منوعات

اجبرني زوجي

الجزء الثاني

خرجت رنا من غرفة العمليات وهي شاحبة الوجه، بينما كان ياسر يسير بجوار سريرها، ممسكًا بيدها أمام الجميع.

لم يحاول حتى إخفاء علاقته بها.

قبل أشهر، كان يخشى أن يراه أحد معي.

أما الآن، وبعد أن حصل على توقيعي على أوراق الطلاق، بدا وكأنه لم يعد يخشى شيئًا.

اقترب منها وقبّل جبينها أمام الممرضات.

قال لها:

— كل شيء انتهى يا رنا. لم يعد هناك ما يدعو للقلق.

سمعته.

لكنني لم أشعر بالغضب.

الغريب أنني شعرت بالراحة.

لأول مرة منذ سنوات، لم أعد أنتظر منه اعتذارًا.

لم أعد أتمنى أن يختارني.

ولم أعد أريد أن أثبت له أنني كنت زوجة جيدة.

استدرت وغادرت الممر.

كنت أرتدي حذائي الطبي، وملابس المستشفى التي أصبحت أثقل على جسدي من أي وقت مضى.

دخلت غرفة الأطباء، وخلعت معطفي، ثم جلست أمام مكتبي.

فتحت حقيبتي.

وأخرجت هاتفًا قديمًا كنت أحتفظ به في درج مكتبي.

كان ياسر يعتقد أنني لا أعرف شيئًا عن حساباته.

وكان يظن أنني لا أهتم بأمواله.

لكن طوال السنوات الماضية، وبحكم عملي واحتكاكي المستمر بالمرضى وأسرهم، تعلمت شيئًا مهمًا:

لا أحد يكذب إلى الأبد دون أن يترك أثرًا.

وضعت الهاتف أمامي وفتحت مجلدًا مشفرًا.

كان يحتوي على صور ووثائق ونسخ من تحويلات مالية.

لم أكن أجمعها للانتقام.

كنت أجمعها لأنني، قبل ثلاثة أشهر، بدأت أشعر أن شيئًا خطيرًا يحدث خلف ظهري.

تحويلات مالية متكررة إلى حسابات باسم شركات لا أعرفها.

حجوزات فنادق.

فواتير مجوهرات.

وأخيرًا…

تقارير تثبت أن ياسر كان يدفع تكاليف منزل كامل تعيش فيه رنا منذ أكثر من عام.

لكن المفاجأة الأكبر لم تكن في الأموال.

كانت في شيء آخر.

فتحت ملفًا بعنوان:

“الطفلة السابعة.”

ظللت أحدق في الشاشة لعدة ثوانٍ.

ثم أغلقت عيني.

كنت قد بدأت أشك في الأمر منذ فترة.

ليس لأنني أردت التشكيك في الطفل.

ولكن لأن هناك تناقضات كثيرة في التواريخ الطبية التي رأيتها صدفة.

وضعت يدي على جبيني.

وقلت لنفسي:

— يا إلهي…

ثم رن هاتفي.

كان المتصل محاميًا كنت قد تواصلت معه قبل أسبوع.

أجبته.

قال مباشرة:

— سلمى، هل وقّعتِ بالفعل؟

قلت:

— نعم.

صمت للحظة.

ثم قال:

— هل أنتِ متأكدة أنك قرأتِ كل شيء؟

— قرأت كل كلمة.

— جيد. لأن ياسر يعتقد أنه حصل على كل ما يريد.

ابتسمت للمرة الأولى منذ ساعات.

قلت:

— دعه يعتقد ذلك.

قال المحامي:

— وماذا عن الخطوة التالية؟

نظرت إلى الملف الموجود أمامي.

ثم قلت:

— نفذ ما اتفقنا عليه.

— هل أنتِ مستعدة؟

أجبته بهدوء:

— هذه المرة… نعم.

أغلقت الهاتف.

وبعد دقائق، دخلت زميلتي المقربة داليا إلى الغرفة.

كانت تعرف جزءًا من الحقيقة فقط.

نظرت إلى وجهي وسألت:

— هل أنتِ بخير؟

قلت:

— لأول مرة… نعم.

جلست بجواري.

— ماذا فعل ياسر؟

أجبت:

— أعطاني أوراق الطلاق.

شهقت.

— ووقعتِ؟

— نعم.

نظرت إليّ وكأنها لم تصدق.

— سلمى، هل فقدتِ عقلك؟

ضحكت بهدوء.

— لا. أنا فقط توقفت عن الخوف.

ثم أخرجت من حقيبتي ظرفًا أبيض.

وضعته أمامها.

قالت:

— ما هذا؟

قلت:

— الشيء الذي سيعرف ياسر بسببه أنني لم أكن المرأة الضعيفة التي ظنها.

لكن قبل أن أفتحه، سمعنا طرقًا على الباب.

دخل أحد الموظفين وقال:

— دكتورة سلمى، زوجك ينتظرك في الخارج.

نظرت إلى داليا.

ثم إلى الظرف.

وقلت:

— دعيه يدخل.

فتح الباب.

دخل ياسر وهو يبتسم.

قال:

— أخيرًا وقّعتِ.

نظرت إليه بهدوء.

— نعم.

اقترب مني وقال:

— كنت أعرف أنك ستفهمين في النهاية. لا داعي لكل تلك الدراما.

وضعت القلم على المكتب.

ثم قلت:

— ياسر… هل أنت متأكد أنك تريد أن تعرف ماذا وقّعت عليه؟

اختفت ابتسامته للحظة.

— ماذا تقصدين؟

أخرجت نسخة من الأوراق.

وضعتها أمامه.

وقلت:

— اقرأ الصفحة الأخيرة.

تناول الأوراق بسرعة.

قرأ السطر الأول.

ثم الثاني.

وفجأة تغير لون وجهه.

رفع عينيه نحوي.

— من أين حصلتِ على هذا؟

ابتسمت.

— من المكان نفسه الذي حصلتَ منه أنت على أوراق الطلاق.

سأل بصوت منخفض:

— ماذا فعلتِ؟

أجبته:

— لم أفعل شيئًا بعد.

ثم وقفت.

— لكنك ستعرف قريبًا.

وقبل أن يغادر، قلت:

— بالمناسبة يا ياسر…

استدار.

قلت:

— لا تقلق بشأن رنا.

نظر إليّ باستغراب.

— لماذا؟

ابتسمت وقلت:

— لأن المشكلة الحقيقية في قصتكما ليست أنا.

ثم أضفت:

— المشكلة هي الطفلة التي وُلدت الليلة.

تجمد في مكانه.

ولأول مرة منذ عشر سنوات…

رأيت الخوف في عيني زوجي.

نواصل من لحظة ظهور الخوف على وجه ياسر، ونكشف الحقيقة تدريجيًا.

الجزء الثالث

ظل ياسر واقفًا أمام مكتبي دون أن ينطق.

كانت عيناه مثبتتين على وجهي، وكأنه يحاول أن يفهم كيف يمكن لامرأة قضت عشر سنوات بجانبه أن تتحدث بهذه الثقة.

قال أخيرًا:

— ماذا تقصدين بالطفلة؟

أجبته:

— أنت تعرف جيدًا ماذا أقصد.

هز رأسه بسرعة.

— لا، لا أعرف.

فتحت الدرج وأخرجت ملفًا بنيًا.

وضعته أمامه.

— إذن اقرأ.

مد يده، لكنه لم يفتح الملف.

قال بعصبية:

— سلمى، لا تلعبي معي.

نظرت إليه بثبات.

— أنا لا ألعب.

فتح الملف.

كانت بداخله صور من تقارير طبية، وتحويلات مالية، ومراسلات بين عيادة خاصة وأحد الأشخاص الذين يعملون معه.

قرأ الصفحة الأولى.

ثم الثانية.

وفي الصفحة الثالثة توقف تمامًا.

كان هناك تقرير يوضح أن رنا خضعت لفحص طبي قبل أشهر، وأن المعلومات الموجودة في التقرير لا تتطابق مع ما أخبره به طوال تلك الفترة.

رفع رأسه.

— من أين حصلتِ على هذه التقارير؟

قلت:

— لا يهم.

صرخ:

— بل يهمني!

قلت بهدوء:

— ما يهم الآن هو أنك وقّعت بنفسك على شيء أخطر بكثير من ورقة طلاق.

حدق فيّ.

— ماذا فعلتِ؟

أجبته:

— أنا لم أفعل شيئًا سوى أنني قرأت.

ثم أشرت إلى الأوراق التي وقّعتها.

— وأنت لم تقرأ.

سحب الورقة الأخيرة من الملف.

بدأ يقرأ.

وبعد ثوانٍ، تغيرت ملامحه تمامًا.

كان أحد البنود ينص على أن توقيعه وموافقته على إجراءات الطلاق لا تعني تنازلي عن حقوقي المالية، خصوصًا في حال ثبوت وجود أموال مشتركة أو ممتلكات تم إخفاؤها أثناء الزواج.

أما البند الذي أخافه حقًا، فكان متعلقًا بإقراره السابق بمسؤوليته عن بعض التحويلات المالية.

لقد كان يعتقد أنني وقّعت على طلاق بسيط يترك لي القليل.

لكنه لم ينتبه إلى أنني كنت قد راجعت الأوراق مع محامي قبل توقيعها.

قال بصوت مرتجف:

— هذه ليست الأوراق التي أعطيتك إياها.

ابتسمت.

— بل هي النسخة التي وقّعت عليها.

ثم قلت:

— النسخة التي كنت مستعجلًا جدًا للحصول على توقيعي عليها.

جلس على الكرسي.

مرر يده على وجهه.

— سلمى… ماذا تريدين؟

كان هذا السؤال هو أكثر شيء انتظرته منه طوال عشر سنوات.

لكنني لم أعد أريده.

قلت:

— أريد حقي فقط.

— سأعطيك المال.

هززت رأسي.

— لا أريد منك شيئًا كصدقة.

— إذن ماذا تريدين؟

نظرت في عينيه.

— الحقيقة.

ساد الصمت.

ثم قلت:

— أريد أن أعرف لماذا فقدت أطفالي الثلاثة، بينما كانت رنا تنجب لك طفلًا بعد الآخر.

ارتبك.

— ماذا تقولين؟

— أريد أن أعرف أيضًا لماذا كنت تختفي كل مرة أمرض فيها أو أحتاج إليك.

ثم دفعت إليه ورقة أخرى.

— والأهم… أريد تفسيرًا لهذا.

أمسك الورقة.

كانت نتيجة تحليل طبي قديم.

نظر إليها.

ثم رفع عينيه ببطء.

— هذا…

قلت:

— نعم.

توقف للحظة.

ثم قال:

— من قال لكِ هذا؟

أجبته:

— الطبيب الذي أجرى لي الفحوصات منذ سنوات.

ارتجفت يده.

— سلمى، لا تدخلي في أمور طبية لا تفهمينها.

ضحكت بمرارة.

— أنا طبيبة يا ياسر.

ساد الصمت مرة أخرى.

قلت:

— كنت تعرف أن المشكلة ليست عندي.

لم يجب.

تابعت:

— ومع ذلك، تركتني أعيش سنوات وأنا أعتقد أن جسدي هو السبب.

خفض رأسه.

وفي تلك اللحظة فهمت.

لم يكن صمته بسبب الصدمة.

كان لأنه يعرف الحقيقة.

قبل أن أتمكن من قول شيء آخر، انفتح الباب فجأة.

كانت داليا تقف عند الباب.

قالت:

— سلمى، هناك مشكلة.

نظرت إليها.

— ماذا حدث؟

قالت:

— رنا تطلب رؤيتك فورًا.

نظر ياسر إليها بسرعة.

— لماذا؟

أجابت:

— لا أعرف.

ثم أضافت:

— لكنها قالت إن الأمر يتعلق بالطفلة.

وقف ياسر فورًا.

— أين هي؟

قالت داليا:

— في غرفة الإفاقة.

خرج ياسر مسرعًا.

أما أنا فبقيت مكاني.

لم أتحرك.

قالت داليا:

— لن تذهبي؟

السابق1 من 4
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى