
في صباح اليوم التالي، كنت أجلس في غرفة ضيقة داخل النيابة، ويدايا ما زالتا ترتجفان من ليلة لم أستطع النوم فيها.
كان المحقق أمامي يقلب صفحات ملف القضية، ثم رفع عينيه نحوي.
— سارة، والدك يقول إنك دخلتِ في شجار معه، ثم التقطتِ الطوبة وضربته عمدًا في رأسه.
ابتلعت ريقي.
— لم يكن هناك شجار. كان يضرب أمي.
— لدينا اثنا عشر شاهدًا تقريبًا، ومعظمهم يقولون إنك هاجمته فجأة.
ضحكت بمرارة.
— اثنا عشر شخصًا رأوا أبي يضرب أمي، لكنهم لم يروا سوى يدي عندما رفعت الطوبة؟
لم يجب.
في تلك اللحظة دخل محامٍ لم أره من قبل.
كان رجلًا في الخمسين تقريبًا، يحمل حقيبة جلدية سوداء.
قال بهدوء:
— أنا الأستاذ ياسر منصور. والدتك طلبت مني تمثيلك.
نظرت إليه بدهشة.
— أمي؟
أومأ.
— نعم. وقالت لي شيئًا واحدًا قبل أن آتي إليك.
اقترب مني ووضع يده على الملف.
— قالت: «لا تسمحوا لهم بتحويل ابنتي إلى مجرمة بسبب ما فعلته لحمايتي».
شعرت بعينيّ تمتلئان بالدموع.
لكن ياسر لم يتركني أسترسل في البكاء.
قال:
— هناك مشكلة أكبر.
— ما هي؟
فتح حقيبته وأخرج مجموعة من الأوراق.
— والدك لم يكتفِ بتقديم بلاغ ضدك. لقد بدأ إجراءات لإخلاء سبيله بمجرد تحسن حالته، وقدم رواية كاملة عن أنك كنت تحاولين قتله بسبب خلافات مالية.
حدقت فيه.
— خلافات مالية؟ أنا لا أملك حتى جزءًا من شركته.
ابتسم ابتسامة قصيرة.
— وهذا بالضبط ما جعلني أشك في الأمر.
في تلك اللحظة، فتح باب الغرفة ودخلت أمي.
كانت تضع وشاحًا على رأسها، وكانت آثار الضرب لا تزال واضحة على وجهها.
نهضت فورًا.
— أمي!
اقتربت مني وعانقتني.
بقيت بين ذراعيها للحظات، ثم همست:
— آسفة يا بنتي.
ابتعدت عنها ونظرت إلى وجهها.
— على ماذا؟
جلست أمامي وقالت:
— لأنني جعلتك تعيشين كل هذه السنوات وأنتِ تظنين أنني ضعيفة.
صمتُّ.
لم أفهم ما تقصده.
أخرجت أمي من حقيبتها ملفًا بنيًا سميكًا.
وضعته أمام المحامي.
قالت:
— حان الوقت.
نظر ياسر إلى الملف، ثم سألها:
— هل أنتِ متأكدة أنك تريدين فتحه الآن؟
أجابت دون تردد:
— نعم.
فتحت أول صفحة.
كانت هناك صورة قديمة لأبي وأمي، يعود تاريخها إلى أكثر من عشرين عامًا.
لكن ما لفت انتباهي لم يكن الصورة.
كان هناك محضر شرطة مثبت خلفها.
نظرت إلى أمي بدهشة.
— ما هذا؟
قالت:
— أول مرة ضربني فيها أبوك.
شعرت بقشعريرة تسري في جسدي.
— لكنك قلتِ لنا دائمًا إنها كانت مجرد مشاجرات عادية.
هزت رأسها.
— كذبت.
ثم أخرجت ورقة أخرى.
— وهذه شكوى ثانية.
ثم ثالثة.
ثم رابعة.
كان هناك ملف كامل.
عشرات الأوراق.
تقارير طبية.
صور.
إيصالات علاج.
رسائل.
محاضر رسمية.
وحتى تسجيلات صوتية محفوظة على أقراص صغيرة.
حدقت فيها غير مصدقة.
— لماذا احتفظتِ بكل هذا؟
نظرت أمي إليّ وقالت:
— لأنني كنت أعرف أن يومًا سيأتي ويحتاج فيه أحد إلى معرفة الحقيقة كاملة.
سألها ياسر:
— وهل كان زوجك يعلم أنك تحتفظين بهذه الأدلة؟
ابتسمت أمي لأول مرة منذ رأيتها.
لكن ابتسامتها كانت مختلفة.
— كان يعتقد أنني المرأة الخائفة التي يستطيع التحكم فيها.
ثم أضافت:
— وهذا كان أكبر خطأ ارتكبه في حياته.
فتح المحامي ورقة من منتصف الملف.
تغير وجهه فجأة.
— نوال… هل أنتِ متأكدة من هذا المستند؟
قالت:
— نعم.
أخذت الورقة من يده.
قرأت اسمًا.
ثم قرأت رقمًا.
ثم توقفت.
كان المستند عبارة عن تحويل مالي ضخم تم قبل أكثر من عشرين عامًا.
والحساب لم يكن باسم أبي.
كان باسم شخص آخر.
رفعت عيني إلى أمي.
— من هذا؟
قالت بهدوء:




