
الجزء الثاني
تجمدت في مكاني للحظات.
ليان؟
لم أفهم لماذا كان اسم ابنتي هو المستفيد المحدد في ملف سري أنشأه والدي قبل وفاته.
رفعت عيني نحو آدم.
كان يقف خلف أفراد الأمن، وقد اختفى تمامًا ذلك الغرور الذي كان يملأ وجهه قبل دقائق.
لأول مرة منذ سنوات، رأيت الخوف الحقيقي في عينيه.
قلت لحسام عبر الهاتف:
— أريد فتح الملف الآن.
أجابني:
— هناك خطوة أخيرة يجب إتمامها أولًا. والدك وضع تعليمات واضحة للغاية. لا يُفتح الملف إلا بعد التأكد من وجود ليان معك، وأنك أنت من طلبتِ فتحه.
نظرت إلى ابنتي النائمة فوق كتفي.
ثم قلت:
— ليان معي. افتح الملف.
سمعت صوت لوحة مفاتيح على الجانب الآخر.
وبعد لحظات، قال حسام:
— تم التحقق. الملف أصبح متاحًا لك.
ظهر على شاشة هاتفي رابط مشفر.
ضغطت عليه.
ظهرت أول صفحة.
وفي أعلاها كان اسم والدي.
جلال السيوفي.
وتحته جملة واحدة:
“إذا كنتِ تقرئين هذا الخطاب، فهذا يعني أنني لم أعد موجودًا لحماية ابنتي أو حفيدتي بنفسي.”
توقفت أنفاسي.
بدأت أقرأ.
“ليلى، إذا وصل هذا الملف إليك، فلا تثقي بأي شخص يحاول إقناعك بأنك غير قادرة على إدارة ما تركته لك.”
“وأهم شيء… لا تسمحي لآدم بأن يجعلك تعتقدين أن ابنتك هي نقطة ضعفك.”
رفعت رأسي ببطء.
كان آدم يراقبني.
وكأنه يعرف بالضبط ما كنت أقرأه.
واصلت القراءة.
“خلال العام الماضي، بدأت ألاحظ تغييرات مقلقة في طريقة تعامل آدم مع الشركة ومعك. لم أواجهه مباشرة لأنني أردت التأكد قبل أن أظلمه.”
“طلب مني أكثر من مرة أن أنقل بعض الصلاحيات إليه بحجة أنه يريد تخفيف الأعباء عنك.”
“لكن ما اكتشفته لاحقًا كان مختلفًا.”
شعرت بقلبي يزداد سرعة.
سألت حسام:
— ماذا اكتشف والدي؟
أجاب:
— ستجدين كل شيء في الملف، يا ليلى. لكن أنصحك أن تقرئيه بعيدًا عن آدم.
نظرت إلى أفراد الأمن.
ثم قلت:
— أخرجوه من الفندق.
اعترض آدم فورًا:
— ليلى، انتظري! يمكننا حل هذا الأمر بيننا.
ضحكت ضحكة قصيرة بلا فرح.
— بيننا؟
تقدمت خطوة.
— أنت الذي أحضرت امرأة أخرى إلى فندق عائلتي، وأهنتني أمام الناس، ثم أسقطت المال أمام قدمي وكأنني لا أساوي شيئًا. والآن تريد مني أن أتحدث معك على انفراد؟
لم يرد.
قلت:
— أعتقد أن الوقت انتهى يا آدم.
أخرجه الأمن من البهو.
أما نورا، فتحركت نحوه بسرعة.
لكنه لم يلتفت إليها حتى.
كانت تلك أول مرة أرى فيها نورا مرتبكة.
وكأنها اكتشفت فجأة أن الرجل الذي راهنت عليه لم يكن يملك القوة التي ادعاها.
عدت إلى الملف.
كانت هناك عشرات المستندات.
تقارير مالية.
مراسلات.
تسجيلات لاجتماعات مجلس الإدارة.
ومذكرات كتبها والدي بخط يده.
ثم وجدت عنوانًا جعل يدي تتوقف:
“خطة آدم للسيطرة على شركة السيوفي.”
فتحته.
وكانت الصدمة أكبر مما توقعت.
لم يكن آدم يحاول فقط الحصول على منصب أقوى في الشركة.
كان يخطط للسيطرة على حصتي أنا.
لكن المشكلة لم تكن في ذلك وحده.
كانت هناك وثيقة أخرى بعنوان:
“ملف الحضانة.”
فتحتها.
بدأت أقرأ.
وخلال أقل من دقيقة، شعرت بأن الأرض تتحرك تحت قدمي.
كان آدم قد بدأ منذ أشهر في جمع معلومات عني.
كان يسجل مواعيد نوم ليان.
ومن يتولى رعايتها.
ومن يذهب بها إلى الطبيب.
ومن يقضي معها الوقت الأكبر.
حتى أنه جمع شهادات من أشخاص يعرفونني ليستخدمها لاحقًا لإثبات أنني “منشغلة بأعمال الشركة وغير مستقرة عاطفيًا”.
كل شيء كان مرتبًا.
كل شيء كان مخططًا له.
حتى المشهد الذي حدث في الفندق.
لم يكن عشوائيًا.
كان يريد أن يدفعني إلى الانفعال أمام الكاميرات.
كان يريد أن يثبت أنني امرأة غير قادرة على التحكم في نفسها.
ثم يستخدم ذلك ضدي في قضية حضانة.
لكن لماذا؟
لماذا كان يريد ليان؟
واصلت القراءة.
وهنا ظهرت الحقيقة التي جعلتني أفهم سبب اختيار والدي لاسم الملف.
كانت ليان مرتبطة بشكل غير مباشر بمستقبل الشركة.
فقد وضع والدي في وصيته ترتيبات قانونية تحمي حصة ليان المستقبلية في الشركة.
لكن تلك الحماية كانت تعتمد على شيء واحد:
أن تظل الحصة تحت إدارة الوصي الذي حدده والدي، وليس تحت سيطرة والدها.
وكان آدم يعرف ذلك.
إذا حصل على السيطرة القانونية على ليان، فسيحاول الوصول إلى مصالحها المالية.
ولهذا كان يحتاج إلى إبعادي.
أغلقت عيني للحظة.
لم يكن يريد ابنتنا لأنها ابنته.
كان يريد الوصول إلى ما تركه جدي لها.
والأسوأ من ذلك…
أن والدي كان قد اكتشف الخطة قبل وفاته.
لكن بدلًا من مواجهته، ترك لي الأدلة.
ترك لي المفتاح.
وترك لي بروتوكولًا كاملًا للدفاع عن نفسي.
اتصلت بحسام مرة أخرى.
قلت:
— منذ متى وأنت تعرف كل هذا؟
أجاب:
— منذ ستة أشهر.
— ولماذا لم تخبرني؟
تنهد.
— لأن والدك أصدر تعليمات بعدم إخبارك إلا إذا بدأ آدم تنفيذ الخطة فعليًا.
— ومتى اعتبرتم أنه بدأ تنفيذها؟
جاء صوته أكثر جدية:
— اليوم.
سكتُّ.
ثم فهمت.
إهانتي أمام الكاميرات.
وجود نورا.
محاولة استفزازي.
كل ذلك لم يكن مجرد خيانة زوجية.
كان جزءًا من خطة.
قال حسام:
— هناك شيء آخر يجب أن تعرفيه، يا ليلى.
— ما هو؟
— آدم لم يكن يعمل وحده.
تجمدت.
— ماذا تقصد؟
قال:
— هناك شخص من داخل الشركة كان يزوده بالمعلومات.
نظرت إلى شاشة الهاتف.
— من؟
تردد حسام لثوانٍ.
ثم قال:
— نورا حمدان ليست مجرد مستشارة استراتيجية.
شعرت بقشعريرة تسري في جسدي.
تابع:
— هي كانت تصل إلى ملفات لم يكن مسموحًا لها بالوصول إليها.
— ومن منحها الصلاحية؟
ساد صمت طويل.
ثم أجاب حسام:
— آدم لم يكن لديه تلك الصلاحية أصلًا.
رفعت رأسي نحو باب الفندق.
كان آدم قد اختفى خلفه.
لكنني أدركت أن اللعبة لم تنتهِ.
بل كانت قد بدأت للتو.
الجزء الثالث
بقيت واقفة في منتصف البهو، وأنا أحمل ليان بين ذراعي، بينما كانت الأفكار تتسابق داخل رأسي.
لم يعد السؤال: لماذا خانني آدم؟
السؤال الحقيقي أصبح:
من داخل عائلتي أو شركتي كان يساعده؟
قلت لحسام:
— أريد معرفة اسم الشخص الآن.
أجابني بهدوء:
— قبل أن أخبرك، هناك شيء يجب أن تريه بنفسك. اذهبي إلى مكتب والدك القديم في مقر الشركة. ستجدين صندوقًا صغيرًا خلف اللوحة الموجودة في المكتبة.
— وما بداخله؟
— الدليل الذي تركه والدك بنفسه.
أغلقت الاتصال.
وضعت ليان في مقعدها الصغير داخل السيارة، ثم جلست بجوارها.
طوال الطريق إلى مقر الشركة في الجيزة، لم أتوقف عن التفكير.
قبل عامين كنت أعتقد أن وفاة والدي كانت أصعب خسارة مررت بها.
لكنني الآن أدركت أنني ربما كنت أعيش وسط أشخاص لم أعرف حقيقتهم أبدًا.
وصلت إلى مبنى الشركة.
ما إن دخلت حتى تغيرت نظرات الموظفين.
كان الخبر قد انتشر بالفعل.
آدم لم يعد يملك صلاحياته.
وأنا عدت إلى مجلس الإدارة.
صعدت إلى الطابق الأخير، حيث ظل مكتب والدي مغلقًا منذ وفاته.
أخرجت المفتاح الذي احتفظت به طوال عامين.
فتح الباب.
دخلت.
رائحة المكان أعادت إليّ ذكريات كثيرة.
مكتبه.
كرسيه.
صور العائلة.
حتى القلم الذي كان يستخدمه يوميًا ظل فوق مكتبه.
توجهت إلى المكتبة.
كانت هناك لوحة كبيرة لمدينة القاهرة معلقة على الحائط.
أزلتها.
وجدت خلفها صندوقًا معدنيًا صغيرًا.
فتحته.
كان بداخله ظرف أبيض، وذاكرة إلكترونية، وصورة قديمة لي وأنا طفلة مع والدي.
فتحت الظرف.
كانت هناك رسالة.
“ليلى، إذا وصلتِ إلى هنا، فقد أصبح الوقت مناسبًا لمعرفة الحقيقة.”
“كنت أريد أن أخبرك قبل أن أموت، لكنني كنت أخشى أن يؤدي كشف الأمر مبكرًا إلى دفع الأشخاص المتورطين للتصرف ضدك.”
“لا تبحثي عن العدو خارج الشركة فقط.”
“ابحثي عن الشخص الذي كان يملك ثقتي الكاملة.”
توقفت عند الجملة الأخيرة.
الشخص الذي كان يملك ثقة والدي الكاملة.
لم يكن هناك سوى عدد قليل جدًا من الأشخاص.
حسام.
المحامي القديم للعائلة.
ومدير الحسابات.
وشخص آخر…
عمي فؤاد.
شقيق والدي الأصغر.
كان فؤاد عضوًا في مجلس الإدارة منذ تأسيس الشركة، لكنه انسحب من الإدارة بعد وفاة والدي بحجة أن صحته لم تعد تسمح له بتحمل المسؤولية.
لطالما اعتبرته فردًا من العائلة.
لكن فجأة تذكرت شيئًا.
قبل وفاة والدي بأشهر، كان قد حذرني ذات مرة قائلًا:
— إذا حدث لي شيء، لا تثقي بمن يقول لك إنه يفعل كل شيء من أجل العائلة.
وقتها لم أفهم كلامه.
الآن فهمته.
أدخلت الذاكرة الإلكترونية في جهاز الكمبيوتر.
ظهر ملف واحد.
“المشروع الأزرق.”
فتحته.
ظهرت مجموعة من التحويلات المالية.
مبالغ كبيرة خرجت من حسابات مرتبطة بالشركة إلى شركات استشارية وهمية.
وفي نهاية كل عملية كان يظهر اسم مختلف.
لكن الحساب النهائي كان واحدًا.
فؤاد السيوفي.
جلست على الكرسي.
لم أستطع الكلام.
كان عمي يسرق من الشركة؟
لكن لماذا كان آدم متورطًا؟
فتحت ملفًا آخر.
وهنا كانت المفاجأة.
كانت هناك رسائل بين فؤاد وآدم.
“بمجرد أن تحصل على السيطرة على حصة ليلى، ستصبح عملية نقل الإدارة أسهل.”
ثم رسالة أخرى:
“أما الطفلة، فلا تقلق. إذا حصل آدم على الحضانة، فسيكون لدينا مدخل قانوني إلى الأموال الموضوعة باسمها.”
شعرت بدموعي تنزل دون أن أشعر.
لم يكن الأمر مجرد خيانة زوج.
كان هناك أشخاص من عائلتي يخططون للسيطرة على مستقبل ابنتي.
وفجأة رن هاتفي.
كان حسام.
أجبت فورًا.
قال:
— ليلى، أين أنت؟
— في مكتب أبي.
— هل فتحتِ الصندوق؟
— نعم.
سكت لحظة.
ثم قال:
— إذن عرفتِ بشأن فؤاد.
— كنت تعرف؟
— والدك كان يعرف. لكنه لم يكن يملك دليلًا كافيًا لإبعاده دون أن يتسبب ذلك في أزمة داخل العائلة.
— وماذا عن آدم؟
قال حسام:
— آدم كان مجرد واجهة في البداية. فؤاد هو من أقنعه بأن بإمكانه السيطرة على الشركة من خلالك.
ثم توقف.
— لكن آدم ارتكب خطأ لم يكن والدك يتوقعه.
— ما هو؟
— بدأ يبني ملف الحضانة بنفسه، دون علم فؤاد.
صمتُّ.
قال حسام:
— وهذا هو السبب الذي جعل والدك يضع بروتوكول الصقر الليلي.
قبل أن أتمكن من الرد، سمعت صوتًا خلفي.
التفتُّ.
كان الباب مفتوحًا.
وكان فؤاد واقفًا هناك.
ابتسم بهدوء غريب.
وقال:
— أبوك كان دائمًا يبالغ في خوفه يا ليلى.
نظرت إليه.
لم أجب.
دخل إلى المكتب وأغلق الباب خلفه.
ثم قال:
— كان يجب أن تتركي الشركة منذ وفاة والدك. لقد كنتِ دائمًا عاطفية أكثر من اللازم لإدارة كل هذا.
قلت:
— وأنت كنت تنتظر أن آخذ قرارًا خاطئًا. أليس كذلك؟
ابتسم.
— كنت أنتظر أن تفهمي أن هذه الشركة أكبر منك.
— بل أكبر منك أنت أيضًا.
تغيرت ملامحه قليلًا.
رفعت الهاتف أمامه.
— كل شيء موجود هنا. التحويلات. الرسائل. وخطة آدم.
لأول مرة اختفت ابتسامته.
ثم قال:
— أنت لا تعرفين ما الذي تعبثين به.
قلت:
— بل بدأت أعرف.
اقترب خطوة.
— إذا نشرتِ هذه الملفات، ستدمرين اسم عائلتك بالكامل.
أجبته:
— لا. الشخص الذي فعل هذه الأشياء هو من دمر اسم العائلة.
وفجأة وصلني إشعار على الهاتف.
تم فتح محاولة وصول غير مصرح بها إلى حساب الوصاية الخاص بليان.
رفعت عيني نحو فؤاد.
لم يكن يحتاج إلى قول أي شيء.
فقد فهمت.
كانت المحاولة تحدث في هذه اللحظة.
ومن داخل النظام الخاص بالشركة.
قلت:
— كنت أعرف أنكم لن تتوقفوا.
نظر فؤاد إلى الهاتف.
ثم تغير وجهه.
لأنه أدرك شيئًا واحدًا:
هذه المرة، لم يكن النظام تحت سيطرته.
كان بروتوكول والدي قد بدأ يسجل كل شيء.
وكانت كل محاولة دخول…
تُحفظ تلقائيًا كدليل.
رن هاتفي مرة أخرى.
كان حسام.
قال بصوت حازم:
— ليلى، لا تغادري المكتب. الشرطة والمحامي في طريقهما إليك.
ثم أضاف:
— لكن هناك مشكلة أكبر.
— ماذا؟
قال:
— وجدنا شيئًا في حسابات آدم يجعل قصة الحضانة أخطر بكثير مما كنا نعتقد.
نظرت إلى فؤاد.
ثم سألت:
— ما الذي وجدتموه؟
قال حسام:
— دفع آدم مبلغًا لشخص يدّعي أنه خبير قانوني، للحصول على تقرير مزور عنك وعن ليان.
توقفت أنفاسي.
لكن حسام لم ينتهِ بعد.
قال:
— والاسم الموجود على إيصال الدفع هو اسم شخص تعرفينه جيدًا.
ثم ذكر الاسم.
وفي اللحظة التي سمعته فيها…
عرفت أن الخيانة لم تكن قادمة من آدم وفؤاد وحدهما.
كان هناك شخص ثالث…
أقرب إليّ مما كنت أتخيل.
الجزء الرابع
تجمدت يدي حول الهاتف.
— من؟
لم يجب حسام فورًا.
سمعت أنفاسه على الطرف الآخر، وكأنه كان يعرف أن الاسم الذي سيقوله سيغير كل شيء.
ثم قال:
— مريم عبدالسلام.
توقفت للحظة.
مريم؟
لم أصدق.
مريم كانت مديرة المنزل التي عملت لدى عائلتي منذ أكثر من عشر سنوات.
كانت تعرف ليان منذ ولادتها.
كانت أول من حملها بعد عودتي من المستشفى.
وكانت الشخص الذي ألجأ إليه عندما أحتاج إلى من يهتم بليان أثناء اجتماعات العمل.
قلت:
— هذا مستحيل.
قال حسام:
— كنا نتمنى أن يكون مستحيلًا. لكن لدينا سجلات التحويلات، ورسائل بينها وبين آدم، وتسجيلات من كاميرات المنزل.
نظرت إلى فؤاد.
كان واقفًا أمامي، ساكتًا.
لكنني لاحظت شيئًا في عينيه.
لم يكن مصدومًا.
كان يعرف.
قلت لحسام:
— هل كانت مريم هي من أعطى آدم المعلومات عن ليان؟
— نعم.
ثم أضاف:
— لكنها لم تكن تعرف كل شيء. آدم أخبرها أنها تساعد في حماية ليان منك لأنك أصبحتِ منشغلة بالشركة أكثر من اللازم.
أغلقت عيني.
للحظة، شعرت بالخيانة أكثر من الغضب.
كنت أترك ليان معها وأنا مطمئنة.
كنت أثق بها.
ثم سمعت فؤاد يقول:
— أنت تبالغين في تفسير الأمر. مريم لم تفعل شيئًا سوى نقل بعض المعلومات.
التفت إليه.
— إذن أنت تعترف بأنك كنت تعرف؟
لم يجب.
كانت تلك الإجابة كافية.
فتحت هاتفي، وبدأت أراجع الملفات.
وجدت رسالة أرسلها آدم إلى مريم قبل أسابيع:
“أحتاج إلى معرفة من ينام بجانب ليان عندما تكون ليلى خارج المنزل.”
ورسالة أخرى:
“هل قالت ليان شيئًا عن خوفها من أمها؟ أي شيء يمكن استخدامه؟”
شعرت بالغضب يتصاعد بداخلي.
كانوا يحاولون استخدام طفلة صغيرة لا تفهم حتى ما يحدث حولها.
لم يكن الأمر يتعلق بالحضانة فقط.
كانوا يحاولون صناعة قصة كاملة.
قصة تجعلني أبدو أمًا غير قادرة على رعاية ابنتها.
قال فؤاد:
— ليلى، اسمعيني. ما زال بإمكاننا إنهاء كل هذا بهدوء.
ضحكت بمرارة.
— بهدوء؟ بعد أن حاولتم تدمير علاقتي بابنتي؟
— أنت لا تفهمين الصورة كاملة.
— إذن اشرحها لي.
سكت.
قلت:
— أنت وآدم كنتما تريدان السيطرة على حصتي في الشركة. لكن لماذا كانت ليان ضرورية؟
لم يرد.
وهنا فهمت أن هناك شيئًا آخر.
اقتربت منه.
— ما الذي وضعه أبي باسم ليان؟
تغير وجهه.
وهذه المرة لم يحاول إخفاء ذلك.
قلت:
— حسام أخبرني أن والدتي لم تكن تعرف كل تفاصيل وصية أبي. وأنت كنت تعرف.
ظل صامتًا.
ثم قال:
— والدك كان رجلًا حذرًا.
— لم أسألك عن أبي. سألتك عن ليان.
أخرج فؤاد هاتفه.
وقال:
— هناك صندوق استثماري أنشأه والدك باسم ليان.
شعرت بأنني فقدت القدرة على الكلام للحظات.
— كم قيمته؟
ابتسم ابتسامة صغيرة.
— أكثر بكثير مما تتخيلين.
قلت:
— كم؟
قال:
— ما يقارب مئتي مليون جنيه بالقيمة الحالية للأصول والاستثمارات المرتبطة به.
جلست ببطء.
لم يكن والدي قد أخبرني بكل شيء.
كان قد وضع جزءًا من ثروته باسم حفيدته.
والأسوأ أنني أدركت سبب خطة آدم.
إذا تمكن من الحصول على السيطرة القانونية على ليان، فسيحاول الوصول إلى الأموال الموضوعة لمصلحتها.
لكن لماذا كان فؤاد يريدها؟
قلت:
— أنت لم تكن تريد الشركة فقط. كنت تريد أموال ليان.
قال:
— الأموال كانت ستصبح تحت إدارة الوصي في حال حدوث ظروف معينة.
— وأنت كنت تريد أن تصبح ذلك الوصي.
لم يجب.
في تلك اللحظة، وصل إشعار جديد.
تم إيقاف محاولة الوصول إلى صندوق ليان الاستثماري.
ثم ظهر اسم المستخدم الذي حاول الدخول.
Fouad.S
نظرت إلى فؤاد.
هذه المرة لم يقل شيئًا.
رن هاتفي.
كان حسام.
— ليلى، غادر فؤاد المكتب فورًا ولا تحاولي مواجهته وحدك.
لكنني لم أحتج إلى ذلك.
سمعنا طرقًا على الباب.
ثم دخل المحامي شريف منصور برفقة اثنين من أفراد الأمن.
وقال:
— السيد فؤاد، نحتاج منك أن تسلم هاتفك وأي أجهزة مرتبطة بحسابات الشركة إلى فريق التحقيق الداخلي.
اعترض فؤاد:
— بأي حق؟
أجابه شريف:
— بموجب الصلاحيات التي منحها السيد جلال السيوفي لمجلس حماية الأصول في حال تفعيل بروتوكول الصقر الليلي.
نظر فؤاد إليّ.
كان غاضبًا.
لكنني رأيت شيئًا آخر في عينيه.
الخوف.
خرج معه أفراد الأمن.
وبقيت وحدي في مكتب أبي.
نظرت إلى صورته.
وقلت بصوت منخفض:
— كنت تعرف كل شيء، أليس كذلك؟
رن الهاتف.
كان حسام مرة أخرى.
— ليلى، هناك آخر شيء يجب أن تعرفيه.
— ماذا؟
قال:
— وجدنا ملفًا صوتيًا تركه والدك، ولم يكن من المفترض فتحه إلا بعد ظهور محاولة للوصول إلى صندوق ليان.
شعرت بقشعريرة.
— شغله.
وصلني الملف.
ضغطت عليه.
سمعت صوت أبي.
صوتًا لم أسمعه منذ عامين.
قال:
“ليلى… إذا كنتِ تسمعين هذا التسجيل، فهذا يعني أن الأشخاص الذين خشيت منهم وصلوا إلى حفيدتي.”
توقفت أنفاسي.
تابع:
“لكنني أريدك أن تعرفي شيئًا واحدًا.”
“أنا لم أترك ليان ثروة فقط.”
“لقد تركت لها شيئًا أقوى.”
ساد صمت لثوانٍ.
ثم قال:
“حقًا قانونيًا في الشركة لا يستطيع أي زوج أو وصي أو قريب انتزاعه منها.”
ثم جاءت الجملة التي جعلتني أضع يدي على فمي من شدة الصدمة:
“لكن هناك شخصًا واحدًا فقط يستطيع تفعيل هذا الحق بالكامل…”
توقف التسجيل للحظة.
ثم قال والدي:
“وأنا متأكد أن هذا الشخص سيكون آخر شخص يتوقعه آدم.”
انتهى التسجيل.
نظرت إلى حسام.
— من هو؟
لكنه لم يجب.
بل قال:
— تعالي إلى مكتبي فورًا. هناك شخص ينتظرك.
— من؟
قال:
— الشخص الذي اختاره والدك بنفسه لحماية ليان…
ثم سكت لحظة.
— وهو ليس من أفراد العائلة.
الجزء قبل الأخير
لم أستطع أن أتحرك للحظات.
كان كلام حسام يدور في رأسي:
“ليس من أفراد العائلة.”
من يكون هذا الشخص الذي وثق به والدي إلى هذه الدرجة؟
حملت ليان واتجهت إلى مكتب حسام.
عندما دخلت، وجدته واقفًا بجوار النافذة.
وبجواره رجل في أواخر الخمسينيات، يرتدي بدلة بسيطة ويحمل حقيبة جلدية قديمة.
بمجرد أن رأيته، شعرت أنني أعرفه.
لكنني لم أتذكر من أين.
قال حسام:
— ليلى، أريدك أن تتعرفي على الدكتور سامر نجيب.
نظر الرجل إليّ وقال:
— التقينا مرة واحدة قبل سنوات، لكنك كنتِ صغيرة وقتها.
تأملته لثوانٍ.
ثم تذكرت.
كان أحد المستشارين القانونيين الذين عملوا مع والدي في بداية توسع الشركة.
قلت:
— أنت كنت مع أبي في حفل افتتاح أول فندق لنا.
ابتسم.
— بالضبط.
ثم وضع حقيبته على الطاولة.
وأخرج منها ملفًا سميكًا.
— والدك طلب مني أن أحتفظ بهذا الملف حتى يتم تفعيل بروتوكول الصقر الليلي.
فتح الملف.
كانت الصفحة الأولى تحمل اسمي.
والصفحة الثانية تحمل اسم ليان.
قال سامر:
— والدك لم يكن يثق في فكرة أن الشركة يمكن أن تعتمد على فرد واحد. لذلك أنشأ نظام حماية مستقلًا عن مجلس الإدارة.
قلت:
— وماذا يعني ذلك؟
أجاب:
— يعني أن آدم لم يكن يستطيع السيطرة على حصتك حتى لو حصل على حكم بالحضانة.
تنفست براحة لأول مرة منذ ساعات.
لكن سامر تابع:
— ومع ذلك، كان بإمكانه محاولة الوصول إلى أموال ليان من خلال السيطرة على الوصاية القانونية. ولهذا ترك والدك لكِ هذه الأدلة.
فتح ملفًا آخر.
ظهرت أمامي نسخة من عقد قديم.
قال:
— هذا هو المستند الذي سيحسم كل شيء.
قرأت الصفحة.
كان والدي قد أنشأ مجلسًا مستقلًا لحماية أصول ليان.
وفي حال حاول أي شخص استخدام الحضانة أو الوصاية للوصول إلى أموالها، يتم تفعيل بند يمنع ذلك الشخص من التحكم في أي أصل مرتبط بها.
لكن كانت هناك مفاجأة أخرى.




