسامح عشان أرتاح، لكن مش لازم أرجع لشخص فقدت الثقة فيه.»

بعد الغداء، رجعت البيت ووقفت قدام المراية.

نفس المراية اللي كان جاسر بيستخدمها عشان يسخر من شكلي، ويسألني إذا كنت شفت نفسي مؤخرًا.

بصيت لنفسي طويلًا.

ما كنتش محتاجة أكون أجمل من فانيسا، ولا أغنى من أي واحدة، ولا أثبت للناس إنني أفضل من غيري.

كنت محتاجة بس أشوف نفسي بعيني أنا، مش بعين شخص حاول يقنعني إن قيمتي أقل منه.

ابتسمت لنفسي.

ولأول مرة من سنين، ماكانتش ابتسامتي محاولة لإخفاء وجع أو إرضاء حد.

كانت ابتسامة واحدة أخيرًا فهمت إن كرامتها مش محتاجة موافقة أي شخص.

أما جاسر، فكان عنده أربعين سنة يوم قرر يهينني قدام مية شخص عشان يضحكهم. لكنه ما فهمش إن اللحظة اللي حاول فيها يكسرني، كانت نفس اللحظة اللي بدأت فيها أستعيد نفسي.

لم أخسر جوازي فقط، ولم أخسر المال وحده.

أنا خسرت وهمًا كنت أعيش داخله، وربحت حقي في اختيار حياة لا أضطر فيها إلى دفع ثمن أخطاء غيري.

ومن يومها، بقيت مؤمنة بحاجة واحدة:

الست اللي بتقف جنب جوزها وقت الشدة تستحق التقدير، مش الإهانة. واللي بيحبك بجد مش هيطلب منك تكسري نفسك عشان تحافظي على صورته قدام الناس.

تمت القصة.

3 من 3التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى