قصص وروايات

الجزء الثاني بقلم محمد عبده

### الجزء الثاني: رجعوا من التسوق، فاكتشفوا إن حياتهم كلها اتقلبت في ساعات!

وصلت المستشفى وأنا شايلة آدم، وقلبي بيتقطع من منظره وهو بيحاول يمنع نفسه من العياط.

أول ما الممرضة شافت دراعه، دخلتنا الكشف بسرعة، وبعد ما الدكتور فحصه وطلب أشعة، أكد إن عنده كسر في دراعه الشمال، وإنه محتاج يتجبّس فورًا.

كنت واقفة جنبه وأنا بمسح على شعره، ولما شافني بعيط، رغم إني كنت بحاول أخبي دموعي عنه، مد إيده السليمة ولمس وشي وقال:

— ماما، إنتِ زعلانة عشاني؟

انحنيت وبوست جبينه، وقلت له:

— لأ يا حبيبي، أنا بس زعلانة إنك اتوجعت. المهم إنك هتبقى كويس، وأنا جنبك ومش هسيبك أبدًا.

لكن الحقيقة إن وجعي ماكانش بسبب الكسر بس.

أنا كنت موجوعة من الناس اللي المفروض يكونوا أهل ابني، واللي اختاروا يسيبوه بيتألم عشان مشوار تسوق!

بعد ما الدكتور جبّس دراع آدم واطمّني إن حالته مستقرة، قعدت جنبه في الأوضة، وفتحت موبايلي.

لقيت رسالة من مديرة حساباتي في البنك:

«تم تنفيذ تعليمات حضرتك بخصوص إيقاف المدفوعات التلقائية، ومراجعة البطاقات الإضافية المرتبطة بحسابك. برجاء التواصل معنا قبل إجراء أي تحويلات جديدة».

قفلت الرسالة، وأخدت نفس طويل.

أنا ماكنتش بعمل ده بدافع الانتقام الأعمى، لكن كان لازم أحط نهاية لحياة اتعود فيها ناس يستفيدوا من فلوسي، وفي نفس الوقت يعاملوني كأني أقل منهم.

بس قبل ما أحكيلكم إزاي وصلت للمرحلة دي، لازم تعرفوا حقيقة مهمة.

أنا اتجوزت ابني آدم وأنا عندي 25 سنة، وكان جوزي وقتها، كريم، بيحاول يبدأ مشروع صغير. أنا كنت شغالة في شركة استيراد وتصدير، وبعد وفاة والدي ورثت مبلغًا كبيرًا، بالإضافة إلى شقة ومحلات تجارية في القاهرة.

من أول يوم، اتفقت مع كريم إن فلوسي تفضل تحت إدارتي، وإن أي مصاريف كبيرة تخص الأسرة نتفق عليها سوا.

في البداية، كان كريم بيحترم ده.

لكن بعد ما مشروعه خسر، بدأ يعتمد عليّا أكتر، وبعدها بقى يعتبر مساعدتي واجبًا مفروضًا عليّا.

وبمرور الوقت، دخل أبوه وأمه في الصورة.

حمايا كان شايف إن الراجل لازم يكون صاحب القرار، حتى لو مش هو اللي بيدفع. وحماتي كانت بتتكلم عن فلوسي باعتبارها فلوس ابنها، وكأن تعبي وشغلي وورثي ملك للعيلة كلها.

أنا كنت بتجاوز عن حاجات كتير عشان بيتي وابني، وكنت بقول لنفسي إن الأيام هتغيرهم.

لكن الأيام ما غيرتهمش.

هي بس كشفتهم.

### الساعة السادسة مساءً… بدأت الصدمة الأولى

كنت لسه في المستشفى، وآدم نايم جنبي، لما موبايلي بدأ يرن.

اسم كريم ظهر على الشاشة.

رديت بهدوء.

— أيوه يا كريم؟

صوته كان متوترًا:

— مريم، إنتِ عملتي إيه في حسابات البنك؟

سألته:

— تقصد إيه؟

قال بعصبية:

— بابا وماما راحوا يدفعوا تمن حاجات اشتروها، والكارت اترفض! وأنا كمان حاولت أدفع فاتورة، والكارت مش شغال. وكلمت البنك قالوا إن فيه تعليمات بتغيير طريقة السداد!

بصيت لآدم، واتأكدت إنه لسه نايم، وبعدها رديت:

— أنا أوقفت البطاقات الإضافية اللي مرتبطة بحسابي، ووقفت المدفوعات اللي أنا براجعها. من النهارده، أي مصروف هيتصرف لازم يكون باتفاق واضح.

سكت كريم ثواني، وبعدين انفجر في الكلام:

— إنتِ اتجننتي؟! دي أمي وأبويا! إزاي تحرجيهم بالشكل ده قدام الناس؟

حسيت بحاجة جوايا اتكسرت للمرة الأخيرة.

قلت له:

— وإنت سألت نفسك أنا كنت فين من كام ساعة؟ سألت نفسك ليه كنت بجري بابني المصاب عشان ألحقه المستشفى، وأبوك وأمك واقفين قدامي رافضين يدوني العربية؟

رد بسرعة:

— ما تكبريش الموضوع! هما قالوا إنك كنتِ تقدري تاخدي تاكسي!

ضحكت ضحكة قصيرة من شدة القهر.

— فعلًا، أخدت تاكسي. وابنك كان بيصرخ من الألم، وأنا بحاول أهدّيه. بس المشكلة مش في التاكسي يا كريم. المشكلة إنهم كانوا قادرين يساعدوه، واختاروا ما يعملوش كده.

قال بنبرة حادة:

— إنتِ مالكيش حق تعاقبيهم في الفلوس عشان موقف حصل وانتهى!

قلت له:

— وأنا مش هسمح لك تحوّل وجع ابني لمجرد موقف عابر.

وبعدين سألته سؤالًا واحدًا:

— لو آدم كان محتاج عملية عاجلة، وأبوك وأمك رفضوا يساعدوه عشان عندهم مشوار، كنت هتقول برضه إن الموضوع ما يستاهلش؟

ما ردش.

فضل ساكت شوية، وبعدها قال:

— أنا جاي البيت، ولازم نتكلم.

قلت له:

— أنا مش في البيت. أنا في المستشفى مع ابنك.

وقبل ما أقفل، سمعته بيقول:

— مريم، إنتِ مش عارفة إنتِ بتلعبي بالنار مع مين.

قفلت المكالمة.

ولأول مرة من سنين، ما حسيتش بالخوف من تهديده.

### الساعة السابعة والنصف… حماتي بدأت تكشف حقيقتها

بعد حوالي ساعة، وصلتني مكالمة من الحاجة نوال.

رديت، فسمعت صوتها العالي قبل حتى ما أقول ألو.

— إنتِ فاكرة نفسك مين يا بنت؟! تقفلي البطاقات بتاعتنا وتخلينا واقفين قدام الناس زي الشحاتين؟!

بصيت لآدم، ولقيته بدأ يصحى من صوتهـا، فوطيّت صوت الموبايل وخرجت للممر.

قلت لها:

— البطاقات باسمي، وأنا اللي بحدد استخدامها.

صرخت:

— وإحنا أهلك! يعني فلوسك فلوس ابننا، وابننا من حقه يصرف منها علينا!

قلت بهدوء:

— لو حضرتك محتاجة مصاريف ضرورية، نتكلم ونتفق عليها. لكن مش من حق حد يستخدم فلوسي من غير موافقتي، خصوصًا بعد اللي حصل النهارده.

ردت بسخرية:

— آه، يعني هتذلينا بالفلوس؟! طب خليكي فاكرة إننا إحنا اللي رفعنا من شأنك، وإحنا اللي قبلنا بيكي في عيلتنا!

للحظة، افتكرت كل مرة حاولت فيها أرضيها.

كل مرة اشتريت لها حاجة غالية عشان تفرح.

كل مرة دفعت مصاريف البيت من غير ما أتكلم.

وكل مرة سمعت منها تعليقًا يقلل مني، وبلعت الإهانة عشان خاطر جوزي.

قلت لها:

— أنا مش هذل حد يا طنط نوال. أنا بس مش هقبل إن حد يهينني أو يعرّض ابني للخطر، وبعدها يتوقع مني أتصرف كأن مفيش حاجة حصلت.

قالت بتهديد:

— لما كريم يعرف حقيقتك، هتندمي على اليوم اللي فكرتي فيه تعلي صوتك علينا!

وبعدين قفلت.

وقفت في الممر، وحسيت إن قرارًا كبيرًا بيتشكل جوايا.

كنت فاكرة إن إيقاف البطاقات هيكون كفاية عشان يفهموا إن فيه حدود لازم يحترموها.

لكنهم ما فهموش.

هم اعتبروا إن المشكلة إني حرمتهم من الفلوس، مش إنهم تخلوا عن طفل بيتألم.

وده خلاني أدرك إن اللي جاي لازم يكون أوضح.

### الساعة التاسعة مساءً… المكالمة اللي قلبت الموازين

بعد ما خرجنا من المستشفى، رجعت أنا وآدم البيت في تاكسي.

ساعدته ينام، وحطيت مخدة صغيرة تحت دراعه المجبر، وبعدها دخلت مكتبي وفتحت درجًا كنت محتفظة فيه بأوراق مهمة.

طلعت ملفًا فيه مستندات ملكية، وكشوف حسابات، واتفاقات خاصة بالمصاريف.

وفي اللحظة دي، رن موبايلي.

كانت مديرة حساباتي في البنك.

قالت لي:

— مدام مريم، أثناء مراجعة تعليمات السداد، لاحظنا إن فيه طلبًا سابقًا لتعديل الحساب المستخدم في دفع أقساط العربية. محتاجين نتأكد من حضرتك إنك وافقتِ عليه.

عقدت حاجبي.

— تعديل الحساب؟ أنا ما طلبتش أي تعديل.

قالت:

— فيه طلب بتحويل السداد إلى حساب آخر، لكن المستندات الموجودة عندنا محتاجة مراجعة إضافية. هنوقف تنفيذ التعديل لحين التأكد من صاحبة الحساب.

حسيت إن قلبي بدأ يدق بسرعة.

سألتها:

— مين اللي قدّم الطلب؟

قالت إنها ما تقدرش تكشف تفاصيل إضافية على الهاتف قبل استكمال التحقق، لكنها أكدت إن الموضوع هيتراجع رسميًا.

قفلت المكالمة، وفضلت باصة للملف قدامي.

العربية اللي حمايا وحماتي رفضوا يدوهالي عشان أنقذ ابني، ما كانتش مجرد عربية اشتريتها لهم.

كان فيه ترتيب مالي واضح أنا اللي وافقت عليه، وكنت بدفع أقساطها من حسابي، على أساس إنها وسيلة تساعد العيلة كلها.

لكن لو فيه حد حاول يغيّر ترتيبات السداد من غير إذني، فالموضوع أكبر من مجرد خلاف عائلي.

فتحت موبايلي، وبعت رسالة للمحامي بتاعي، الأستاذ سامح:

«محتاجة مراجعة عاجلة لكل المستندات والالتزامات المالية المرتبطة بالبيت والعربية، والتأكد إن مفيش أي تغيير حصل من غير موافقتي».

وبعد دقائق، رد عليّا:

«هراجع الأوراق أول ما تبعتيها. والأهم دلوقتي إنك تحتفظي بكل الرسائل والمستندات، وما توقعيش على أي حاجة قبل ما نفهم الوضع القانوني بالكامل».

كنت لسه بقرأ رسالته، لما سمعت صوت مفتاح بيتحرك في باب الشقة.

كريم رجع.

دخل المكتب من غير ما يخبط، ووشه كان متغيرًا تمامًا.

حط موبايله على المكتب وقال:

— مريم، لازم نحل الموضوع ده الليلة.

رفعت عيني وبصيت له.

— أي موضوع فيهم؟ موضوع إنك سبتني أتصرف لوحدي مع ابنك المصاب، ولا موضوع الفلوس اللي اتعودتوا تصرفوها من غير ما تسألوني؟

اتعصب وقال:

— أنا مش جاي أتكلم عن اللي حصل الصبح. أنا جاي أقولك إن بابا وماما مش هيقبلوا اللي إنتِ عملتيه، وإن فيه ناس تانية ممكن تدخل في الموضوع.

سألته:

— مين الناس التانية؟

السابق1 من 3
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى