
الجزء الثاني: السر اللي اتدفن لمدة خمسة وتلاتين سنة
ساد الصمت في المكان، لدرجة إن صوت المطر اللي بيخبط على الشبابيك بقى أوضح من أنفاس الناس اللي قاعدين حوالين السفرة.
الحاج صلاح فضل واقف مكانه، باصص لمراته كأنه أول مرة يشوفها. أما الحاجة سعاد، فكانت بتترعش، ودموعها بتنزل على خدودها، لكنها المرة دي ما حاولتش تخبي ضعفها ولا تتراجع عن كلامها.
قال صلاح بعصبية وهو بيحاول يستعيد سيطرته:
— إنتِ بتتكلمي عن إيه يا سعاد؟ مش وقته الكلام الفاضي ده!
ردت عليه بصوت مكسور:
— الكلام الفاضي؟ أنا قضيت خمسة وتلاتين سنة مستنية منك إجابة واحدة! خمسة وتلاتين سنة وأنا كل ما أفتكر اللي حصل، أحس إن قلبي بيتعصر من الوجع!
جاسر قام من مكانه بسرعة وقال:
— ماما، إنتِ بتعملي إيه؟ النهارده عيد ميلاد بابا، مش وقت فتح مواضيع قديمة!
بصت له أمه، وقالت:
— أهو نفس الكلام! كل مرة حد في العيلة يتوجع، تقولوا مش وقته. كل مرة واحدة تطلب المساعدة، تقولوا استحملي شوية. لحد إمتى هنفضل ساكتين؟
كنت واقفة جنب نهى، حاطة إيدي حوالين كتفها عشان أسندها. لكن أول ما سمعت كلام الحاجة سعاد، حسيت إن في حاجة أكبر بتحصل قدامي.
بصيت لصلاح وقلت:
— مع احترامي ليك، بنتي مش قادرة تقف على رجليها. إحنا لازم نمشي المستشفى حالًا، وبعدها كل واحد يحكي اللي عنده.
لكن قبل ما أتحرك، نهى شهقت من الألم ومسكَت بطني.
— ماما… الوجع زاد!
في اللحظة دي، كل الكلام انتهى. سندتها بسرعة، وجاسر قرب منها، لكن بدل ما يساعدها، فضل يسألها بارتباك:
— إيه اللي حصل؟ إنتِ كنتِ كويسة من شوية!
صرخت فيه لأول مرة:
— كويسة إزاي؟ دي من ساعة ما خرجنا وهي بتشتكي! إنت كنت سامعها ورافض تقف عشان حفلة أبوك!
جاسر سكت، وبص للأرض. أما الحاج صلاح، ففضل واقف مكانه، كأن اللي بيحصل قدامه مش كفاية عشان يتحرك.
الحاجة سعاد كانت أول واحدة تمد إيدها تساعدني. جابت شالها ولفته حوالين كتف نهى، وقالت لي:
— خديها المستشفى يا فاطمة. ما تضيعيش دقيقة واحدة. أنا مش هسمح إن اللي حصل لي زمان يتكرر قدام عيني.
خرجنا بسرعة، وجاسر جري ورانا. طول الطريق للمستشفى، كنت ماسكة إيد بنتي وبحاول أطمنها، رغم إن قلبي كان بيتقطع من الخوف.
— بصي لي يا نهى، أنا معاكي يا حبيبتي. هنروح للدكتور، وهو هيطمننا على البيبي.
فتحت عينيها بالعافية وقالت:
— ماما، لو حصل حاجة لابني، مش هسامح نفسي إني سمعت كلامهم.
حسيت إن الكلام طعن قلبي. قلت لها وأنا ببوس إيدها:
— إنتِ ما عملتيش حاجة غلط. إنتِ كنتِ تعبانة وطلبتي المساعدة. الغلط على أي حد شاف تعبك واستهان بيه.
وصلنا الطوارئ، والممرضات أخدوا نهى بسرعة عشان يفحصوها. بعد دقائق، خرجت دكتورة شابة وسألت:
— مين من أهل المريضة موجود؟
قمت من مكاني بسرعة.
— أنا أمها يا دكتورة. بنتي مالها؟ والجنين أخباره إيه؟
طلبت مني أهدى، وقالت إن ضغط نهى مرتفع جدًا، وإن الأعراض اللي عندها بتخلّي الفريق الطبي يشك بقوة في تسمم الحمل، ولازم يجروا فحوصات عاجلة ويتابعوا حالتها وحالة الجنين باستمرار.
وبعدين سألتني:
— هل كانت بتعاني من صداع شديد أو زغللة في العين أو تورم في الأيام اللي فاتت؟
حكيت لها كل اللي حصل من أول الطريق، وقلت لها عن الممرضة اللي قابلناها في محطة البنزين. الدكتورة هزت راسها وقالت:
— كويس إنكم وصلتوا المستشفى. الأعراض دي ما ينفعش نستهين بيها، خصوصًا في المرحلة المتقدمة من الحمل.
بعدها دخلت نهى غرفة الفحص، وفضلت أنا وجاسر في الممر. كان جاسر بيلف حوالين نفسه، وكل شوية يبص ناحية الباب.
بعد حوالي نصف ساعة، قرب مني وقال بصوت واطي:
— حماتي، هو إنتِ شايفة إني كنت عايز أضر نهى؟
بصيت له بذهول. قلت:
— أنا ما قلتش إنك كنت عايز تضرها. لكنك سمعت مراتك وهي بتترجاك تقف، وفضلت تضغط عليها عشان ما تتأخروش عن عيد الميلاد. النتيجة مش بتتحدد بنواياك بس، لكن كمان بتصرفاتك.
نزل راسه، وما ردش. بعد شوية، موبايله رن. كان أبوه. رد جاسر، وسمعته بيقول:
— أيوه يا بابا… إحنا في المستشفى.
صوت الحاج صلاح كان عالي لدرجة إني سمعته من مكاني.
— في المستشفى ليه؟ مش قلتلكم ترجعوا بعد ما تطمنوا عليها شوية؟
جاسر رد بتردد:
— الدكتورة قالت إن ضغط نهى مرتفع جدًا، وممكن يكون عندها تسمم حمل.
ساد الصمت لحظات، وبعدها قال صلاح:
— طيب، خلّصوا بسرعة وتعالوا. الضيوف لسه موجودين.
جاسر بص لي، ولأول مرة شفت على وشه صدمة حقيقية من كلام أبوه. قفل المكالمة من غير ما يرد.
وبعد دقائق، وصلت الحاجة سعاد المستشفى. كانت جاية لوحدها، ولما شافتني قاعدة على الكرسي، قربت مني وقعدت جنبي.
سألتني بقلق:
— طمنيني على نهى.
قلت لها إن الدكاترة لسه بيفحصوها، وإننا مستنيين النتيجة. مسكت إيدي وقالت:
— أنا آسفة يا فاطمة.
بصيت لها باستغراب.
— آسفة على إيه يا حاجة سعاد؟
نزلت عينيها، وقالت:
— عشان سكتنا كلنا. وعشان ابني اتعلم إن رضا أبوه أهم من راحة مراته. أنا كنت فاكرة إن الزمن هيغيره، وإنه لما يتجوز ويكون عنده بيت، هيفهم معنى المسؤولية.
سكتت شوية، وبعدها كملت:
— لكن اللي حصل النهارده رجعني لليلة ولادتي من خمسة وتلاتين سنة.
سألتها بهدوء:




