
الجزء الثاني
أدهم كان لسه ماسك إيدي، وواقف قدام أمه لأول مرة من غير ما ينزل عينه في الأرض.
قال لها بصوت ثابت:
— أنا سكت كتير يا أمي، وكنت كل مرة بقول لنفسي إنك مهما عملتي، إنتِ أمي ولازم أستحمل. لكن اللي حصل النهارده مش هيتكرر تاني. نهى مش خدامة عندك، ودي مراتي، وليها كرامة لازم أحافظ عليها.
الحاجة زينب فتحت عينيها بدهشة، وبعدها ضحكت بسخرية.
— إنت بتكلمني أنا كده علشان خاطر مراتك؟! دي هي اللي غيرتك عليّا؟!
رد أدهم:
— محدش غيرني، أنا بس أخيرًا فهمت إن السكوت عن الغلط مش برّ بالأم، وإن ظلم مراتي مش معناه إني بار بيكي.
رانيا قامت من مكانها وقالت بعصبية:
— إنت هتسيب أمك لوحدها علشان واحدة اتجوزتها من تلات سنين؟! إنت ناسي مين اللي ربتك وصرفت عليك؟
أدهم بص لها وقال:
— وإنتِ يا رانيا، بقالك تمانية شهور قاعدة هنا، ونهى بتطبخ وتنضف وتخدم الكل، ولا مرة فكرتِ تساعديها. بدل ما تشكريها، بتسخري منها!
صرخت حماتي:
— اخرس! أنا اللي بقول مين يقعد في بيتي ومين يمشي! ولو مش عاجبك، اخرج إنت ومراتك من غير ما تاخدوا أي حاجة!
أدهم رد بهدوء:
— إحنا مش هنمشي من غير حقوقنا، لكن مش هنفضل هنا علشان خاطر سقف فوق دماغنا.
وبعدين طلب مني أطلع أجهز شنطتنا.
كنت لسه مصدومة من اللي بيحصل. عمري ما تخيلت إن أدهم ممكن يقف قدام أمه بالشكل ده.
دخلت أوضتنا، وبدأت أحط هدومي في الشنطة، وإيدي كانت بتترعش.
بعد دقائق، سمعت صوت حماتي من الصالة:
— لو خرجت من الباب ده يا أدهم، متفكرش إنك هترجع تاني! عندي كلام لو اتقال، هيخليك تندم طول عمرك!
خرج أدهم من الأوضة وسألها:
— إيه الكلام اللي مخبياه يا أمي؟
بصتله للحظات، وبعدها قالت:
— فاكر الفلوس اللي أبوك الله يرحمه سابهالك قبل ما يموت؟ فاكر إنك كنت فاكر إني حطيتها في البنك علشان مستقبلك؟
أدهم اتغيرت ملامحه.
— أيوه، مالها؟
قالت وهي بتبتسم ابتسامة غريبة:
— الفلوس دي أنا صرفت جزء كبير منها، والباقي مش هتشوف منه جنيه لو خرجت من هنا.
أنا بصيت لأدهم باستغراب.
كان عمره ما حكالي تفاصيل عن الفلوس دي، كل اللي كنت أعرفه إن والده توفى من سنين، وإنه كان سايب له مبلغ محترم علشان يساعده يبدأ حياته.
أدهم سألها:
— إنتِ بتقولي إيه؟ الفلوس دي كانت أمانة عندك!
ردت بعصبية:
— أنا أمك، واللي في إيدي حقي أتصرف فيه زي ما أنا عايزة!
سكت أدهم شوية، وبعدها قال:
— أنا مش عايز منك فلوس يا أمي، أنا عايز أعرف الحقيقة بس.
حماتي بدأت تتوتر، لكن سرعان ما رفعت صوتها:
— الحقيقة إنك مش هتقدر تعيش من غيري! شقتك اللي فاكر إنك هتستقل فيها لسه مش جاهزة، ومرتبك مش هيكفي إيجار ومصاريف بيت. هترجعلي راكع بعد أسبوع!
أدهم ابتسم ابتسامة صغيرة وقال:
— واضح إنك ناسية حاجة مهمة.
مد إيده وطلع موبايله، وفتح ملف كان محتفظ بيه، وبعدها حطه قدامها.
— دي صورة من المستندات اللي طلبتها من المحامي من أسبوعين. كنت مستني أتأكد من موضوع فلوس أبويا قبل ما أتكلم معاكي.
وش حماتي اتغير فجأة.
رانيا قربت منهم وسألت:
— مستندات إيه دي؟
أدهم رد:
— مستندات تخص البيت والفلوس اللي أبويا سابها.
حماتي حاولت تخطف الموبايل من إيده، لكنه بعده عنها وقال:
— استني يا أمي، لسه ما شوفتيش المفاجأة الأكبر.
وفي اللحظة دي، جرس الباب رن.
أدهم بص ناحية الباب وقال:
— المحامي وصل.
حماتي رجعت خطوتين لورا، ووشها بقى أصفر، وكأنها بدأت تفهم إن الليلة دي مش هتنتهي بالطريقة اللي كانت متوقعاها.
لكن يا ترى إيه اللي اكتشفه أدهم في المستندات؟ وهل فعلًا حماته تصرفت في ميراثه من غير حق؟
يتبع في الجزء الثالث…
الجزء الثالث
الباب اتفتح، ودخل راجل في أواخر الخمسينات، لابس بدلة رسمية وماسك ملف كبير في إيده.
كان الأستاذ حسام، المحامي اللي أدهم استعان بيه من حوالي شهرين علشان يراجع بعض الأوراق الخاصة بميراث والده.
حماتي أول ما شافته، اتراجعت لورا وقالت بعصبية:
— إنت جاي تعمل إيه هنا؟! مين سمحلك تدخل بيتي؟!
المحامي رد باحترام:
— مساء الخير يا حاجة زينب. أنا جاي بناءً على طلب الأستاذ أدهم، وعندي شوية مستندات لازم تتراجع قدام كل الأطراف.
أدهم طلب منه يقعد، وبعدها أشار له إنه يبدأ يتكلم.
فتح المحامي الملف وطلع مجموعة أوراق، وقال:
— قبل ما نتكلم عن الفلوس، لازم نوضح نقطة مهمة. والد الأستاذ أدهم، الله يرحمه، كان سايب له نصيب في عقار تجاري، بالإضافة إلى مبلغ مالي موجود في حساب بنكي. وكان فيه توكيل معمول للحاجة زينب لإدارة بعض الممتلكات، لكن التوكيل ده مش معناه إنها تملك حق التصرف في نصيب ابنها لنفسها.
حماتي ردت بسرعة:
— أنا أمه، وأنا اللي كنت بصرف عليه! يعني مش من حقي أستفيد من فلوس أبوه؟!