
الجزء الثاني والاخير
فضلت طول الليل قاعد في الصالة، والجواب قدامي على الترابيزة، والمفتاح الصغير في إيدي.
كل شوية أبص ناحية الممر، أتأكد إن ياسين لسه نايم.
كان واضح عليه التعب والخوف.
لكن أكتر حاجة كانت شاغلاني…
إزاي طفل عنده تسع سنين عرف إن مرات عمه ممكن تأذيه؟
وليه أمه، وهي في المستشفى، اختارت تبعت الجواب ليا أنا بالذات؟
وقفت قدام الشباك وبصيت للشارع المظلم.
من يوم وفاة عمر وأنا بحاول أصدق إنها .
لكن بعد اللي قرأته، بقيت مش قادر أصدق أي حاجة.
أول حاجة عملتها الصبح إني اتصلت بالمستشفى.
سألت عن حالة منى.
الممرضة قالت إن حالتها مستقرة، لكن ممنوع عنها الزيارات الكتيرة.
قلت لها:
— أنا والد عمر… وقريب ياسين.
سكتت لحظة، وبعدين قالت:
— في حد جه يسأل عنها امبارح.
— مين؟
— راجل قال إنه قريبها.
— وإنتوا سمحتوا له يدخل؟
ردت بتردد:
— لأ… لأنها كانت واعية وقالت إن محدش يدخل لها غير الشخص اللي هي طلبته.
قفلت المكالمة وأنا حاسس إن الموضوع أكبر بكتير مما تخيلت.
بعدها بدقايق، ياسين خرج من أوضته.
كان ماسك شنطته الصغيرة.
قال:
— جدو… إحنا هنرجع ماما؟
الكلمة دي هزتني.
جدو.
لأول مرة أسمعها منه.
قربت منه وقعدت على ركبتي.
— ياسين، ماما قالت لك إيه قبل ما تدخل المستشفى؟
بص في الأرض.
— قالتلي لو حصل لها حاجة، أدور على حضرتك.
— ليه؟
سكت.
قلت له بهدوء:
— مش هزعق لك، ومش هقول لحد. بس لازم أعرف.
رفع عينه وقال:
— ماما كانت خايفة من مرات عمي سارة.
قلبي اتقبض.
— ليه؟
قال:
— مش عارف بالضبط… بس قبل الحادث بيوم سمعتها وهي بتتكلم في التليفون.
— قالت إيه؟
بدأ يفتكر.
وبعدين قال:
— قالت: “لو الحقيبة وصلت له، كل حاجة هتخلص.”
حسيت بقشعريرة في جسمي.
— مين كانت بتكلمه؟
هز راسه.
— معرفش.
وبعدين قال حاجة خلتني أسكت تمامًا:
— بس ماما قالتلي إن بابا عمر كان عارف إن في حاجة غلط.
سألته بسرعة:
— إنت قابلت أبوك قبل كده؟
ياسين هز راسه.
— مرة واحدة.
اتجمدت.
— إمتى؟
— من حوالي شهر.
— فين؟
— في مكان قريب من محطة القطر.
— وعرف إنك ابنه؟
هز رأسه بالنفي.
— ماما قالتلي ما أقولوش.
سكت شوية، وبعدين أضاف:
— بس هو بص لي كتير… كأنه كان حاسس إنه يعرفني.
غمضت عيني.
يعني عمر كان قابل ابنه قبل بفترة قصيرة…
ويمكن كان بدأ يشك في الحقيقة.
في نفس اليوم، قررت أروح المكان اللي اتصور فيه عمر مع منى.
لكن قبل ما أخرج، سمعت صوت عربية وقفت قدام البيت.
بصيت من الشباك.
كانت سارة.
نزلت من العربية، ومشت ناحية الباب.
أول ما فتحت لها، ابتسمت ابتسامة باهتة.
— كنت محتاجة أشوفك.
بصيت لها من غير ما أرد.
دخلت وهي بتقول:
— أنا عارفة إنك متألم.
قلت:
— وإنتِ جاية ليه؟
قالت:
— عشان نتكلم عن عمر.
بصيت في عينيها.
— اتفضلي.
قعدت.
فضلت ساكتة ثواني.
وبعدين قالت:
— في حاجة غريبة حصلت في الجنازة.
قلبي دق.
— إيه؟
قالت:
— الطفل اللي كان واقف جنبك.
حاولت أظهر الهدوء.
— ياسين؟
تغيرت ملامحها للحظة.
لكنها رجعت بسرعة لطبيعتها.
— أيوه.
— ماله؟
قالت:
— مين ده؟
قلت:
— طفل أمه في المستشفى.
سكتت.
وبعدين سألت:
— إنت تعرفه منين؟
رديت:
— دي حاجة تخصني.
نظرتها اتغيرت.
وبصت ناحية الممر.
— هو هنا؟
عرفت في اللحظة دي إنها كانت بتدور عليه.
قلت:
— لأ.
ابتسمت.
لكن ابتسامتها كانت مختلفة.
— كويس.
سألتها:
— ليه كويس؟
قالت:
— لأن الأفضل إن الطفل ده ما يدخلش في مشاكل العيلة.
الجملة دي وقعت عليا كأنها تهديد.
قلت:
— إنتِ تعرفي عنه إيه؟
ردت بسرعة:
— ولا حاجة.
لكنها قامت من مكانها.
وقبل ما تخرج، قالت:
— أبوك… أقصد عمر… كان عنده أسرار كتير. صدقني، الأفضل ما تفتحش أبواب اتقفلت من زمان.
بصيت لها وهي خارجة.
وبمجرد ما ركبت عربيتها، طلعت موبايلي واتصلت بشخص كنت بثق فيه من أيام شغلي.
كان اسمه حسام، ضابط سابق أعرفه من سنين.
قلت له:
— محتاج منك خدمة.
— اتفضل.
— عايز أعرف كل حاجة عن حادث عمر.
سكت لحظة.
وبعدين قال:
— إنت لسه مقتنع إنها حادثة؟
قلت:
— لأ.
رد بصوت منخفض:
— كويس إنك قلتلي.
— ليه؟
قال:
— لأن قبل ما أقفل ملف الحادثة، لقيت حاجة ما كتبتهاش في التقرير.
سألته:
— إيه؟
قال:
— آثار فرامل مفاجئة قبل مكان انقلاب العربية.
— يعني؟
— يعني العربية ما خرجتش عن الطريق لوحدها.
سألته:
— طب ليه التقرير قال حادث بسبب السرعة والمطر؟
رد:
— لأن بعد الحادث بساعات، جالي أمر أقفل الموضوع.
— من مين؟
حسام سكت.
قلت:
— مين يا حسام؟
قال:
— من شخص كان بيتواصل مع شركة عمر بشكل مباشر.
— اسمه إيه؟
وقبل ما يقول الاسم…
سمعت صوتًا خلفي.
لفيت بسرعة.
كان ياسين واقف عند باب الصالة.
وشه كان شاحب.
وقال:
— جدو…
— نعم؟
— الراجل ده… هو نفس الراجل اللي شفته مع بابا قبل الحادث.
قربت منه بسرعة.
— إنت متأكد؟
هز رأسه.
— أيوه.
— شفته فين؟
قال:
— قدام الفندق.
حسيت إن كل الخيوط بدأت تتجمع.
الحقيبة.
الفندق.
منى.
عمر.
سارة.
والحادث.
لكن كان لسه ناقصنا أهم شيء…
مكان الحقيبة.
طلعت المفتاح من جيبي.
وسألته:
— ياسين… ماما قالت لك المفتاح ده بيفتح إيه؟
بص للمفتاح.
وفجأة اتغيرت ملامحه.
قال بصوت مرتعش:
— ده…
— إيه؟
— شوفته قبل كده.
— فين؟
وأشار ناحية صورة عمر الموجودة على الترابيزة.
وقال:
— بابا كان معاه مفتاح شبه ده.
ثم سكت لحظة.
وأضاف:
— وماما قالتلي قبل ما تدخل المستشفى…
“لو جدك لقى المفتاح، ما تخليش حد ياخده منه… حتى لو قال لك إنه من العيلة.”
في اللحظة دي…
سمعت صوت خبط قوي على باب البيت.
مرة.
مرتين.
ثلاث مرات.
بصيت لياسين.
وبعدين قربت من الباب.
وسألت:
— مين؟
جالي صوت من الخارج:
— افتح يا حاج… أنا جاي من طرف سارة.
نظرت للمفتاح في إيدي.
ثم نظرت لياسين.
وفهمت إن الشخص اللي واقف برا…
ما جاش عشان يطمن علينا.
جاي عشان ياخد المفتاح.
يتبع…
فضلت واقف قدام الباب من غير ما أفتحه.
صوت الراجل من الناحية التانية رجع تاني:
— يا حاج، افتح… أنا عايز أتكلم معاك دقيقتين بس.
بصيت لياسين.
كان واقف في آخر الممر، وشه أصفر من الخوف.
قربت منه وقلت له بصوت واطي:
— ادخل الأوضة، واقفل عليك الباب.
همس:
— هو عايز المفتاح.
— عارف.
دخل ياسين الأوضة، وأنا رجعت ناحية الباب.
قلت:
— اسمك إيه؟
سكت الراجل ثواني.
وبعدين قال:
— اسمي محمود.
الاسم ما كانش مألوف بالنسبة لي.
قلت:
— محمود إيه؟
— محمود عبد القادر.
بصيت من العين السحرية.
كان راجل في منتصف الأربعينات، لابس قميص غامق وجاكت، وواقف لوحده.
لكن حاجة في وقفته خلتني ما أفتحش الباب.
قلت:
— سارة بعتتك؟
— أيوه.
— عايز إيه؟
قال:
— عايز أحذرك.
ضحكت بسخرية.
— تحذرني من إيه؟
رد:
— من إنك تكمل في الموضوع ده.
سكت.
— موضوع إيه؟
قال:
— إنت فاهم كويس.
بصيت للمفتاح اللي في إيدي.
وبعدين قلت:
— لو إنت عارف أنا بتكلم عن إيه، يبقى أكيد عارف إن عمر ما ماتش في حادث.
سكت الراجل.
والسكوت ده كان كفاية بالنسبة لي.
قلت:
— امشي.
رد بهدوء:
— لو فضلت محتفظ بالمفتاح، هتندم.
— دي تهديد؟
— اعتبرها نصيحة.
وبعدين مشي.
استنيت لحد ما سمعت صوت العربية وهي بتبعد.
طلعت موبايلي واتصلت بحسام.
قلت له:
— الراجل اللي اسمه محمود عبد القادر… تعرفه؟
سكت لحظات.
وبعدين قال:
— منين عرفت الاسم ده؟
— كان عندي في البيت.
قال بسرعة:
— اقفل الباب كويس.
— هو مين؟
قال:
— كان مسؤول أمن في شركة عمر.
اتسمرت مكاني.
— مسؤول أمن؟
— أيوه. واتحققنا معاه بعد الحادث، لكن مفيش دليل عليه.
قلت:
— وليه سارة هتبعته لي؟
رد:
— دي مش أهم حاجة.
— أمال إيه؟
قال:
— المهم إن محمود كان آخر شخص شاف عمر قبل الحادث.
—
دخلت الأوضة عند ياسين.
كان قاعد على السرير وحاضن شنطته.
قلت له:
— ياسين، لازم أسألك سؤال مهم.
هز رأسه.
— الراجل اللي كان مع أبوك قبل … كان هو محمود؟
بص لي ثواني.
وبعدين هز رأسه.
— أيوه.
— إنت شفته بعينيك؟
— أيوه.
— فين؟
قال:
— عند الفندق.
— وإيه اللي حصل؟
بدأ يفتكر.
— بابا كان بيتكلم مع ماما في التليفون. وبعدها الراجل ده جه له.
— سمعتهم؟
— مش كله.
— قول لي اللي سمعته.
قال:
— الراجل قال لبابا: “إنت وعدتنا إن الموضوع خلص.”
حسيت بقلبي بيقف.
— وبابا قال إيه؟
— قال له: “أنا مش هسكت أكتر من كده.”
سكت.
ثم قال:
— وبعدها الراجل شافني.
— شافك؟
— أيوه.
— وإنت عملت إيه؟
— استخبيت.
— ليه؟
قال بمنتهى البراءة:
— عشان بابا كان قال لي قبلها: “لو شفت الراجل ده، ما تقربش منه.”
جلست على طرف السرير.
يعني عمر كان خايف على ياسين قبل ما أعرف أصلًا إنه ابنه.
لكن السؤال الأهم…
إيه الموضوع اللي عمر كان ناوي يكشفه؟
—
في صباح اليوم التالي، خرجت مع حسام.
روحنا للفندق اللي ذكرته منى في جوابها.
الفندق كان قديم، وموجود في منطقة هادية على أطراف المدينة.
دخلنا الاستقبال وسألنا عن عمر.
الموظف قال إن سجلات الإقامة القديمة موجودة في الأرشيف.
بعد دقائق، ظهر اسم عمر في السجل.
لكن المفاجأة…
إنه كان بيزور الفندق أكتر من مرة خلال الشهر الأخير قبل وفاته.
قلت لحسام:
— ليه عمر كان بييجي هنا كتير؟
رد:
— لازم نعرف كان بيقابل مين.
طلبنا تسجيلات الكاميرات القديمة.
الموظف قال إن التسجيلات الرسمية اتمسحت بعد فترة.
لكن كان فيه شيء آخر.
كاميرا داخل موقف السيارات كانت بتسجل على جهاز منفصل.
وبعد البحث، لقينا تسجيلًا من يوم قبل الحادث.
ظهر عمر وهو نازل من عربيته.
وبعد ثواني ظهرت منى.
اتقابلوا.
عمر كان باين عليه التوتر.
وبعدها ظهر محمود.
لكن اللي حصل بعد كده كان أخطر.
محمود ما كانش لوحده.
كان فيه شخص رابع واقف بعيد.
وشه ما كانش واضح.
لكن لما قرّب من العربية…
عرفته.
ما كانش شخص غريب.
كان واحد من أقرب الناس لعمر.
مدير الحسابات في شركته.
قلت لحسام:
— وقف الفيديو.
وقفه.
بصيت للشاشة.
كان الرجل بيسلم على عمر.
ثم أعطاه ظرفًا أسود.
بعدها عمر أخد الظرف بسرعة وخباه في سترته.
قلت:
— لازم نعرف الظرف ده كان فيه إيه.
حسام رد:
— يمكن هو نفس الشيء اللي كان في الحقيبة.
خرجنا من الفندق.
وفي الطريق، قلت له:
— لازم نلاقي الحقيبة.
قال:
— لو كانت لسه موجودة.
رجعت للبيت وطلعت المفتاح.
فضلت أبص له.
وفجأة افتكرت جملة من جواب منى:
“المفتاح هيوصلك للمكان اللي خبّيت فيه الحقيبة.”
لكن أنا ما كنتش أعرف المكان.
وبينما كنت بفكر، دخل ياسين الصالة.
كان ماسك ورقة قديمة.
وقال:
— جدو… لقيت دي في شنطتي.
أخدتها منه.
كانت صورة لمبنى كبير.
وفي الخلف مكتوب بخط يدوي:
“المخزن رقم 17 — لا تثق في أي شخص.”
وفي أسفل الصورة…
كان فيه رمز صغير.
نفس الرمز المحفور على المفتاح.
بصيت لياسين.
قلت:
— إنت تعرف المكان ده؟
هز رأسه.
— ماما كانت بتوديني هناك وأنا صغير.
قلبي بدأ يدق بسرعة.
— فين؟
قال:
— جنب محطة القطر القديمة.
بصيت لحسام.
قال:
— المكان ده مقفول من سنين.
قلت:
— يبقى لازم نروح.
—
وصلنا للمخزن قبل المغرب.
المكان كان مهجور.
الباب الحديدي عليه طبقة تراب سميكة.
لقيت الرقم:
17.
طلعت المفتاح.
دخلته في القفل.
لفّ المفتاح بسهولة.
لكن قبل ما أفتح الباب…
سمعنا صوت عربية بتقف خلفنا.
التفتنا.
كانت عربية سارة.
نزلت منها هي…
ومعاها محمود.
اتجهت ناحيتنا وهي بتقول:
— كنت عارفة إنك هتيجي هنا.
قلت:
— إنتِ كنتِ عارفة المكان؟
قالت:
— أنا عارفة حاجات أكتر بكتير مما تتخيل.
بصيت لمحمود.
وبعدين رجعت بصيت لها.
— إيه اللي حصل لعمر؟
سكتت.
ثم قالت:
— عمر هو اللي ورّط نفسه.
صرخت:
— ورّط نفسه في إيه؟
اقتربت مني وقالت:
— في حاجة لو خرجت للنور، مش عمر بس اللي كان هيدفع تمنها.
ثم بصت ناحية ياسين.
تجمدت للحظة.
وقالت:
— الطفل ده لازم ما يكونش هنا.
وقتها فهمت إن سارة ما كانتش عارفة إن ياسين ابن عمر وبس…
هي كانت عارفة الحقيقة من زمان.
لكن قبل ما أقدر أسألها…
سمعنا صوتًا من داخل المخزن.
صوت ارتطام قوي.
ثم صوت رجل بيصرخ:
— الحقوني!
بصيت لحسام.
وبعدين فتحت الباب بسرعة.
واللي شوفناه جوه…
خلانا نتجمد في مكاننا.
لأن الحقيبة اللي كنا بندور عليها كانت موجودة فعلًا.
لكن جنبها كان فيه رجل مربوط على كرسي…
والرجل ده كان مدير حسابات شركة عمر.
وكان لسه عايش.
يتبع…
دخلت المخزن وأنا مش قادر أستوعب اللي شايفه.
مدير حسابات شركة عمر كان مربوط في كرسي، وشه عليه علامات إرهاق شديدة، وإيديه مربوطين خلف ظهره.
أما الحقيبة…
فكانت مرمية على الأرض جنبه.
صرخ أول ما شافني:
— ما تفتحش الحقيبة!
اتجمدت مكاني.
قلت:
— مين اللي عمل فيك كده؟




