منوعات

اجبرني زوجي

قلت:

— لا.

— لكن ربما تحتاجك.

نظرت إلى الباب الذي خرج منه ياسر.

— لقد احتاجني عشر سنوات ولم يسألني أحد إن كنت أحتاج إليه.

ثم أغلقت الملف.

لكن بعد أقل من دقيقة، عاد ياسر.

كان وجهه مختلفًا.

لم يعد غاضبًا.

لم يعد واثقًا.

كان شاحبًا.

اقترب مني وقال:

— سلمى… تعالي معي.

قلت:

— لماذا؟

قال بصوت منخفض:

— رنا تريد أن تخبرك بشيء.

— يمكنها أن تقوله أمامك.

هز رأسه.

— لا.

ثم نظر حوله وكأنه يخشى أن يسمعه أحد.

— قالت إن الأمر لا يتعلق بالطفلة فقط.

توقفت للحظة.

— إذن بماذا يتعلق؟

نظر إليّ مباشرة.

وقال:

— يتعلق بكِ… وبالأطفال الذين فقدتِهم.

شعرت لأول مرة أن قلبي توقف عن النبض للحظة.

قلت:

— ماذا تعرف رنا؟

لم يجب.

فقط قال:

— إذا عرفتِ الحقيقة، فلن تعودي تنظرين إليّ بالطريقة نفسها.

أجبته:

— أنا أصلًا لم أعد أنظر إليك بالطريقة نفسها.

ثم أخذت الملف، وخرجت معه نحو غرفة الإفاقة.

لكنني لم أكن مستعدة لما كانت رنا على وشك أن تقوله.

لأن الحقيقة التي أخفتها عني طوال هذه السنوات…

كانت أخطر بكثير من مجرد علاقة غرامية.

وكانت مرتبطة مباشرة بالأطفال الثلاثة الذين فقدتهم.
الجزء الرابع

دخلت غرفة الإفاقة بخطوات هادئة.

كانت رنا مستلقية على السرير، وطفلتها الصغيرة نائمة بجوارها.

لكن وجه رنا لم يكن وجه امرأة سعيدة بقدوم طفلها السابع.

كانت تبدو خائفة.

وبمجرد أن رأتني، طلبت من الممرضة أن تخرج.

بقي ياسر عند الباب.

قالت رنا بصوت ضعيف:

— لا… أريده أن يخرج أيضًا.

نظر ياسر إليها بصدمة.

— رنا؟

كررت:

— اخرج يا ياسر.

ظل واقفًا للحظات، ثم خرج وأغلق الباب خلفه.

اقتربت منها.

— ماذا تريدين مني؟

نظرت رنا إلى الطفلة، ثم إليّ.

وقالت:

— أنا مدينة لكِ باعتذار.

لم أجب.

— منذ سنوات وأنا أكرهك.

تفاجأت.

تابعت:

— كنت أعتقد أنك المرأة التي تقف بيني وبين ياسر. كان يقول لي إنك لا تهتمين به، وإنك تبقين معه فقط بسبب المال.

ابتسمت بسخرية.

— يبدو أنه كان يقول لكِ أشياء كثيرة.

خفضت عينيها.

— لكنه كذب عليّ.

ثم أمسكت يدي فجأة.

سحبت يدي بهدوء.

— ماذا حدث؟

قالت:

— قبل خمس سنوات، اكتشفت شيئًا.

توقفت.

— ماذا؟

قالت:

— اكتشفت أن ياسر كان يخضع لعلاج طبي سري.

تجمدت في مكاني.

— علاج ماذا؟

نظرت إليّ مباشرة.

— علاج متعلق بالخصوبة.

شعرت ببرودة تسري في جسدي.

— ماذا تقصدين؟

قالت:

— ياسر كان يعرف منذ البداية أن لديه مشكلة تمنعه من الإنجاب بشكل طبيعي.

لم أتحرك.

كنت أسمع كلماتها، لكن عقلي كان يرفض استيعابها.

— منذ متى؟

— قبل زواجكما.

أغمضت عيني.

عشر سنوات.

عشر سنوات كاملة وأنا أعتقد أن جسدي هو السبب.

كل زيارة لطبيب.

كل تحليل.

كل عملية.

كل مرة كنت أعود فيها إلى البيت وأنا ألوم نفسي.

فتحت عيني.

— لماذا لم يخبرني؟

قالت رنا:

— لأنه كان خائفًا من أن تتركيه.

ضحكت ضحكة قصيرة بلا فرح.

— فاختار أن يتركني أنا ألوم نفسي؟

لم تجب.

ثم قالت:

— لكنه لم يتوقف عند ذلك.

نظرت إليها.

— ماذا فعل؟

ترددت.

ثم قالت:

— عندما فقدتِ طفلك الأول، كان ياسر قد بدأ بالفعل في البحث عن امرأة أخرى يمكن أن تحمل منه باستخدام علاج خاص.

قلت:

— لكنك أنجبتِ سبعة أطفال.

هزت رأسها.

— نعم.

ثم أضافت:

— لكن ليس كل ما قاله لك صحيحًا.

شعرت أن الغرفة تضيق من حولي.

— ماذا تعنين؟

نظرت إلى الطفلة الصغيرة.

— الأطفال الذين أنجبتهم… ياسر كان يستخدم أسمائهم لإخفاء أشياء أخرى.

— أشياء مثل ماذا؟

بدأت تبكي.

— أموال.

صمتُّ.

تابعت:

— كان يسجل بعض الممتلكات والحسابات بأسماء مرتبطة بأطفالي، ثم ينقل الأموال بينها حتى لا يستطيع أحد تتبعها بسهولة.

نظرت إليها بذهول.

— وأنتِ كنتِ تعرفين؟

— عرفت منذ عامين.

— ولماذا لم تتحدثي؟

قالت:

— لأنه هددني.

سألت:

— بماذا؟

خفضت صوتها.

— قال إنه إذا تكلمت، فسوف يأخذ الأطفال مني.

نظرت إلى الطفلة.

ثم قالت:

— لكن هناك شيء آخر.

شعرت بأنني لم أعد أحتمل المزيد.

— ماذا أيضًا؟

قالت:

— الطفلة التي ولدت الليلة…

نظرت إليها.

— ماذا بها؟

قالت:

— ليست المشكلة في نسبها.

صمتت.

— المشكلة في ملفها الطبي.

شعرت بقلبي يخفق بشدة.

— ماذا حدث؟

قالت:

— قبل الولادة بأيام، اكتشفت أن هناك شخصًا حاول تغيير بعض بياناتها في السجلات الطبية.

— لماذا؟

— لا أعرف.

ثم أمسكت بيدي.

— لكنني عرفت اسم الشخص الذي دخل إلى النظام.

سألتها:

— من؟

رفعت عينيها نحوي.

وقالت:

— ياسر.

تراجعت خطوة.

لم أجد كلامًا.

في تلك اللحظة، طرق أحدهم الباب.

دخلت الممرضة وهي تحمل ملفًا.

قالت:

— دكتورة سلمى، آسفة للمقاطعة، لكن هذا الملف وصلني منذ دقائق.

أخذته.

فتحت الصفحة الأولى.

ثم توقفت.

كان هناك اسم الطبيب الذي طلب تعديل البيانات.

لكن المفاجأة أن التعديل لم يكن متعلقًا برنا.

كان متعلقًا بي أنا.

وبتاريخ قديم يعود إلى يوم فقدت طفلي الثاني.

شعرت أن يدي بدأت ترتجف.

نظرت إلى رنا.

— ماذا يعني هذا؟

قالت وهي تبكي:

— يعني أن ما حدث لكِ قبل سنوات ربما لم يكن  كما كنتِ تظنين.

رفعت رأسي.

لأول مرة منذ عشر سنوات، شعرت أنني أمام شيء أكبر من الخيانة والطلاق.

كان هناك شخص تلاعب بحياتي.

وشخص أخفى الحقيقة.

وشخص جعلني أصدق أنني أنا السبب.

نظرت إلى الباب.

كان ياسر يقف خارجه.

وعندما التقت عيناي بعينيه…

أدركت من نظراته أنه كان يعرف أنني بدأت أقترب من الحقيقة.

فتح الباب ببطء.

وقال:

— سلمى… يجب أن نتحدث.

رفعت الملف أمامه.

— نعم يا ياسر.

ثم قلت:

— أعتقد أن الوقت حان لكي تخبرني بالحقيقة كاملة.

لم يجب.

فقط نظر إلى الملف.

وعندما رأيت الخوف في وجهه، عرفت أنني أخيرًا وصلت إلى الشيء الذي ظل يخفيه عني طوال هذه السنوات.

لكنني لم أكن أعرف أن الحقيقة التالية…

ستجعلني أشك حتى في الأشخاص الذين ظننت أنهم كانوا يحاولون حمايتي.
الجزء الخامس

ظل ياسر واقفًا عند الباب، ينظر إلى الملف في يدي وكأنه رأى شيئًا كان يتمنى ألا أراه أبدًا.

قلت:

— ادخل.

لم يتحرك.

كررت:

— قلت لك ادخل.

أغلق الباب خلفه ببطء.

نظرت إليه رنا، ثم قالت:

— كفاك كذبًا يا ياسر.

التفت إليها بعصبية.

— اخرسي يا رنا.

لأول مرة رأيته يفقد أعصابه بهذه الطريقة.

لكن رنا لم تتراجع.

قالت:

— لقد وعدتني أنك لن تؤذيها.

نظرت إلى ياسر.

— تؤذيني؟

ابتلع ريقه.

— سلمى، الأمر ليس كما تظنين.

قلت:

— إذن اشرح لي.

صمت.

رفعت الملف.

— لماذا تم تعديل بيانات ملفي الطبي يوم فقدت طفلي الثاني؟

لم يجب.

— من أعطى الأمر؟

ظل صامتًا.

اقتربت منه خطوة.

— هل كنت أنت؟

قال بسرعة:

— لم أكن أريد أن يحدث هذا.

توقفت.

كانت تلك الجملة وحدها كافية.

قلت:

— إذن كنت أنت.

جلس على الكرسي وكأنه لم يعد قادرًا على الوقوف.

مرر يديه على وجهه.

ثم قال:

— نعم.

شعرت أن كل شيء من حولي اختفى.

لم أصرخ.

لم أبكِ.

فقط سألته:

— ماذا فعلت؟

قال:

— لم  طفلك.

أجبته:

— لم أسألك إن كنت .

رفع عينيه نحوي.

— كنت أريد أن أمنعك من معرفة شيء.

— ماذا؟

قال:

— الطبيب أخبرني أن الحمل كان معرضًا للخطر بسبب حالتك الصحية في ذلك الوقت.

حدقت فيه.

— حالتي الصحية؟

— نعم.

قلت:

— أنا طبيبة يا ياسر. كنت أعرف تقاريري.

قال:

— لكنك لم تعرفي التقرير الكامل.

تقدمت نحوه.

— ماذا كان في التقرير؟

أخرج هاتفه، وبدأ يبحث عن شيء.

ثم قال:

— كانت هناك نتيجة تشير إلى وجود خطأ في أحد التحاليل.

نظرت إليه.

— أي تحليل؟

— تحليل الحمل.

صمتُّ.

قال:

— كان هناك شخص يتلاعب بالنتائج.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى