أخبار العالم

القصة كاملة للنهاية بقلم محمد عبده

مثّلت إن الحادثة كسرت عمودي الفقري، وفضلت قاعد في صمت على كرسي متحرك، أتفرج على خطيبتي وهي بتذلّني قدام كل الناس في قاعة الحفلات الكبيرة بتاعة والدي.

الثريات الكريستال كانت بتلمع فوق رؤوسنا، وكؤوس العصير بتتلألأ في إيد الضيوف، والقاعة كلها كانت متجمعة علشان يستقبلوني بعد الحادثة اللي الكل كان فاكر إنها دمّرت حياتي.

لكن شخص واحد بس كان عارف الحقيقة…

أنا.

الحقيقة كانت مستخبية تحت البطانية الرمادي اللي مغطية رجليّ.

عظامي كانت سليمة تمامًا.

الحادثة حصلت فعلًا، لكن الإصابة اللي كنت بظهر بيها كانت مجرد تمثيلية أنا اللي اخترت أعيشها قدام الناس.

الدكاترة بتوعي، والمحامي، ورئيس فريق الحراسة كانوا الأشخاص الوحيدين اللي عارفين إني لسه قادر أقف على رجلي.

أما باقي الناس، فكانوا مصدقين الصورة اللي أنا سمحت لهم يشوفوها.

خصوصًا سلمى.

كانت بتتحرك وسط الناس بفستان فضي أنيق، كأنها خلاص امتلكت عالمي بالكامل، وخاتم الخطوبة الماسي في إيدها كان بيعكس ضوء الثريات بطريقة تخلي لمعانه شبه السلاح.

وراها كان واقف عمي فؤاد، ومعاه شركائي في العمل وأصحابي، وكلهم بيبتسموا بسهولة غريبة.

ناس ما عرفوش معنى الوفاء إلا لما يكون فيه مصلحة.

وفجأة…

وقفت سلمى قدامي.

بصتلي من فوق لتحت، وبعدين ابتسمت بسخرية.

وقالت وهي بتقرب مني لدرجة إني قدرت أشم ريحة المشروب في نفسها:

“بص لنفسك… شايف بقيت عامل إزاي؟”

سكتت لحظة، وبعدها قالت بصوت عالي وواضح، لدرجة إن كل اللي في القاعة سمعوها:

“دلوقتي إنت ولا حاجة… مجرد واحد عاجز ومش نافع.”

شهق أكتر من شخص.

لكن محدش دافع عني.

عمي فؤاد لف وشه بعيد.

وأقرب صاحبي محمود تجنب يبص في عيني.

حتى أم سلمى ابتسمت ابتسامة ضعيفة، كأن اللي بيحصل قدامها مجرد عرض مسلّي.

أما أنا…

فحافظت على ملامح وشي ثابتة.

سلمى مدّت إيدها وخبطت بأطراف أظافرها المرتبة على البطانية اللي مغطية رجلي، وقالت ببرود:

“أنا كان المفروض أتجوز راجل قوي وله نفوذ… مش أبقى مرتبطة بعبء.”

رفعت عيني ليها وقلت بهدوء:

“سلمى… إحنا لسه مخطوبين.”

ضحكت.

ضحكة فيها استهزاء، كأني طفل قال حاجة ساذجة.

وقالت:

“لحد دلوقتي بس.”

وبعدين قربت أكتر وهمست:

“لحد ما مجلس الإدارة يفهم إنك حتى مش قادر تحضر اجتماع من غير ما حد يشيلك.”

في اللحظة دي…

كل حاجة وضحت قدامي.

هي ما كانتش حزينة على الحادثة.

وما كانتش خايفة على مستقبلي.

هي كانت مستنية بس…

مستنية إمبراطوريتي تقع.

مستنية تشوفني ضعيف علشان تبدأ تدور على البديل.

لكن فجأة…

حد اتحرك من بين الناس.

أو بالأصح…

حد نزل على ركبته قدامي.

كانت مريم.

البنت الصغيرة اللي كانت شغالة في بيتنا بقالها تلات سنين.

مدت إيدها بهدوء وعدّلت البطانية اللي سلمى كانت زقتها بعيد عن رجلي.

وبصوت منخفض جدًا، كأنها خايفة إن العالم يعاقبها لمجرد إنها اختارت تكون إنسانة، قالت:

“إنت لسه تستحق إن الناس تعاملك باحترام ورحمة.”

صوتها ما كانش عالي.

ومحدش تقريبًا سمعه وسط دوشة القاعة.

لكن كلمتها أسكتت حاجة جوايا كانت أعلى من كل الأصوات.

سلمى رفعت عينيها لفوق باستهزاء وقالت:

“يا سلام… يا لهوي على التأثر! الخدامة بتحبه وبتشفق عليه.”

مريم وطّت راسها.

لكنها ما قامتش.

وما بعدتش.

بصيت لإيديها وهي مستقرة فوق البطانية.

إيديها كانت ثابتة.

ما كانتش بترتعش.

ما كانتش خايفة.

وما كانش في عينيها شفقة.

كانت بس…

إنسانة.

وفي اللحظة دي، ذكريات صغيرة بدأت ترجعلي واحدة ورا التانية.

حاجات كنت بعتبرها عادية وما ادتلهاش أي أهمية قبل كده.

افتكرت إزاي كانت بتجيبلي الأدوية من غير ما أطلب منها.

وإزاي عمرها ما بصتلي بنظرة شفقة، لكن كانت دايمًا بتبصلي بقلق حقيقي.

وافتكرت كمان إنها كانت بتسكت تمامًا كل مرة سلمى تكون موجودة.

كأنها كانت فاهمة الخطر أكتر من أي حد موجود في القاعة.

وفجأة…

حاجة جوايا اتغيرت.

لأني شفت الحقيقة لأول مرة بوضوح.

الحادثة ما كانتش كسرتني.

الحادثة كشفتهم.

كشفت مين بيحبني فعلًا…

ومين كان مستني وقوعي.

ومين كان قريب مني علشان الفلوس والنفوذ.

ومين كان مستعد يبيعني أول ما يفتكر إني بقيت ضعيف.

ولأول مرة من ساعة ما قعدت على الكرسي المتحرك…

ما بقيتش بتفرج عليهم.

بقيت بدرسهم.

واحد واحد.

نظرة بنظرة.

وكلمة بكلمة.

لأن اللي ما حدش في القاعة كان يعرفه…

إن الكرسي ده ما كانش سجني.

كان مصيدة.

وأنا اللي كنت حاططهم كلهم جواها.

والليلة دي…

كنت مستني بس اللحظة المناسبة علشان أقوم.

لكن قبل ما أعمل أي حركة…

حصل شيء ما كنتش متوقعه.

مريم قربت مني أكتر، وهمست بكلمة واحدة:

“خلي بالك…”

رفعت عيني ليها.

قالت بصوت مرتجف:

“في حاجة لازم تعرفها عن الحادثة.”

وفي اللحظة دي…

اختفت كل الابتسامات من وشي.

لأن الطريقة اللي قالت بيها الجملة كانت معناها إن مريم مش مجرد شاهدة على اللي حصل…

هي كانت عارفة سر أخطر بكتير.

والسر ده…

ممكن يغيّر كل حاجة.

الجزء الثاني
فضلت باصص لمريم من غير ما أتكلم.

كانت واقفة قدامي، وملامحها متوترة، وعينيها بتتحرك بيني وبين سلمى، كأنها خايفة حد يسمع كلمة واحدة من اللي هتقولها.

قربت منها شوية وقلت بصوت منخفض:

“إيه اللي تعرفيه عن الحادثة؟”

بلعت ريقها وقالت:

“مش هنا…”

بصيت حواليّ.

السابق1 من 3
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى