
أما سلمى، فكانت واقفة على بعد كام متر، بتتكلم مع عمي فؤاد.
لكن عينيها…
كانت علينا.
مريم لاحظت ده، فوطّت صوتها أكتر:
“لو قلتلك هنا، مش هخرج من القاعة.”
فهمت فورًا.
هزيت راسي بهدوء، وبعدها قلت:
“استنيني في الممر اللي ورا المطبخ.”
مريم قامت ومشت بهدوء.
فضلت أنا مكاني.
بعد أقل من دقيقتين، سلمى رجعت ناحيتي.
ابتسمت ابتسامتها المصطنعة، وقالت:
“مريم كانت بتقولك إيه؟”
رفعت عيني ليها وقلت:
“ولا حاجة.”
قربت مني وهمست:
“أتمنى تكون فاهم إن اللي حصل النهارده كان مجرد بداية.”
قلت:
“بداية لإيه؟”
ابتسمت وقالت:
“للحياة اللي هتعيشها من هنا ورايح.”
وبعدين مدت إيدها على كتفي وقالت بصوت مسموع قدام الناس:
“لازم تتقبل إنك محتاج حد يساعدك.”
ضحك واحد من رجال الأعمال الموجودين.
وأضافت:
“وأنا مش هقدر أضحي بحياتي علشان أقضي عمري أرعى شخص عاجز.”
الكلمة دي اتقالت قدام الجميع.
ومع ذلك…
ما رديتش.
كنت عايزها تتكلم.
كل كلمة كانت بتقولها كانت بتكشفها أكتر.
بعد حوالي عشر دقايق، استأذنت من الموجودين بحجة إني تعبت.
ودخلت الغرفة الجانبية.
قفلت الباب.
وبمجرد ما بقيت لوحدي…
رفعت البطانية عن رجلي.
وقفت.
مشيت خطوتين.
وبعدين تلاتة.
جسمي كان لسه متأثر من الحادثة، لكن رجلي كانت قادرة تشيلني.
وقفت قدام المراية وبصيت لنفسي.
لأول مرة من أسابيع…
شفت راجل واقف.
مش مريض.
مش عاجز.
مش ضحية.
لكن راجل عنده حسابات لازم تتقفل.
سمعت خبط خفيف على الباب.
فتحت.
كانت مريم.
دخلت بسرعة وقفلت الباب وراها.
وقالت:
“أنا آسفة إني اتأخرت.”
قلت:
“قوليلي كل حاجة.”
فضلت ساكتة ثواني.
وبعدين قالت:
“قبل الحادثة بيومين، سمعت سلمى وهي بتتكلم مع عمي فؤاد.”
تجمدت مكاني.
“كانوا بيتكلموا عن إيه؟”
قالت:
“عن الشركة.”
قلت:
“إيه اللي قالوه؟”
بصتلي في عيني وقالت:
“كانوا بيقولوا إنهم مستنيين الحادثة تحصل.”
حسيت إن الدم اتسحب من وشي.
قلت:
“إيه؟”
هزت راسها.
“أنا سمعتهم بنفسي.”
قربت منها.
“إزاي يعني مستنيين الحادثة؟”
قالت:
“عمي فؤاد قال لسلمى إن لو الحادثة خلّتك غير قادر على إدارة الشركة، مجلس الإدارة هيبدأ يدور على حد تاني يمسك الإدارة.”
سكتت لحظة.
وبعدين كملت:
“وسلمى قالت له إن ده بالضبط اللي هي عايزاه.”
قبضت إيدي.
كنت متوقع الخيانة…
لكن مش بالشكل ده.
سألتها:
“يعني هما كانوا عارفين إن الحادثة هتحصل؟”
مريم هزت راسها بسرعة.
“مش عارفة.”
وبعدين قالت:
“بس في حاجة تانية.”
بصيتلها.
طلعت من جيب مريلتها فلاشة صغيرة.
حطتها في إيدي.
وقالت:
“دي لقيتها في مكتب عمي فؤاد.”
بصيت للفلاشة.
“عليها إيه؟”
قالت:
“مش عارفة.”
“إزاي لقيتيها؟”
قالت:
“كنت بنضف المكتب قبل الحفلة، ولقيتها واقعة جنب درج المكتب.”
سكتت.
وبعدين قالت:
“كنت هرجعها مكانها… لكن سمعت صوت عمي فؤاد وسلمى داخلين.”
“فخبّيتها.”
بصيت للفلاشة مرة تانية.
كانت صغيرة جدًا.
لكنها في اللحظة دي كانت بالنسبة لي أخطر من أي سلاح.
قلت:
“إنتِ ليه وثقتي فيا؟”
مريم بصت للأرض.
وقالت:
“لأني شفت حاجة محدش شافها.”
“إيه؟”
رفعت عينيها وقالت:
“بعد الحادثة مباشرة، سلمى دخلت المستشفى.”
اتوترت.
“دخلت المستشفى ليه؟”
قالت:
“ما دخلتش علشان تطمن عليك.”
سكتت لحظة.
ثم قالت:
“دخلت علشان تتأكد إنك فعلًا مش قادر تمشي.”
فضلت ساكت.
مريم كملت:
“كانت واقفة قدام باب العناية المركزة وبتتكلم في التليفون.”
“وقالت جملة مش هنساها طول عمري.”
قلت:
“قالت إيه؟”
بصتلي وقالت:
“قالت: «لو فضل عاجز، كل حاجة هتبقى بتاعتنا.»”
حسيت ببرودة في جسمي.
في اللحظة دي، بدأت كل القطع تركب مكانها.
الخوف اللي كان في عينيها يوم الحادثة.
اهتمامها المفاجئ بأوراق الشركة.
اتصالاتها المتكررة بعمي فؤاد.
وإصرارها الغريب إنها تعرف تفاصيل حالتي الطبية.
كل حاجة كانت مرتبطة ببعض.
لكن كان فيه سؤال واحد لسه مش لاقي له إجابة.
مين دبّر الحادث؟
قربت من مريم وقلت:
“هل سمعتي أي حاجة عن الشخص اللي كان سايق العربية؟”
ترددت.
وبعدين قالت:
“أيوه.”
قلبي دق بسرعة.
“مين؟”
قالت:
“السواق.”
قلت:
“إيه اللي حصل له؟”
قالت:
“اختفى.”
سكت.
“اختفى إمتى؟”
قالت:
“بعد الحادثة بيوم.”
في اللحظة دي، سمعت صوت خطوات بره الغرفة.
مريم اتجمدت.
أنا بصيت للباب.
الخطوات وقفت قدامه.
وبعدين…
مقبض الباب بدأ يتحرك.
مريم همست:
“حد جاي.”
حطيت الفلاشة في جيبي بسرعة.
وبدل ما أرجع للكرسي…
فضلت واقف.
لأن الشخص اللي كان داخل الغرفة ما كانش يعرف الحقيقة.
وكان لازم يفضل ما يعرفهاش.
الباب اتفتح.
وكان عمي فؤاد واقف قدامي.
بص لي…
وبعدين بص لمريم.
لكن عينيه وقعت على حاجة واحدة فقط.
رجلي.
كنت واقف.
اتغير لون وشه.
وهمس:
“إنت…”
سكت لحظة.
ثم قال:
“إنت بتقدر تمشي؟”
ابتسمت لأول مرة من يوم الحادث.
وقلت:
“واضح إنك اكتشفت السر بدري.”
وشه شحب تمامًا.
لكن قبل ما يرد…
دخلت سلمى من وراه.
ولما شافتني واقف على رجلي…
وقعت منها الحقيبة.
أما أنا…
فقلت بهدوء:
“دلوقتي نقدر نتكلم بجد.”
يتبع في الجزء قبل الأخير…
وقفت سلمى عند باب الغرفة كأنها شافت شبح.
عينيها كانت مثبتة على رجلي، وبعدها رفعت نظرها لوشي.
لأول مرة من ساعة ما عرفتها…
ما كانش عندها أي رد.
ولا حتى ابتسامتها المستفزة.
عمي فؤاد حاول يستعيد تماسكه بسرعة، وقال:
“إنت بتعمل إيه؟”
ضحكت بهدوء.
“أنا؟”
خطيت خطوة ناحيته.
“أنا اللي المفروض أسألك السؤال ده.”
سلمى رجعت خطوة للخلف.
قلت لها:
“اتفضلي… ادخلي.”
ما تحركتش.
فقلت:
“ولا خايفة؟”
بصت لعمي فؤاد.
كان واضح إنها مستنية منه يتصرف.
لكنه هو نفسه كان مرتبك.
قربت من المكتب وحطيت إيدي على ظهر الكرسي المتحرك.
وقلت:
“أسابيع وأنا قاعد على الكرسي ده، وبراقب كل واحد فيكم.”
بصيت لعمي.
“مين اللي بعت التقارير لمجلس الإدارة؟”
سكت.
بصيت لسلمى.
“ومين اللي كان بيقول إن الشركة لازم تنتقل لقيادة جديدة؟”
ما ردتش.
قلت:
“ومين اللي كان مستني مني أموت أو أفضل عاجز علشان يقدر يستولي على كل حاجة؟”
سلمى بدأت تهز راسها.
“إنت فاهم غلط.”
ابتسمت.
“غلط؟”
طلعت الفلاشة من جيبي وحطيتها قدامهم على المكتب.
أول ما شافها عمي فؤاد، وشه اتغير.
قلت:
“دي مش غلط، صح؟”
سلمى بصت للفلاشة، وبعدها بصت لعمي.
في اللحظة دي عرفت إن الشكوك اللي عندي كانت أقرب للحقيقة مما توقعت.
عمي اندفع ناحية المكتب.
لكن قبل ما يوصل للفلاشة، وقفت بينه وبينها.
وقلت:
“ماتلمسهاش.”
قال بعصبية:
“إنت مش فاهم حاجة.”
رديت:
“عشان كده هسمع التسجيل.”
سلمى شهقت.
“تسجيل؟”
قلت:
“أيوه.”
وصلت الفلاشة بالكمبيوتر الموجود في الغرفة.
وبعد ثواني…
خرج صوت عمي فؤاد من السماعات.
“لو فضل على الكرسي، مجلس الإدارة هيبقى سهل السيطرة عليه.”
ثم جاء صوت سلمى:
“وأنا مستعدة أعمل أي حاجة علشان أضمن إن كل حاجة تفضل في إيدنا.”
سكتت الغرفة.
ثم جاء صوت عمي:
“بس لازم نتأكد إنه مش هيرجع يقف على رجله.”
سلمى قالت:
“هو مش هيرجع.”
رفعت عيني ليها.
كانت واقفة وكأن الأرض انسحبت من تحتها.
التسجيل كمل.
وبعدين سمعنا جملة جعلتني أتجمد.
عمي قال:
“السواق فاهم المطلوب منه.”
أوقفت التسجيل.
ما احتجتش أسمع أكتر.
بصيت لعمي فؤاد.
“مين السواق؟”
ما ردش.
قربت منه وقلت:
“مين؟”
صرخ:
“أنا ما خططتش للحادث!”
قلت:
“بس كنت عارف.”
سكت.
وكان سكوته كفاية.
سلمى بدأت تبكي.
لكن دموعها المرة دي ما أثرتش فيا.
قالت:
“أنا كنت خايفة!”
بصيتلها.
“خايفة من إيه؟”
قالت:
“من المستقبل.”
ضحكت بسخرية.
“المستقبل اللي كنتِ مستنياه من غيري؟”
قالت:
“أنا كنت فاكرة إنك هتفضل عاجز.”
رديت:
“وعلشان كده أهنتيني قدام الناس؟”
سكتت.
قلت:
“علشان كده قلتي إني عبء؟”
ما ردتش.
“علشان كده كنتِ مستنية الشركة تقع في إيدي عمي؟”
دموعها زادت.
لكن الحقيقة كانت أوضح من أي إجابة.
في اللحظة دي، الباب اتفتح.
دخل المحامي بتاعي ومعاه اتنين من رجال الأمن.
وخلفهم كان فيه ثلاثة من أعضاء مجلس الإدارة.
عمي فؤاد اتصدم.
“إنت كنت مستنيهم؟”
قلت:
“من أول يوم.”
المحامي حط ملف كبير على المكتب.
وقال:
“تم تجهيز كل الإجراءات القانونية.”
سلمى بصتلي.
“إجراءات إيه؟”
رد المحامي:
“كل التحويلات المالية المشبوهة، ومحاولات السيطرة على أسهم الشركة، والتسجيل الصوتي، وشهادات الشهود… كلها تم توثيقها.”
عمي فؤاد صرخ:
“التسجيل ده مش قانوني!”