
الجزء الثاني
وقفت مريم مكانها وهي تبص ناحية الباب، بينما قلبها بدأ يدق بسرعة.
الرجل اللي كان واقف قدامها ماكانش غريب عليها تمامًا.
كانت شافته قبل كده في صورة قديمة جدًا، صورة كانت بين أوراق والدها.
أما الرجلين اللي واقفين وراه، فكان كل واحد فيهم شايل حقيبة سوداء كبيرة.
بصت مريم لمحاميها، فقال لها بهدوء:
— “مريم، محدش يدخل البيت إلا بإذنك.”
لكن أمها صرخت من جوه:
— “اقفلي الباب يا مريم!”
مريم ما فهمتش.
إيه اللي يخلي أمها تخاف بالشكل ده من ناس كانت هي نفسها عارفاهم؟
اقترب الرجل صاحب الصورة خطوة وقال:
— “أنا اسمي فؤاد. كنت المسؤول عن إدارة جزء من أموال والدك قبل وفاته.”
اتجمدت مريم.
— “وأنا عرفت والدك أكتر مما تتخيلي.”
ثم أشار للحقيبة.
— “واللي جايين بيه النهارده هو السبب الحقيقي اللي خلى والدتك تحاول تمنعك من معرفة الحقيقة.”
نظرت مريم إلى أمها.
وجهها كان شاحبًا.
أما سارة، أختها، فكانت واقفة خلفها وكأنها فقدت القدرة على الكلام.
قالت مريم:
— “افتح الحقيبة.”
تردد فؤاد للحظة، ثم وضعها على الطاولة وفتحها.
كانت مليانة ملفات ومستندات وإيصالات تحويلات بنكية.
وفي المنتصف كان هناك ظرف أبيض مكتوب عليه بخط والدها:
“إلى مريم فقط.”
مدت يدها ببطء وفتحته.
في أول سطر قرأت:
“لو وصلتي للورقة دي، يبقى الوقت جه تعرفي مين كان بيحاول ياخد منك حقك.”
رفعت عينيها ناحية أمها.
قالت بصوت مكسور:
— “إنتِ كنتِ عارفة؟”
لم ترد.
وهنا أخرج فؤاد مستندًا آخر وقال:
— “والدك قبل وفاته بشهور نقل ملكية البيت والحساب الاستثماري بالكامل باسمك.”
شهقت مريم.
— “بس أمي قالتلي إن البيت كان جزء من ميراث العيلة!”
رد فؤاد:
— “وده بالضبط اللي مكتوب في الورقة اللي والدتك كانت بتحاول تخليكي ما تشوفيهاش.”
ثم وضع أمامها كشف حساب.
الأرقام كانت صادمة.
تحويلات شهرية.
مبالغ كبيرة.
على مدار 23 شهرًا.
كلها خرجت من حساب مرتبط بميراث والدها.
والمستفيد؟
كانت سارة.
مريم بدأت تقلب الأوراق بإيد مرتعشة.
— “يعني أختي كانت بتاخد فلوس من فلوسي؟”
فؤاد قال:
— “مش بس أختك.”
سكت لحظة.
ثم أشار إلى اسم آخر في آخر صفحة.
محمود.
زوجها.
شعرت مريم أن الأرض بتتحرك تحت رجليها.
— “محمود؟”
في اللحظة دي دخل محمود من الباب.
كان سمع آخر كلمة.
وقف للحظات من غير ما يتكلم.
مريم بصت له مباشرة:
— “إنت كنت عارف؟”
محمود حاول يقترب منها.
— “مريم، الموضوع مش زي ما إنتِ فاهمة…”
ضحكت ضحكة قصيرة مليانة وجع.
— “الجملة دي بالذات بتتقال لما الحقيقة تكون أسوأ من اللي فهمته.”
ثم رفعت كشف الحساب أمامه.
— “ليه كنت بتحول فلوس من حسابي؟”
محمود بلع ريقه.
لكن قبل ما يرد، فؤاد قال:
— “لأن التحويلات دي ما كانتش عشوائية.”
ثم وضع آخر ملف أمام مريم.
— “كانوا بيجهزوا حاجة أكبر بكتير.”
فتحت الملف.
وكانت أول ورقة عبارة عن عقد.
عقد بيع البيت.
لكن اسم المشتري كان غير موجود.
لأن العقد كان لسه غير مكتمل.
وكان اسم مريم موجودًا في خانة البائع.
وبجواره…
توقيع مزور.
اتراجعت مريم خطوة.
— “كانوا هيبيعوا بيتي؟”
قال فؤاد:
— “مش بس كده.”
وأشار إلى آخر صفحة.
— “كانوا بيحاولوا يثبتوا إنك وافقتِ على البيع، وبعدها يتم تحويل المبلغ لحسابات تانية.”
بصت مريم لأمها.
كانت الدموع نازلة من عينيها.
لكن مريم لم تشعر بالشفقة.
لأول مرة فهمت سبب إصرار أمها طوال الشهور الماضية إنها تسيب البيت، وليه كانت دايمًا تقول لها:
“إنتِ مش محتاجة البيت ده، سبيه لأختك.”
كانوا عايزين يخرجوا مريم من بيتها…
قبل ما تكتشف إنه أصلًا كان حقها.
ثم تذكرت اللي حصل في الليلة السابقة.
لما محمود دافع عن أمه وقال لها:
“هي أمنا، ومش معقول نرميها عشان لقمة.”
وقتها كانت فاكرة إن المشكلة مجرد طبق أكل.
لكنها فهمت الآن إن طبق الأكل كان أصغر جزء في الحكاية.
المشكلة الحقيقية كانت إنهم كلهم كانوا بيتصرفوا وكأن مريم وفلوسها وبيتها…
ملكهم هم.
اقتربت ليان من أمها وأمسكت إيدها.
وقالت بهدوء:
— “ماما… إحنا هنمشي من هنا؟”
مريم بصت لبنتها.
ثم ابتسمت لأول مرة من أيام.
— “لأ يا ليان.”
وسكتت لحظة.
— “إحنا مش هنمشي من بيتنا.”
ثم التفتت للجميع وقالت:
— “اللي هيخرج من هنا النهارده… هو اللي حاول ياخد حقنا.”
لكنها لم تكن تعرف أن المفاجأة الأكبر لم تكن في العقود ولا التحويلات.
لأن فؤاد كان لا يزال محتفظًا بملف أخير…
ملف لم يفتحه أمامها.
وعندما سألته مريم عنه، قال:
— “الملف ده تحديدًا… والدك طلب مني ما أفتحهش إلا لما أتأكد إن والدتك وأختك ومحمود كلهم موجودين قدامك.”
فتح فؤاد الملف ببطء.
وفي أول صفحة كانت صورة قديمة لوالد مريم…
وبجواره شخص لم تره منذ أكثر من عشرين سنة.
مريم شهقت:
— “مستحيل…”
لأن الرجل الموجود في الصورة كان والدها…
وبجواره شخص كانت مريم تظن أنه مات منذ سنوات.
لكن الحقيقة كانت أنه ما ماتش… وكان هو الشخص الوحيد اللي يعرف أين اختفى الجزء الأكبر من ثروة والدها.
فضلت مريم باصة للصورة وهي مش قادرة تستوعب اللي شايفاه.
— “ده… عمي جابر؟”
فؤاد هز راسه.
— “أيوه.”
مريم قربت الصورة من وشها.
جابر كان أخو والدها الأصغر، وكانت العيلة كلها بتقول إنه مات في حادث سفر من حوالي عشرين سنة.
حتى والدتها كانت دايمًا بتكرر نفس الكلام:
“أبوك اتعذب بعد موت أخوه، ومن يومها وهو مش زي الأول.”
لكن الصورة كانت جديدة نسبيًا.
والدها واقف جنب جابر أمام مبنى حديث، والاتنين بيبتسموا.
وعلى ظهر الصورة تاريخ قبل وفاة والدها بشهور قليلة.
قالت مريم:
— “يعني عمي كان عايش؟”
رد فؤاد:
— “وكان بيتواصل مع والدك لحد آخر أسبوع في حياته.”
مريم بصت لأمها.
— “إنتِ كنتِ عارفة.”
الأم انهارت على الكرسي.
— “أنا… ماكانش قدامي اختيار.”
— “دايمًا مفيش اختيار!”
صرخت مريم.
— “كل ما أسأل عن حاجة تقولولي مفيش اختيار! كل ما حقي يضيع تقولولي اسكتي! وكل ما حد ياخد مني حاجة تقولولي عشان العيلة!”
لكن فؤاد تدخل بهدوء:
— “مريم، اسمعيني للآخر. والدك كان عارف إن في حد بيحاول يسيطر على أمواله بعد وفاته. عشان كده خبّى جزء كبير من الثروة بعيد عن الحسابات اللي العيلة كانت عارفاها.”
سألته:
— “فين الفلوس دي؟”
فؤاد وضع مفتاحًا صغيرًا فوق الطاولة.
— “في مكان آمن.”
— “فين؟”
— “والدك كتب المكان بنفسه.”
فتحت مريم الورقة المرفقة بالمفتاح.
كان عليها عنوان في الإسكندرية.
مكان قديم كانت تعرفه جيدًا.
بيت جدها.
البيت اللي باعت العيلة نصه من سنين، وقالوا إن الجزء الباقي متهالك ومفيش منه أي فايدة.
مريم بصت لمحمود.
— “إنت كنت عارف عن البيت ده؟”
سكت.
وده كان كفاية.
فؤاد قال:
— “محمود عرف بالموضوع من خلال شخص كان بيشتغل معاه في البنك. وبعدها بدأت التحويلات.”
مريم قربت منه.
— “إنت كنت بتسرقني؟”
— “أنا ما سرقتكيش!”
— “أمال إيه؟”
— “كنت باخد فلوس مؤقتًا!”
ضحكت مريم بمرارة.
— “مؤقتًا؟ 23 شهر؟”
محمود لم يجد ردًا.
لكن سارة فجأة صرخت:
— “هو ماكانش لوحده!”
الجميع التفت إليها.
أمها قالت:
— “سارة، اسكتي.”
لكن سارة كانت منهارة.
— “أنا تعبت! كل حاجة كانت بتتحط فوق دماغي!”
مريم سألتها:
— “مين كان معاه؟”
سارة بصت لأمها.
ثم لمحمود.
ثم قالت:
— “خالي.”
ساد الصمت.
فؤاد اتغيرت ملامحه.
— “جابر؟”
سارة هزت راسها.
— “أيوه.”
مريم شعرت بقشعريرة.
— “بس جابر عايش؟”
— “أيوه.”
— “وهو اللي كان بيخطط لكل ده؟”
سارة بدأت تبكي.
— “هو قال إن بابا ظلمنا… وإن كل الفلوس كان المفروض تروح للعيلة كلها. قال إنك أخدتي أكتر من حقك.”
ردت مريم:
— “وأنتِ صدقتيه؟”
سارة ما ردتش.
لكن فؤاد قال:
— “في حاجة أهم.”
ثم أخرج هاتفه وشغل تسجيلًا صوتيًا.
ظهر صوت رجل كبير في السن.
كان الصوت هادئًا جدًا.
لكن مريم عرفته فورًا.
جابر.
قال في التسجيل:
— “مريم لازم تتبعد عن البيت قبل ما تعرف الحقيقة. لو عرفت إن والدها ساب كل حاجة باسمها، الموضوع هينتهي.”
ثم جاء صوت محمود:
— “ولو رفضت؟”
جابر:
— “ساعتها هنستخدم الأوراق اللي جهزناها.”
توقّف التسجيل.
مريم بصت لمحمود.
— “كنت هتزوّر توقيعي؟”
محمود قال:
— “أنا كنت مضطر.”
— “مضطر؟”
اقتربت منه.
— “كان عندك فرصة تقول لأ.”
ثم رفعت إصبعها أمامه.
— “لكن إنت اخترت الفلوس.”
في اللحظة دي رن جرس الباب.
الجميع اتجمد.
فؤاد نظر لمريم وقال:
— “إحنا كنا متوقعين إنه هييجي.”
— “مين؟”
قال:
— “جابر.”
مريم وقفت ثابتة.
بعد ثوانٍ فُتح الباب.
ودخل رجل في أواخر الستينيات.
شعره أبيض، وملامحه فيها شبه كبير جدًا من والدها.
كان جابر.
نظر إلى مريم طويلًا.
ثم قال:
— “كبرتي يا بنت أخويا.”
مريم لم ترد.
تقدمت خطوة وقالت:
— “إنت ليه عملت كل ده؟”
ابتسم جابر ابتسامة غريبة.
— “لأن أبوكي أخد مني كل حاجة.”
— “أبويا مات من عشرين سنة.”
— “وأنا فضلت عشرين سنة مستني حقي.”
قالت مريم:
— “حتى لو كنت مظلوم، ده مش حقك.”
جابر اقترب.
— “إنتِ لسه مش فاهمة.”
ثم أخرج ورقة من جيبه.
— “والدك ما سابلكيش الثروة عشان يحبك أكتر من باقي العيلة.”
مد الورقة إليها.
— “هو سابها لك لأنك كنتِ الوحيدة اللي يثق فيها.”
مريم قرأت الورقة.
ثم تغير وجهها.
لأن المكتوب فيها كان أخطر من كل اللي عرفته.
كان والدها قد كتب:
“لو حاول جابر يرجع لحياتكم، ما تثقيش فيه. لأن اللي حصل قبل عشرين سنة ماكانش حادث.”
مريم رفعت عينيها ببطء.
— “إيه اللي حصل قبل عشرين سنة؟”
جابر لأول مرة فقد ابتسامته.
وفؤاد قال بصوت منخفض:
— “الحقيقة دي تحديدًا… والدك مات وهو بيحاول يدفنها.”
وفي نفس اللحظة، انطفأت أنوار البيت بالكامل.
سمعوا صوت ارتطام قوي من ناحية المكتب.
مريم جريت ناحية الصوت.
وعندما فتحت الباب…
وجدت الخزنة مفتوحة.
والملف الذي يحتوي على آخر أسرار والدها…
اختفى.
وقفت مريم قدام الخزنة المفتوحة، وعينيها مثبتة على المكان اللي كان فيه الملف.
ثواني قليلة مرت، لكن بالنسبة لها كانت كأنها ساعات.
صرخت:
— “الملف اختفى!”
فؤاد دخل المكتب بسرعة، وأخذ يبص حوالين المكان.
محمود حاول يقرب، لكن مريم وقفت قدامه فورًا.
— “مكانك!”
جابر كان واقف عند باب المكتب، ووشه جامد بشكل غريب.
فؤاد بص له وقال:
— “أنت عارف الملف راح فين.”
جابر رد بهدوء:
— “لو كنت عارف، ماكنتش واقف هنا.”
لكن مريم لاحظت حاجة.
إيد جابر كانت بترتعش.
وفجأة سارة قالت:
— “استنوا…”
كانت ماسكة هاتفها.
— “أنا عارفة مين أخده.”
الجميع بص لها.
فتحت سارة تسجيل كاميرا المراقبة الموجودة في مدخل البيت.
قبل انقطاع الكهرباء بدقيقة، ظهر شخص يدخل من باب جانبي.
كان لابس جاكت أسود وقبعة تخفي ملامحه.
دخل المكتب.
فتح الخزنة.
أخذ الملف.
ثم خرج.
مريم قربت من الشاشة.
— “مين ده؟”
سارة كبرت الصورة.
وفي لحظة ظهرت يد الشخص بوضوح.
كان لابس خاتمًا فضيًا.
مريم شهقت.
— “الخاتم ده…”
بصت لمحمود.
— “ده خاتمك.”
محمود تجمد.
— “مش أنا.”
— “إذن مين؟”
لم يرد.
لكن فؤاد قال:
— “في حاجة غلط.”
ثم أخذ الهاتف من يد سارة، ورجع التسجيل بضع ثوانٍ.
ظهر الشخص مرة ثانية.
هذه المرة كانت الكاميرا الجانبية أوضح.
لم يكن محمود.
ولم يكن جابر.
كان شخصًا ثالثًا.
لكن وجهه ظل مخفيًا.
فؤاد ركز على الملابس وقال:
— “أنا أعرف الجاكت ده.”
سألته مريم:
— “لمين؟”
رد:
— “لواحد كان بيشتغل مع والدك.”
ثم صمت لحظة.
— “اسمه سامح.”
جابر فجأة قال:
— “سامح مات.”
فؤاد التفت إليه.
— “مين قالك؟”
جابر لم يرد.
وهنا فهمت مريم.
جابر كان يعرفه.
بل ربما كان يعرف أكثر مما يقول.
مريم اقتربت منه:
— “أنت قلت من شوية إنك مستني حقك من عشرين سنة.”
ثم أشارت إلى الخزنة.
— “لكن واضح إنك مش جاي عشان الفلوس بس.”
جابر بص لها.
— “لو عايزة تعرفي الحقيقة، روحي بيت جدك.”
— “ليه؟”
— “هناك هتلاقي الحاجة اللي أبوكي خبّاها قبل ما يموت.”
فؤاد حاول منعه:
— “جابر، كفاية.”
لكن جابر ضحك.
— “أنت وعدتني يا فؤاد.”
مريم اتجمدت.
— “وعدته بإيه؟”
فؤاد لم يرد.
مريم بصت له بغضب:
— “أنت كمان كنت شريك في الموضوع؟”
قال بسرعة:
— “لا. لكن والدك طلب مني أحميكي مهما حصل.”
ثم أخرج من جيبه مفتاحًا ثانيًا.
— “وده المفتاح اللي كان والدك سايبه معايا.”
مريم أخذته.
— “مفتاح إيه؟”
— “صندوق أمانات.”
— “فين؟”
— “بنك قديم في الإسكندرية.”
سكت لحظة ثم قال:
— “والصندوق ما اتفتحش من يوم وفاة والدك.”
في نفس اللحظة، رن هاتف مريم.
رقم مجهول.
ردت بحذر.
جاءها صوت رجل منخفض:
— “لو عايزة تعرفي مين قتل أبوكي… ما تروحيش البنك.”
مريم شهقت.
— “مين؟”
لكن الاتصال انتهى.
حاولت الاتصال بالرقم مرة أخرى.
كان مغلقًا.
فؤاد قال:
— “مريم، لازم نتحرك دلوقتي.”
— “على فين؟”
— “بيت جدك.”
جابر ضحك بسخرية.
— “متأخرين.”
مريم بصت له.
— “يعني إيه؟”
قال جابر:
— “لأن اللي كان مستنيكم هناك… وصل قبلكم.”
خرجت مريم مع فؤاد، بينما ظل محمود وسارة وأمها داخل البيت.
وقبل ما تركب العربية، رجعت تبص للبيت.
لأول مرة شعرت إن حياتها كلها كانت مبنية على أسرار.
أسرار والدها.
أسرار أمها.
وأسرار زوجها.
لكنها كانت مصممة تعرف الحقيقة.
بعد أقل من ساعة، وصلوا إلى بيت جدها القديم.
الباب كان مفتوحًا.
والبيت كله مظلم.
دخل فؤاد أولًا.
ثم مريم.
وفي الصالة، وجدت صندوقًا خشبيًا صغيرًا فوق الطاولة.
اقتربت منه.
كان عليه اسم والدها.
فتحته.
وجدت بداخله صورة…
وصوتًا مسجلًا على جهاز قديم.
ضغطت زر التشغيل.
جاء صوت والدها:
— “مريم… لو إنتِ بتسمعي التسجيل ده، يبقى أنا فشلت أحميكي.”
بدأت دموعها تنزل.
ثم قال:
— “بس أهم حاجة لازم تعرفيها… إن الشخص اللي تسبب في موتي مش جابر.”
مريم حبست أنفاسها.
والصوت أكمل:
— “الشخص ده موجود في حياتك لحد النهارده.”
ثم انقطع التسجيل لثوانٍ.
وعاد صوت والدها:
— “وأنا أخفيت الدليل عند الشخص الوحيد اللي ما حدش هيشك فيه.”
مريم نظرت لفؤاد.
لكن فؤاد كان واقفًا في مكانه، ووجهه شاحب.
لأن آخر جملة في التسجيل كانت:
— “الشخص ده… هو أم مريم.”
مريم تجمدت.
وفجأة سمعت صوت باب البيت بيتقفل خلفها.
التفتت بسرعة.
وكان الشخص الوحيد اللي دخل البيت بعدهم…
هو محمود.
وقفت مريم مكانها وهي بتبص لمحمود.
— “إنت إزاي وصلت هنا؟”
محمود ما ردش.
قفل الباب وراه، وبص لفؤاد، ثم لمريم.
— “كان لازم أجيلك.”
مريم رجعت خطوة.
— “إنت اللي أخدت الملف؟”
محمود هز راسه ببطء.
— “أيوه.”
سكتت لحظة، ثم قالت:
— “ليه؟”
— “عشان أحميكي.”
ضحكت مريم بمرارة.
— “تحميني؟ بعد كل اللي عملته؟”
محمود قرب منها.
— “أنا عارف إنك مش هتصدقي، بس أنا اكتشفت الحقيقة متأخر.”
ثم أخرج الملف من داخل جاكته ووضعه على الطاولة.
— “أنا ما كنتش عايز أدي الملف لجابر.”
فؤاد اندفع نحوه:
— “إذن كنت بتعمل إيه؟”
قال محمود:
— “كنت بحاول أعرف مين الشخص اللي بيحرك جابر من ورا الستار.”
مريم فتحت الملف بسرعة.
وكانت فيه صور وتحويلات ومحادثات.
كلها مرتبطة بشخص واحد.
سامح.
الرجل الذي قيل إنه مات منذ سنوات.
قال محمود:
— “سامح هو اللي كان بيدير كل حاجة. هو اللي أقنع جابر إن والدك سرق حقه. وهو اللي بدأ يحول فلوس من حسابات العيلة.”
فؤاد بص إلى الأوراق.
— “بس سامح مات.”
محمود هز رأسه.
— “الناس كلها كانت فاكرة كده.”
ثم أخرج صورة حديثة.
سامح كان واقفًا أمام فرع بنك في الإسكندرية، بتاريخ قبل ثلاثة أشهر فقط.
مريم وضعت يدها على فمها.
— “إذن هو عايش.”
— “وأخطر من كده…” قال محمود، “هو كان بيتواصل مع والدتك.”
تجمدت مريم.
— “أمي؟”
— “أيوه.”
فتحت آخر صفحة.
كانت رسالة مكتوبة بخط أمها:
“أنا نفذت اللي طلبته. لكن بعد كده سيب بنتي في حالها.”
مريم شعرت أن قلبها انكسر.
كل شيء كان يعود إلى أمها.
رجعت للبيت في نفس الليلة.
وجدت أمها جالسة وحدها.
وضعت الورقة أمامها.
— “قولي الحقيقة.”
الأم بدأت تبكي.
— “أنا ما كنتش عايزة أأذيكي.”
— “بس أذيتي حياتي كلها.”
— “أبوك كان عارف إن جابر وسامح بيحاولوا يوصلوا للفلوس. وفي الليلة اللي مات فيها أبوكي… سامح كان موجود.”
مريم سألته:
— “وأنتِ؟”
— “كنت هناك.”
سكتت طويلًا.
— “لكن أبوكي قال لي أهرب بيكي لو حصل له حاجة.”
— “ليه ما قلتيليش؟”
— “لأن سامح هددني بيكي.”
ساد الصمت.
ثم قالت أمها:
— “أنا غلطت. خفت. وسكت.”
مريم لم تعرف ماذا تقول.
لكن فؤاد وضع تسجيلًا جديدًا أمامها.
كان تسجيلًا لسامح وهو يتحدث مع جابر.
وفي التسجيل قال سامح بوضوح:
— “مريم لازم توقع. ولو رفضت، نستخدم محمود.”
ثم جاء صوت جابر:
— “والأم؟”
سامح:
— “سيبها عليّ.”
هنا فهمت مريم كل شيء.
زوجها لم يكن العقل المدبر.
كان قد دخل في اللعبة، واستغل أموالها، نعم.
لكنه عندما اكتشف الحقيقة حاول التراجع.
أما جابر وسامح…
فكانا يريدان الاستيلاء على كل شيء.
في اليوم التالي، تحرك المحامي بكل المستندات.
تم إيقاف إجراءات بيع البيت، وتجميد الحسابات المشبوهة، وبدأ التحقيق في التوقيعات والتحويلات.
وبعد أيام قليلة، تم القبض على سامح بعد تتبع حسابات وتحويلات قديمة.
أما جابر، فاعترف بكل شيء بعدما واجهه المحققون بالتسجيلات.
وسارة تعاونت مع التحقيق وقدمت الرسائل التي كانت بينها وبين جابر.
أما محمود…
فمريم لم تسامحه بسهولة.
قالت له:
— “يمكن تكون ندمت، لكن اللي حصل بينا مش هيرجع زي الأول.”
وانتهت علاقتهم بالانفصال.
لم تأخذ مريم منه شيئًا أكثر من حقها القانوني.
أما أمها، فظلت تعيش معها فترة طويلة.
لم تنسَ مريم ما فعلته، لكنها أدركت أن الخوف أحيانًا يجعل الإنسان يرتكب أخطاء لا يمكن إصلاحها بسهولة.
بعد شهور، وقفت مريم أمام بيت والدها القديم.
البيت الذي حاول الجميع طردها منه.
البيت الذي اكتشفت فيه الحقيقة.
نظرت إلى ابنتها ليان وقالت:
— “فاكرة لما سألتيني هنمشي من هنا؟”
ابتسمت ليان.
— “أيوه.”
— “كنتِ خايفة.”
— “وأنتِ قلتِ إننا مش هنمشي.”
مريم ابتسمت.
— “لأني فهمت وقتها إن البيت مش مجرد حيطان.”
ثم نظرت إلى الباب.
— “ده المكان اللي بابا ساب فيه آخر أمانة ليا.”
أمسكت يد ابنتها ودخلتا.
لكن قبل أن تغلق الباب، وجدت ظرفًا صغيرًا تحت صندوق البريد.
لم يكن عليه اسم.
فتحته.
وفي داخله ورقة واحدة.
كان مكتوبًا فيها:
“مبروك إنك عرفتي الحقيقة… لكن في جزء من ثروة والدك لسه ما وصلتيش له.”
وفي أسفل الورقة عنوان جديد.
مريم قرأت العنوان مرة…
ثم مرة ثانية.
كان عنوانًا خارج مصر.
رفعت عينيها ببطء.
ليان سألتها:
— “ماما، في إيه؟”
مريم طوت الورقة.
وابتسمت ابتسامة غامضة.
— “واضح إن الحكاية لسه ما خلصتش.”
لكن هذه المرة…
لم تكن خائفة.
لأنها عرفت أخيرًا أن الحقيقة، مهما كانت مؤلمة، أفضل من حياة كاملة مبنية على الكذب.
تمت




