
قلت:
— وما علاقة هذا بقضيتي؟
نظرت أمي إلى المحامي.
فأجاب بدلًا منها:
— علاقة كل شيء.
ثم أخرج مستندًا آخر.
— والدك لم يبنِ الشركة وحده يا سارة.
توقفت أنفاسي.
— ماذا تقصد؟
قال:
— الشركة التي يملكها الآن بدأت بأموال لم تكن ملكه أصلًا.
وقبل أن أتمكن من طرح سؤال آخر، اهتز هاتف المحامي.
نظر إلى الشاشة، ثم تغيرت ملامحه.
— هذا والدك.
سألته:
— ماذا يريد؟
رفع الهاتف وأراني الرسالة.
كانت قصيرة جدًا:
«إذا لم تسحبوا البلاغ، فسأكشف سر ابنتك أمام الجميع.»
شعرت أمي بالارتباك لأول مرة.
لكنني نظرت إليها وقلت:
— أي سر؟
لم تجب.
خفضت عينيها نحو الملف البني.
ثم قالت بصوت خافت:
— هناك شيء آخر لم أخبركِ به يا سارة…
وتوقفت لحظة.
— أنتِ لستِ الابنة التي يعتقد أبوك أنه يستطيع تهديدها.
تجمدت في مكاني.
لأنني أدركت أن القضية لم تعد تتعلق بضربة طوبة.
كانت تتعلق بسر ظل مخفيًا عني طوال حياتي.
وسرعان ما سأعرف لماذا كان أبي يخشى أن تفتح أمي ذلك الملف أكثر من أي شيء آخر.
الجزء الثالث
نظرت إلى أمي وكأنني أراها للمرة الأولى.
— ماذا تقصدين بأنني لستُ الابنة التي يعتقد أبي أنه يستطيع تهديدها؟
لم تجب مباشرة.
أغلقت باب الغرفة، ثم جلست بجواري.
قال المحامي ياسر:
— نوال، من الأفضل أن تعرف ابنتك الحقيقة كاملة الآن.
أخذت أمي نفسًا عميقًا.
— أبوكِ لم يكن يعرف كل شيء عن حياتي قبل زواجنا.
قلت بسرعة:
— ماذا يعني هذا؟
وضعت يدها فوق يدي.
— قبل أن أتزوج محمود، كنت أعمل في مكتب محاسبة صغير. وهناك اكتشفت شيئًا خطيرًا في حسابات إحدى الشركات.
— شركة أبي؟
هزت رأسها.
— لا. شركة كانت تعمل معها عائلة محمود.
ثم أخرجت من الملف صورة قديمة.
كانت لثلاثة رجال يقفون أمام مكتب قديم.
أشارت إلى الرجل الموجود في المنتصف.
— هذا كمال الدمنهوري.
نظرت إلى الصورة.
— ومن يكون؟
قالت:
— كان صاحب الشركة التي عمل فيها والدك في بداية حياته.
ثم أشارت إلى الرجل الآخر.
— وهذا كان والد محمود.
شعرت أن الأمر يزداد تعقيدًا.
— وما علاقتك بكمال؟
صمتت أمي لثوانٍ.
ثم قالت:
— كان يعرف أن هناك أموالًا تختفي من حسابات الشركة. وعندما حاول كشف الأمر، تعرض للتهديد.
قال ياسر:
— والأهم أن والدتك كانت تملك نسخة من المستندات التي تثبت ذلك.
نظرت إلى أمي.
— وهل أبي كان متورطًا؟
قالت:
— لم يكن مجرد متورط.
ثم فتحت صفحة أخرى.
كان هناك توقيع واضح.
توقيع أبي.
شعرت ببرودة في أطرافي.
— هذا توقيعه؟
— نعم.
قالت أمي:
— قبل زواجنا بسنوات، كان محمود يعمل مع مجموعة من الأشخاص على تحويل أموال الشركة إلى حسابات خارجية. كمال اكتشف الأمر، وحاول إيقافهم.
— وماذا حدث له؟
خفضت أمي عينيها.
— اختفى من حياتنا فجأة.
لم أستطع الكلام.
قال ياسر:
— لكن هناك شيء أكثر أهمية.
رفع مستندًا آخر.
— هذا المستند يثبت أن كمال نقل ملكية جزء من أصوله إلى شخص آخر قبل اختفائه.
سألت:
— إلى من؟
نظر إليّ.
— إلى والدتك.
شهقت.
— أمي؟
قالت أمي:
— كان يعرف أنني الوحيدة التي احتفظت بالأدلة. لذلك وضع بعض الأصول باسمي حتى لا يستطيعوا الاستيلاء عليها.
حدقت فيها.
— إذن… الشركة التي يملكها أبي…
قاطعتني:
— جزء منها كان من حقك أنتِ.
سكت الجميع.
كنت أشعر أن الأرض تتحرك من تحتي.
لكنني تذكرت شيئًا.
— لماذا لم تخبريني بهذا طوال حياتي؟
أجابت بصوت مكسور:
— لأن محمود هددني.
— ماذا قال لك؟
— قال إنه إذا تحدثت، فلن يؤذيني أنا فقط… بل سيؤذيك أنتِ.
صمتت للحظة، ثم أضافت:
— لذلك تحملت.
شعرت بالغضب.
— عشرون عامًا يا أمي!
بكت.
— أعرف.
— كان يضربك أمامي، وأنا كنت أظن أنك عاجزة عن تركه!
قالت:
— لم أكن عاجزة.
ثم نظرت في عيني مباشرة.
— كنت أحاول حمايتك.
ساد الصمت.
وفجأة رن هاتف ياسر.
أجاب.
استمع لثوانٍ، ثم قال:
— هل أنت متأكد؟
تغير وجهه.
— حسنًا. سنصل فورًا.
أنهى المكالمة.
سألته:
— ماذا حدث؟
قال:
— والدك خرج من المستشفى.
— كيف؟
— حصل على قرار طبي يسمح له بالمغادرة، رغم أن الأطباء كانوا يفضلون بقاءه للمراقبة.
ثم أضاف:
— لكنه لم يذهب إلى منزله.
سألته أمي:
— إلى أين ذهب؟
نظر إلينا.
— إلى مقر الشركة.
شعرت بالتوتر.
قال ياسر:
— وهناك عقد اجتماع طارئ مع مجلس الإدارة.
سألت:
— لماذا؟
أجاب:
— لأنه يحاول بيع الشركة.
تجمدت أمي.
— لا يستطيع.
— يستطيع إذا أخفى المستندات القديمة.
ثم أخرج هاتفه.
— لكننا حصلنا على نسخة من السجل التجاري قبل دقائق.
عرض الشاشة أمامنا.
كان هناك طلب رسمي لنقل ملكية جزء كبير من أصول الشركة.
لكن الاسم الذي ظهر في الطلب جعل أمي تصمت تمامًا.
قلت:
— من المشتري؟
لم تجب.
نظر ياسر إليّ وقال:
— عمك حسام.
اتسعت عيناي.
— حسام؟
أومأ.
— يبدو أن عمك لم يكن يدافع عن أخيه في قضية الاعتداء فقط.
ثم قال:
— كان ينتظر هذه اللحظة منذ سنوات.
في تلك اللحظة، وصلتنا رسالة أخرى.
كانت من رقم مجهول.
احتوت على صورة لملف قديم.
وفي أسفل الصورة جملة واحدة:
«إذا أردتِ معرفة لماذا سكتت أمك عشرين عامًا، ابحثي عن الاسم المكتوب خلف شهادة ميلادك.»
نظرت إلى أمي.
تغير لون وجهها.
قلت:
— أمي… ماذا يوجد خلف شهادة ميلادي؟
لم تجب.
وكان صمتها هذه المرة أخطر من أي إجابة.
ثم قالت:
— كنت أتمنى ألا تعرفي هذا أبدًا.
وأخرجت من حقيبتها ظرفًا أبيض قديمًا.
وضعته أمامي.
كان مكتوبًا عليه بخط اليد:
«يفتح فقط إذا أصبحت سارة في خطر.»
فتحته بيدين مرتجفتين.
وفي داخله كانت هناك ورقة واحدة.
قرأت السطر الأول…
ثم شعرت أن قلبي توقف.
لأن الاسم المكتوب في الوثيقة لم يكن اسم أبي.
ولم يكن اسم أمي.
كان اسم رجل آخر تمامًا.
رجل لم أسمع به من قبل.
وكانت الحقيقة التي أخفتها أمي طوال عشرين عامًا على وشك أن تقلب حياتي كلها.
الجزء الرابع
ظللت أحدق في الاسم المكتوب على الورقة، غير قادرة على استيعاب ما أراه.
— مين الرجل ده يا أمي؟
لم ترد.
رفعت عينيها إليها، فوجدتها تبكي بصمت.
قال المحامي ياسر:
— نوال، لازم تحكي لها كل حاجة دلوقتي.
هزت أمي رأسها ببطء.
— الرجل ده اسمه عمر السالمي.
كررت الاسم في ذهني.
— مين عمر السالمي؟
قالت:
— كان زوجي الأول.
شعرت وكأنني تلقيت صفعة.
— إيه؟
— قبل محمود… كنت متزوجة من عمر.
جلست أمي أمامي، وبدأت تحكي.
— عمر كان رجلًا محترمًا. كان يعمل مهندسًا، وكنا نعيش حياة بسيطة. وبعد سنوات من الزواج، رزقنا الله بطفلة.
توقفت.
نظرت إليها.
— طفلة؟
أومأت.
— أنتِ.
شعرت بأنني فقدت القدرة على الكلام.
— يعني… محمود مش أبويا؟
أغمضت أمي عينيها.
ثم قالت:
— لا.
ساد صمت ثقيل.
كنت أسمع أنفاسي فقط.
— وإنتِ كنتِ عارفة؟
— من أول يوم.
نهضت من مقعدي.
— ليه ما قلتيليش؟
قالت وهي تبكي:
— لأن عمر مات.
توقفت.
— مات إزاي؟
— في حادث سيارة بعد ولادتك بعامين.
ثم أضافت:
— وبعد وفاته، ظهر محمود في حياتنا.
قال ياسر:
— وهنا بدأت المشكلة الحقيقية.
نظرت إليه.
— أي مشكلة؟
قال:
— عمر السالمي كان هو الشخص الذي اكتشف تحويلات الأموال التي كان والد محمود متورطًا فيها.
بدأت الصورة تكتمل.
أمي قالت:
— عمر لم يكن مجرد زوجي. كان يعرف أسرارًا كثيرة عن عائلة محمود.
— ومحمود كان عارف إن أنا بنت عمر؟
هزت رأسها.
— نعم.
— من إمتى؟
— منذ البداية.
شعرت بالغضب.
— يبقى ليه اتجوزنيك أصلًا؟
أجابت بصوت مكسور:
— لأنه كان يريد شيئًا واحدًا.
— إيه؟
أخرجت من الظرف مستندًا آخر.
— أصول عمر.
قرأ ياسر الورقة ثم قال:
— الآن فهمت.
نظرت إليه.
— فهمت إيه؟
— عمر ترك لكِ ميراثًا كبيرًا، لكنه لم يكن يستطيع أن ينتقل إليكِ بالكامل إلا عندما تبلغين سنًا معينة.
حدقت في أمي.
— والميراث ده كان إيه؟
قالت:
— أسهم في شركات وعقارات وحسابات استثمارية.
ثم أضافت:
— وكان محمود يريد السيطرة عليها.
شعرت بالغثيان.
— يعني كل السنين دي…
قالت:
— كان يتعامل معكِ باعتبارك مفتاحًا لثروة لا تخصه.
وفجأة رن هاتف ياسر.
استمع إلى المتصل.
ثم قال:
— عندنا مشكلة.
— إيه؟
— المحكمة حددت جلسة عاجلة بكرة الصبح في قضية والدك.
قالت أمي:
— وهل قدموا المستندات؟
هز رأسه.




