
نظرت إلى الرجل داخل السيارة وأنا عاجزة عن الكلام.
مرت ثوانٍ طويلة قبل أن أتمكن من نطق كلمة واحدة.
“أستاذ ياسين؟”
فتح باب السيارة ونزل بهدوء.
كان يرتدي بدلة سوداء أنيقة، وملامحه تبدو أكثر نضجًا مما أتذكر، لكن عينيه كانتا كما هما.
نفس النظرة التي لم أنسها رغم مرور أكثر من 12 عامًا.
اقترب مني وقال بصوت هادئ:
“مريم… إنتِ كويسة؟”
ضحكت ضحكة قصيرة وسط دموعي.
“كويسة؟”
ثم نظرت إلى حقيبتي بجواري.
“أنا مطلقة من ساعات… ومطرودة من بيتي… ومش عارفة هروح فين.”
لم يقل شيئًا.
خلع معطفه ووضعه على كتفي.
“تعالي.”
هززت رأسي بسرعة.
“لا، مينفعش.”
نظر إليّ باستغراب.
“ليه؟”
“أنا مش عايزة أكون عبء على حد.”
اقترب خطوة وقال:
“إنتِ عمرك ما كنتِ عبء عليّ.”
تجمدت في مكاني.
الجملة دي أعادت لي ذكرى قديمة جدًا.
قبل سنوات طويلة، وقبل أن أتزوج كريم، كان ياسين هو الشخص الوحيد الذي وقف بجانبي عندما مررت بأصعب فترة في حياتي.
لكنني وقتها اخترت كريم.
اخترت الرجل الذي وعدني بأنه سيحميني ويكوّن معي أسرة.
ولم أتخيل أنني سأقف بعد سنوات أمام ياسين وأنا أحمل طفلًا من الرجل الذي تخلى عني.
لاحظ ياسين أنني وضعت يدي على بطني.
سألني بهدوء:
“إنتِ حامل؟”
رفعت عيني إليه.
لم أعرف ماذا أقول.
وقبل أن أجيبه، قال:
“مش محتاجة تشرحي دلوقتي. اركبي بس.”
ركبت السيارة.
وخلال الطريق لم يسألني أي سؤال.
كان واضحًا أنه فهم أنني لا أريد الكلام.
بعد حوالي نصف ساعة توقفت السيارة أمام منزل كبير في منطقة هادئة.
نظرت إليه بدهشة.
“إحنا فين؟”
قال:
“بيتي.”
“أنا مينفعش أدخل.”
ابتسم ابتسامة خفيفة.
“مريم… البيت ده كان المفروض يكون بيتك من زمان.”
نظرت إليه ولم أفهم ما يقصده.
لكنني دخلت.
—
في صباح اليوم التالي، استيقظت على صوت هاتف يهتز بجوار السرير.
كان رقمًا غريبًا.
ترددت قبل أن أجيب.
“ألو؟”
جاءني صوت كريم.
“إنتِ فين؟”
أغلقت عيني.
لم أرد.
قال بعصبية:
“مريم، أنا بسألك… إنتِ فين؟”
قلت بهدوء:
“ليه؟”
“أمي قالت إنك خرجتي ومحدش عارف مكانك.”
ضحكت بمرارة.
“دلوقتي بقيتوا قلقانين عليّ؟”
سكت للحظة.
ثم قال:
“تعالي وخدي حاجتك الباقية.”
نظرت حولي إلى الغرفة التي كنت فيها.
ثم قلت:
“مش عايزة حاجة.”
“يعني إيه؟”
“كل حاجة تخصني خليها.”
ساد الصمت.
ثم سأل فجأة:
“إنتِ كنتِ هتقوليلي حاجة امبارح؟”
شعرت بقلبي يخفق.
لكني تماسكت.
“لا.”
“متأكدة؟”
“آه.”
أغلقت الهاتف.
لكنني لم أكن أعرف أن كريم لم يقتنع.
—
بعد ساعات، دخل ياسين الغرفة.
كان يحمل ملفًا أسود.
قال:




