منوعات

الجزء الثاني والاخير

الجزء الثاني: السر اللي أبويا سابه وراه

خرجت من بوابة المصنع وأنا حاسة إن حياتي كلها بتتغير قدامي، وإن كل حاجة كنت مصدقاها عن جوازي بقت محتاجة مراجعة من جديد.

كنت ماشية من غير ما أعرف رايحة فين، وصورة فارس وسالي وحماتي مش بتفارق خيالي.

إزاي الراجل اللي عشت معاه 8 سنين يقدر يخبي عني تفاصيل كبيرة بالشكل ده؟ وإزاي أمه، اللي كانت بتعاملني طول السنين دي كأني بنتها، تكون عارفة حاجات أنا آخر واحدة تعرفها؟

ركبت عربيتي وقفلت الباب، وبعدها فتحت الصورة اللي وصلتني تاني.

كبرت الصورة وركزت على الورق اللي كان قدامهم. كان فيه ملف أزرق، وعلى طرفه ختم مكتب محاماة قديم.

لكن أكتر حاجة شدت انتباهي كانت ورقة في إيد حماتي، مكتوب في أعلاها بخط واضح:

«اتفاقية نقل الملكية والضمان».

قلبي بدأ يدق بسرعة.

ملكية إيه؟ وضمان إيه؟ وإيه علاقة أبويا بالموضوع؟

قبل ما أقدر أفكر أكتر، موبايلي رن.

كان فارس.

رفضت المكالمة.

رن تاني، فرفضت مرة تانية.

وبعدها وصلتني رسالة منه:

«نهي، أرجوكي ماتصدقيش أي حاجة شوفتيها النهارده. الموضوع أكبر من اللي إنتِ متخيلاه، وأنا محتاج أشرح لك كل حاجة بنفسي».

ابتسمت بمرارة.

حتى بعد ما اتكشف قدام الناس إنه مخبي عني تفاصيل مهمة في حياته، لسه بيحاول يتحكم في اللي أعرفه واللي ماعرفوش.

كتبت له:

«أنا مش عايزة أسمع تبريرات. أنا عايزة أعرف فلوسي راحت فين، وإيه حكاية الأوراق اللي تخص أبويا».

بعت الرسالة، وبعدها قفلت الموبايل.

كنت محتاجة أتكلم مع شخص واحد بس، شخص أقدر أثق إنه هيسمعني ويساعدني أفهم اللي بيحصل.

أخويا كريم.

اتصلت بيه، وأول ما رد، ماقدرتش أمنع دموعي.

— كريم، أنا محتاجاك.

صوته اتغير فورًا.

— مالك يا نهي؟ إنتِ بتعيطي ليه؟ فارس عمل لك حاجة؟

حكيت له كل اللي حصل في المصنع، من أول الموقف اللي جمعني بسالي، لحد الصورة اللي وصلتني والورق اللي ظهر فيها.

فضل ساكت لثواني بعد ما خلصت.

وبعدين قال جملة خلتني أستغرب:

— نهي، إنتِ متأكدة إن الصورة دي جديدة؟

استغربت سؤاله.

— أيوه، ليه؟

تنهد وقال:

— علشان من حوالي شهر، شفت فارس خارج من مكتب محامي في إسكندرية، وكان معاه أمه. لما سألته كان بيعمل إيه هناك، قالي إنه بيخلص ورق خاص بالشركة.

بصيت قدامي وأنا بحاول أستوعب.

— وإنت ماقلتليش ليه؟

— ماكنتش أعرف إن الموضوع له علاقة بيكي. أنا افتكرت إن دي إجراءات شغل عادية.

حسيت إن الصورة بدأت توضح، لكن كل ما أعرف معلومة جديدة، تظهر قدامها أسئلة أكتر.

اتفقنا نتقابل في بيتنا القديم، البيت اللي كنت عايشة فيه مع أبويا قبل ما أتجوز.

وصل كريم قبلي، وكان مستنيني على الباب.

دخلنا أوضة المكتب القديمة، وبدأنا نفتش في الأدراج والخزائن اللي أبويا كان بيحتفظ فيها بأوراق شغله.

أبويا، الحاج جلال، كان رجل أعمال بسيط، بدأ حياته من الصفر، وبنى شغله خطوة بخطوة.

ماكانش بيحب يتكلم عن فلوسه، وكان دايمًا يقول لي:

«يا بنتي، الفلوس بتروح وتيجي، لكن الأمانة لو ضاعت صعب ترجع تاني».

بعد وفاته، فضلت محتفظة بأوراقه زي ما هي، لكني ماكنتش فتحت معظمها؛ لأن كل مرة كنت بدخل مكتبه، كنت بحس إني لسه هسمع صوته بيناديني.

النهارده، كنت مضطرة أواجه الماضي علشان أفهم الحاضر.

كريم بدأ يراجع الملفات، وأنا فتحت درج مكتبه السفلي.

كان فيه ظرف بني قديم، مكتوب عليه اسمي بخط أبويا.

إيدي ارتعشت وأنا بفتحه.

جواه كانت فيه رسالة قصيرة، ومعاها صورة من عقد قديم.

بدأت أقرأ:

«بنتي نهي، لو وصلتي للورقة دي في يوم، فده معناه إن فيه حاجة حصلت خلتك محتاجة تعرفي الحقيقة.

أنا ساعدت فارس لما بدأ شركته، لكن مساعدتي ماكانتش هدية، وماكانتش فلوس من غير مقابل.

حطيت أرض المصنع ضمانًا للقرض، واتفقت معاه إن ملكية جزء من الشركة تفضل محفوظة ليكي، وإن حقك مايتنقلش لأي حد من غير موافقتك المكتوبة.

ماوقعتش على أي تنازل عن حقك، ومهما حصل، ما تسمحيش لحد يقنعك إنك مالكيش حق في تعب أبوكي».

حسيت إن نفسي اتسحب مني.

رجعت قرأت الرسالة مرة واتنين.

أبويا ماكانش مجرد شخص ساعد فارس بمبلغ من المال.

كان فيه اتفاق رسمي بيضمن حقي في جزء من الشركة!

رفعت عيني لكريم وقلت:

— يعني إيه الكلام ده؟ هو أنا ليا حصة في الشركة؟

مسك العقد وبدأ يقرأه بتركيز.

— من اللي مكتوب هنا، واضح إن فيه اتفاق بخصوص حصة وحقوق مالية، لكن لازم محامي يراجع العقد الأصلي وكل المستندات علشان نعرف وضعك القانوني بالضبط.

قلبت الورقة، فوجدت رقم عقد وتاريخًا يرجع إلى 8 سنين.

نفس الفترة اللي اتجوزت فيها فارس!

وفجأة افتكرت حاجة قديمة.

قبل فرحنا بأيام، أبويا طلب من فارس يقعد معاه لوحدهم في المكتب.

فضلوا جوه أكتر من ساعة.

لما فارس خرج، كان وشه متوتر، لكنه قال لي إن أبويا بيوصيه عليّ، وإنه وعده إنه هيحافظ عليّ طول عمره.

وقتها صدقته.

دلوقتي بدأت أسأل نفسي: هل كان أبويا بيحاول يحمي حقي من البداية؟ وهل فارس وافق على الاتفاق وهو عارف إنه في يوم من الأيام ممكن يحاول يحرمني منه؟

كريم قلب العقد على ضوء المكتب، وفجأة لاحظ ختمًا صغيرًا في أسفل الصفحة.

— استني يا نهي، فيه ملحق للعقد!

قربت منه.

كان فيه إشارة إلى مستند تاني، محفوظ عند المحامي اللي أشرف على الاتفاق الأصلي.

لكن المستند نفسه ماكانش موجودًا في الملف.

في اللحظة دي، رن موبايلي تاني.

المرة دي كان رقم غريب.

رديت بحذر.

— ألو؟

جالي صوت راجل كبير في السن:

— مساء الخير يا أستاذة نهي. أنا المستشار سامح، المحامي اللي كان بيتعامل مع والدك الله يرحمه.

اتعدلت في مكاني.

— أهلًا بحضرتك.

قال بصوت جاد:

— وصلني اتصال من شخص بيسأل عن الاتفاق القديم الخاص بشركة الرواد. ولما عرفت اسمك، قررت أتواصل معاكي بنفسي.

بصيت لكريم، وهو قرب مني علشان يسمع.

سألته بسرعة:

— حضرتك تعرف حاجة عن الاتفاق ده؟

سكت لحظة، وبعدها قال:

— أعرف أكتر مما تتخيلي. والدك كان حريص جدًا على حماية حقوقك، وترك عندي نسخة من مستند مهم. لكن قبل ما أقول لك تفاصيله، محتاج أشوفك شخصيًا.

سألته:

— ليه؟ فيه حاجة غلط في الأوراق؟

رد بحذر:

— فيه محاولة للاستفسار عن نقل بعض الحقوق في الشركة، لكني مش هقدر أحكم على الموضوع قبل ما أراجع كل المستندات. والأهم إنك ماتمضيش على أي ورقة تخص الشركة قبل ما تفهميها كويس.

قفلت المكالمة وأنا حاسة إننا قربنا من الحقيقة.

لكن قبل ما نتحرك، وصلتني رسالة جديدة من رقم مجهول.

كانت الرسالة عبارة عن صورة لورقة عليها توقيع يشبه توقيعي.

وتحت الصورة جملة واحدة:

«لو عايزة تعرفي الحقيقة، اسألي جوزك إزاي قدر يبيع حقك من غير ما يعرفك».

فضلت أبص للصورة، وقلبي بيدق بسرعة.

أنا ماوقعتش على أي ورقة تخص بيع حصتي في الشركة.

عمري ما وافقت إني أتنازل عن أي حق ليا.

ومع ذلك، كان فيه مستند يحمل توقيعًا يشبه توقيعي!

رفعت عيني لكريم وقلت:

— أنا لازم أواجه فارس.

لكنه مسك إيدي وقال:

— مش دلوقتي. لو فيه تلاعب في المستندات، لازم نتحرك بعقل. الأول نتأكد من أصل المستند، وبعدها نعرف مين عمل إيه.

كنت عارفة إنه عنده حق، لكن قلبي كان مليان غضب وقلق.

في صباح اليوم التالي، رحت لمكتب المستشار سامح ومعايا نسخة العقد ورسالة أبويا.

استقبلني في مكتبه، وطلب مني أقعد.

فتح خزنة صغيرة، وطلع ملفًا قديمًا مربوطًا بشريط أحمر.

قال:

— والدك سلّمني الملف ده قبل وفاته بفترة قصيرة، وطلب مني ما أسلمهوش لأي حد غيرك، إلا بعد ما نتأكد من هويتك ونراجع الأوراق المطلوبة.

فتح الملف قدامي.

كان فيه أصل اتفاقية الشراكة، ومستندات تخص ضمان أرض أبويا، وكشوف مالية قديمة.

لكن الورقة اللي خلت المستشار سامح يسكت فجأة كانت مستندًا أحدث، مؤرخًا قبل شهرين فقط.

قرأه بعناية، وبعدها رفع عينيه ناحيتي.

— نهي، الورقة دي بتقول إن فيه طلبًا لنقل بعض الحقوق المالية المرتبطة بالشركة، لكن التوقيع الموجود عليها لازم يتراجع فنيًا وقانونيًا. ماينفعش نفترض إنه صحيح لمجرد إنه مكتوب باسمك.

سألته وأنا بحاول أتماسك:

— ومين اللي قدم الطلب؟

قلب الصفحة، وقرأ الاسم المكتوب في خانة مقدم المستند.

كان اسم فارس.

حسيت إن الدنيا دارت بيا.

جوزي ماكانش بيخفي عني تفاصيل حياته بس.

كان فيه إجراء مالي بيحاول يتم باسمه، ومرتبط بحقوق تخصني.

لكن هل كان هو اللي قدم توقيعًا غير صحيح؟ ولا فيه حد تاني بيستخدم اسمي من وراه؟

قبل ما أقدر أسأل، المستشار سامح أخرج ورقة أخرى وقال:

— فيه حاجة كمان لازم تعرفيها. والدك اشترط في الاتفاق إن أي تصرف يمس الحقوق المحفوظة ليكي يخضع لمراجعة المستندات الأصلية، وإن أي خلاف على صحة التوقيع لازم يتحسم بالطريق القانوني.

وبعدين أضاف:

— والأهم إن فيه اجتماع لمجلس إدارة الشركة بكرة، والظاهر إنهم ناويين يناقشوا موضوع نقل الملكية.

قمت من مكاني.

— يعني بكرة ممكن يحاولوا ياخدوا حقي قدام الناس؟

رد بهدوء:

— مش بالضرورة. لسه فيه إجراءات لازم تتراجع، ووجودك ومعاكي مستنداتك مهم جدًا.

خرجت من مكتبه وأنا ماسكة ملف أبويا كأنه آخر شيء فاضل لي منه.

لكن اللي ماكنتش أعرفه إن فارس كان عارف إني بدأت أوصل للحقيقة.

وفي نفس الليلة، اتصل بيا بصوت مختلف تمامًا.

ماكانش متوتر زي كل مرة.

كان غاضبًا.

قال من غير مقدمات:

— نهي، إنتِ رحتي للمحامي سامح ليه؟

اتجمدت مكاني.

أنا ماقلتلوش إني رحت له، وماحدش من اللي قابلتهم كان المفروض يبلغ فارس.

سألته ببرود:

— إنت خايف من إيه يا فارس؟

سكت ثواني، وبعدها قال:

— اسمعيني كويس. بكرة ماتجيش الشركة، وماتدخليش نفسك في موضوع مش فاهمه.

ابتسمت رغم غضبي.

— الشركة اللي أبويا ساهم في بنائها، والحقوق اللي باسمي، بقوا فجأة موضوع مش من حقي أفهمه؟

صوته ارتفع:

— أنا جوزك، وبقول لك ده لمصلحتك!

رديت عليه:

— لو كنت فعلًا بتخاف على مصلحتي، ماكنتش خبيت عني جوازنا قدام الناس، ولا سبت سكرتيرتك تقلل مني، ولا كنت هلاقي توقيعًا باسمي على ورقة أنا ما مضيتهاش.

لأول مرة، ماعرفش يرد.

وبعد لحظة صمت طويلة، قال جملة خلتني أندهش:

— إنتِ فاكرة إن سالي هي المشكلة؟ استني لما تعرفي أمي كانت بتعمل إيه من وراكي!

قفلت عيني بصدمة.

كان يقصد حماتي، الحاجة فاطمة.

وقبل ما أسأله عن كلامه، قفل الخط.

بعدها بثوانٍ، وصلتني رسالة من كريم:

«نهي، لازم تشوفي حاجة حالًا. أنا لقيت في أوراق أبوكي نسخة من خطاب قديم، مكتوب فيه اسم الحاجة فاطمة، وفيه تحويل مالي حصل قبل فرحك بفترة قصيرة».

فتحت الصورة اللي بعتها لي.

وكان تحت اسم حماتي توقيع أبويا.

لكن التاريخ المكتوب على الخطاب كان قبل وفاته بأيام قليلة، والمبلغ المذكور فيه كان أكبر بكتير من كل المبالغ اللي فارس قال إنه استلفها من أبويا.

في اللحظة دي، فهمت إن السر مش متعلق بفارس وسالي بس.

يمكن حماتي كانت تعرف من البداية إن فيه حق مالي محفوظ ليا، ويمكن كانت بتحاول تمنعني من الوصول إليه.

لكن ليه؟

وإيه علاقة التحويل ده باتفاق الشراكة؟

وهل فارس كان بيحاول يتصرف في حقي لوحده، ولا كان فيه اتفاق بينه وبين أمه وسالي؟

بكرة كان موعد اجتماع مجلس الإدارة.

ولأول مرة من 8 سنين، قررت إني مش هروح باعتباري زوجة فارس.

هروح باعتباري صاحبة حق، ومعايا أوراق أبويا، ومستعدة أسمع الحقيقة مهما كانت مؤلمة.

لكن المفاجأة اللي كانت مستنياني في الاجتماع، إن الشخص اللي هيقف في صفي مش هيكون الحاج محمود ولا المحامي سامح… بل شخص فارس كان متأكد إنه عمره ما هيتكلم ضده.

الجزء الثالث والأخير: يوم ما الحقيقة ظهرت قدام الجميع

في صباح اليوم التالي، صحيت بدري، ولبست بدلة بسيطة باللون الكحلي، ولمّيت شعري، وحطيت أوراق أبويا في ملف أسود.

ماكانش عندي أي رغبة في الانتقام من فارس لمجرد إنه خذلني، ولا كنت عايزة أحرجه علشان أرتاح نفسيًا.

كل اللي كنت عايزاه هو الحقيقة، وفلوسي، وحق أبويا اللي تعب عمره كله علشان يسيبه ليا.

لكن جوايا كان فيه سؤال واحد مش قادر يسكت:

هل الراجل اللي عشت معاه 8 سنين كان بيخطط للاستيلاء على حقي من أول يوم، ولا الظروف غيّرته مع الوقت؟

وصلت مقر شركة الرواد في برج العرب قبل موعد الاجتماع بنص ساعة.

أول ما دخلت، الموظفين اللي كانوا موجودين في صالة الاستقبال بصوا لي باستغراب. بعضهم ابتسم لي بتعاطف، والبعض الآخر خفض عينيه، كأنهم محرجين من اللي حصل لي في اليوم السابق.

أمينة، مسؤولة المطبخ، قربت مني بسرعة.

— يا بنتي، إنتِ جاية تاني؟ بعد اللي حصل امبارح، كنت فاكرة إنك مش هتدخلي المكان ده أبدًا.

مسكت إيديها وقلت:

— أنا مش جاية أشتغل في المطبخ النهارده يا أمينة. أنا جاية علشان أعرف الحقيقة، وعلشان محدش يقدر يقلل من قيمة حد تاني لمجرد إنه أضعف منه أو محتاج شغله.

ابتسمت الست الطيبة، وعينيها لمعت بالدموع.

— ربنا يقويكي يا بنتي. إحنا كلنا مستنيين اليوم اللي حد يسمع صوتنا فيه.

دخلت قاعة الاجتماعات.

كان فارس قاعد على رأس الترابيزة، وعلى يمينه سالي، وعلى شماله والدته، الحاجة فاطمة.

أول ما شافني، وشه اتغير.

سالي ابتسمت بسخرية وقالت:

— إنتِ إيه اللي جابك هنا؟ الاجتماع ده مش للعمال ولا لموظفين المطبخ.

ما رديتش عليها.

حطيت الملف الأسود على الترابيزة، وسحبت الكرسي المقابل لفارس، وقعدت.

بصيت له في عينيه وقلت:

— أنا هنا علشان أسمع منكم تفسيرًا للأوراق اللي بتحمل اسمي، وعلشان أعرف مصير الفلوس اللي سلمتهالك يا فارس.

فارس اتكلم بعصبية:

— الاجتماع ده لمناقشة مستقبل الشركة، ومش مكان لتصفية الحسابات العائلية!

رديت بهدوء:

— وأنا كمان جاية أتكلم عن مستقبل الشركة، لأن أبويا كان طرفًا في تأسيسها، ولأن فيه مستندات بتثبت إن ليا حقوقًا لازم تتراجع قبل ما أي حد يتصرف فيها.

في اللحظة دي، دخل الحاج محمود، ومعاه المستشار سامح، المحامي اللي كان بيتابع اتفاق أبويا.

الحاج محمود قعد في آخر الترابيزة وقال:

— قبل ما نبدأ الاجتماع، فيه موضوع قديم لازم يتفتح. موضوع اتأجل كتير، ويمكن جه الوقت إننا نخلصه بشكل واضح وقانوني.

فارس اتوتر.

— حضرتك تقصد إيه يا حاج محمود؟

فتح المستشار سامح الملف، وطلع أصل اتفاقية الشراكة.

— الاتفاق الأصلي بين المرحوم الحاج جلال والشركة بيحدد حقوقًا مالية وشروطًا معينة مرتبطة بالضمانات والمساهمات اللي قدمها. وأي طلب لنقل الحقوق دي لازم يتراجع وفقًا لبنود الاتفاق والمستندات المعتمدة.

سالي قربت من فارس وهمست له بحاجة، لكنه تجاهلها.

أما حماتي، فكانت بتفرك إيديها بتوتر.

المستشار سامح كمل كلامه:

— وصلنا طلب حديث فيه توقيع منسوب للأستاذة نهي، بخصوص نقل بعض الحقوق المالية. لكن صاحبة التوقيع بتنكر إنها وقّعت على المستند، وبالتالي لازم يتم فحصه والتحقق من صحته قبل اتخاذ أي قرار.

رفعت إيدي وقلت:

— أنا فعلًا ما مضيتش على الورقة دي، وما وافقتش على بيع أو نقل أي حق يخصني.

فارس اتكلم بسرعة:

— دي إجراءات كانت هتساعد الشركة تتجاوز الأزمة. أنا ماكنتش بحاول آخذ حق حد!

بصيت له وقلت:

— لو كنت عايز تساعد الشركة، كنت جيت قلت لي الحقيقة. ليه استخدمت اسمي من غير علمي؟ وليه خبيت عني كل حاجة؟

ما ردش.

وفجأة، سالي اتدخلت وقالت:

— فارس كان بيحاول يحمي الشركة. نهي عمرها ما كانت مهتمة بالشغل، وهي أصلًا ما تعرفش حاجة عن الإدارة!

الحاج محمود بص لها بجدية.

— عدم اشتغالها في الإدارة مش معناه إن حد يقدر يتصرف في حقوقها من غير موافقتها. إحنا هنا بنتكلم عن مستندات، مش عن مين صوته أعلى.

سالي سكتت، لكن ملامحها كانت بتقول إنها مش مستعدة تستسلم بسهولة.

في اللحظة دي، المستشار سامح طلع صورة من كشف حساب قديم.

— فيه كمان مبلغ قدره ستمائة ألف جنيه دخل حساب الشركة من حساب الأستاذة نهي قبل ثلاثة شهور. المبلغ ده كان المفروض يتسجل ضمن التمويلات اللي استخدمتها الشركة، لكن المستندات اللي اتقدمت لينا مش بتوضح بشكل كافٍ أوجه صرفه.

بصيت لفارس.

— كنت بتقول لي إن الفلوس راحت للموردين. فين الإثبات؟

فارس حرك رجله بتوتر وقال:

— كان فيه التزامات كتير، ومش كل حاجة بتظهر في كشف واحد.

رد المحامي:

— وده بالضبط سبب ضرورة مراجعة الحسابات بالكامل. محدش يقدر يجزم بمصير المبلغ قبل ما يتم فحص المستندات والتحويلات.

لكن الحاج محمود كان عنده سؤال تاني.

بص للحاجة فاطمة وقال:

— يا حاجة فاطمة، إنتِ كنتِ موجودة في الاجتماع اللي اتصورتوا فيه مع فارس وسالي. ممكن توضحي لنا إيه اللي حصل؟

حماتي رفعت رأسها، وبصت لي للحظة، وبعدها نزلت عينيها.

— أنا كنت بحاول أحافظ على بيت ابني.

حسيت بوجع في صدري.

— وعلى حسابي أنا يا حاجة فاطمة؟

ما ردتش.

قربت منها وقلت:

— إنتِ اللي كنتِ بتكلميني وتقولي لي إنك بتحبيني زي بنتك. إنتِ اللي كنتِ بتقولي لي إن فارس مضغوط وإن لازم أقف جنبه. ولما اديته الفلوس، إنتِ كنتِ عارفة إن فيه حاجة غلط؟

دموعها بدأت تنزل.

— أنا ماكنتش أعرف كل التفاصيل يا نهي.

— لكنك كنتِ عارفة إن فيه أوراق بتتجهز، صح؟

فضلت ساكتة.

فارس اتدخل بعصبية:

— كفاية بقى! إنتوا بتحولوا الاجتماع لمحاكمة!

لكن قبل ما يكمل، اتفتح باب القاعة.

ودخل رجل في أواخر الخمسينيات من عمره، لابس بدلة رمادية، وماسك حقيبة جلدية قديمة.

أول ما شافه فارس، وقف من مكانه فجأة.

— عمي حسن؟!

كان الحاج حسن، شقيق والد فارس، والراجل اللي كان بعيد عن الشركة وعن العيلة من سنين طويلة.

الكل استغرب وجوده.

الحاج حسن حط حقيبته على الترابيزة وقال:

— أيوه يا فارس، أنا موجود. ويبدو إن الوقت جه علشان أتكلم.

فارس قرب منه.

— إنت عرفت مكان الاجتماع إزاي؟

رد عمه:

— من الشخص اللي اتصل بيا وطلب مني أجي وأشهد باللي أعرفه. وأنا مش هسمح إن سكوتي يخلّي ظلم جديد يحصل.

بصيت له باستغراب.

الحاج حسن فتح حقيبته وطلع منها مجموعة أوراق قديمة.

— من 8 سنين، قبل جواز فارس من نهي، والدها طلب مني أكون شاهدًا على اتفاق بينه وبين فارس. وقتها أبو نهي كان قلقان من مستقبل الشركة، وطلب مني أتابع تنفيذ الاتفاق، خصوصًا فيما يتعلق بحقوق بنته.

فارس هز رأسه بعصبية.

— الاتفاق ده انتهى من زمان!

الحاج حسن رد بثبات:

— لو كان انتهى، كان المفروض يبقى فيه مستند رسمي يثبت ده. لكن اللي معايا نسخة من الاتفاق اللي مضينا عليه، وفيه شروط واضحة.

سحب ورقة من الملف، وقدمها للمستشار سامح.

المحامي قرأها بعناية، وبعدها قال:

— دي نسخة مهمة، لكن لازم نقارنها بالأصل ونراجع صحتها ضمن باقي المستندات.

الحاج حسن أومأ برأسه.

— وأنا مستعد أشهد قدام الجهات المختصة بكل اللي أعرفه.

بصيت لفارس، وقلت:

— ليه يا فارس؟ ليه عملت فيا كده؟

لأول مرة، ما حاولش يتهرب.

قعد على الكرسي، وحط إيده على وشه.

وبعد صمت طويل، بدأ يتكلم.

— في الأول، أنا كنت فعلًا بحبك يا نهي. لما والدك ساعدني، كنت شايف إن دي فرصة أقدر أبني بيها مستقبلي. وكنت ناوي أحافظ على كل كلمة اتفقنا عليها.

سألته:

— وإيه اللي اتغير؟

رفع عينيه، وكانت باينة عليه علامات الإرهاق.

— الشركة دخلت في أزمة من فترة. ديون زادت، ومشروعات اتأخرت، وأنا خفت أخسر كل اللي بنيته. لما طلبت منك الفلوس، كنت فاكر إني هقدر أرجعها بسرعة. لكن الأمور اتعقدت.

— وسالي؟

سكت لحظة.

وبعدين قال:

— سالي دخلت حياتي في وقت كنت فيه ضعيف، وأنا غلطت. فضلت أهرب من مواجهة مشاكلي بدل ما أرجع لك وأتكلم بصراحة.

ضحكت بمرارة.

— يعني خذلتني علشان كنت ضعيف؟ وكذبت عليّ علشان كنت خايف؟ وحاولت تتصرف في حقوقي علشان تنقذ نفسك؟

ما ردش.

قلت له:

— كل مرة كان قدامك اختيار بين إنك تقول الحقيقة أو تخبيها، كنت بتختار الطريق الأسهل. وكل مرة كنت أديك فرصة تثبت إنك تستحق ثقتي، كنت بتستغلها علشان تخبي عني حاجة جديدة.

سالي قامت فجأة وقالت:

— أنا ماليش دعوة بكل ده! أنا كنت فاكرة إنك منفصل عنها، وفارس قال لي إن كل الأمور القانونية اتخلصت!

بصيت لها وقلت:

— ممكن تكوني ماكنتيش تعرفي كل حاجة عن جوازنا، لكن إهانتك ليا قدام الموظفين كانت اختيارك إنتِ. محدش أجبرك تقللي مني أو تتعاملي معايا بالطريقة دي.

سالي فتحت بقها علشان ترد، لكنها ما لقتش كلام تقوله.

أما الحاجة فاطمة، فكانت بتبكي بهدوء.

بصيت ليها وقلت:

— كنتِ تقدري تقولي لي الحقيقة. كنتِ تقدري تمنعي اللي بيحصل. لكنك اخترتي تحمي ابنك حتى لو ده معناه إنك تسيبيني أواجه كل حاجة لوحدي.

ردت وهي بتمسح دموعها:

— أنا خفت عليه يا نهي. خفت الشركة تقع، وخفت ابني يخسر كل حاجة.

قلت لها:

— والخوف على ابنك يديكي الحق إنك تظلميني؟

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى