
فضلت واقف ورا باب الصالة، مش قادر أتحرك، وكل كلمة بتقولها مريم كانت بتدخل قلبي زي الوجع.
سمعت أمها بتقول لها بصوت مليان حزن:
«يا بنتي، لحد إمتى هتفضلي تعاقبي نفسك بالشكل ده؟ إنتِ مش مطالبة تفضلي ساكتة وتستحملي كل ده لوحدك. آدم لازم يعرف الحقيقة».
مريم ردت بسرعة، وكأن مجرد سماع اسمي كان بيوجعها.
«لأ يا ماما، أرجوكي. ماتقوليلوش حاجة».
أمها اتنهدت وقالت:
«بس إنتِ بتحبيه! وأنا شايفة بعيني إزاي بتعامليه، وإزاي بتستني رجوعه كل يوم، وإزاي بتفرحي بأي حاجة صغيرة يعملها علشانك. إزاي تقدري تعيشي معاه في نفس البيت، وإنتِ مقتنعة إنه عمره ما حبك؟»
سمعت مريم بتشهق من العياط، وبعدها قالت:
«لأني من البداية كنت عارفة إن جوازنا ماكانش اختياره الأول. أنا وافقت على الجواز علشان أنقذ شركة بابا، وهو وافق علشان يساعدنا. عمري ما قدرت أنسى ده».
سكتت لحظة، وبعدها كملت:
«كل مرة بيبصلي فيها بنظرة باردة، بفتكر إنه شايفني مجرد جزء من الصفقة. وكل مرة بيكون لطيف معايا، بقول لنفسي إنه بيعمل كده علشان ضميره يرتاح. أنا مش عايزة أعيش طول عمري وأنا بحاول أقنع راجل إنه يحبني».
حسيت إن الأرض بتتحرك من تحتي.
كانت دي بالضبط الأفكار اللي أنا نفسي عشت بيها تلات سنين!
كنت فاكر إنها بتعاملني باحترام علشان الاتفاق اللي بينا، وهي كانت فاكرة إن معاملتي ليها مجرد واجب.
كنت فاكر إنها مش بتحبني، وهي كانت بتخبي حبها خوفًا من إنها تكون عبء عليّا.
وفجأة، صوت أمها ارتفع شوية وهي بتقول:
«بس فيه حاجة إنتِ مش عارفاها يا مريم. آدم ماكانش مضطر يتجوزك علشان يساعد الشركة. كان يقدر ينقذها باستثمار عادي، من غير ما يدخل نفسه في جواز بالشكل ده».
قلبي بدأ يدق بسرعة.
أنا فعلًا كنت أقدر أساعد الشركة من غير جواز، لكن فيه تفاصيل محدش كان يعرفها غيري وغير والد مريم.
فليه أمها بتقول الكلام ده دلوقتي؟
مريم ردت بصوت ضعيف:
«يمكن كان عنده أسبابه، يا ماما. يمكن كان محتاج الارتباط بعيلتنا علشان مصالحه التجارية. أنا مش عايزة أظلمه، بس مش قادرة أصدق إنه اختارني أنا».
أمها سكتت شوية، وبعدها قالت جملة خلتني أحس إن كل حاجة في حياتي بتنهار:
«طب ليه مش بتسأليه عن الخطاب اللي كتبهولك قبل الفرح؟»
اتجمدت في مكاني.
الخطاب!
كنت فاكر إن الخطاب ده اختفى من زمان.
كان المفروض يوصل لمريم قبل يوم الفرح، لكن لما عرفت إنه ماوصلهاش، اعتقدت إنها قرأته ورفضت ترد عليه، أو إنها ببساطة مااهتمتش بيه.
ومن يومها، عمري ما سألتها عنه.
لكن دلوقتي، من كلام أمها، فهمت إن مريم غالبًا ما شافتوش أصلًا.
سمعتها بترد:
«أي خطاب يا ماما؟»
أمها قالت باندهاش:
«الخطاب اللي آدم كتبهولك قبل الجواز بأيام!»
مريم سكتت تمامًا.
وبعد ثواني، سألت بصوت مرتعش:
«إنتِ بتتكلمي عن إيه؟ أنا عمري ما استلمت منه أي خطاب».
في اللحظة دي، حسيت إن نفسي اتسحب من صدري.
تلات سنين كاملة، وأنا عايش على اعتقاد إن مراتي رفضت مشاعري قبل ما نبدأ حياتنا، وهي أصلًا ماكنتش تعرف إني حاولت أقولها أي حاجة!
لكن المفاجأة الأكبر كانت لسه جاية.
أمها قالت:
«أنا كنت فاكرة إنك عارفة. أبوكي هو اللي استلم الخطاب وقتها، وقال لي إنه هيسلمهولك بنفسه».
أول ما سمعت الكلام ده، قبضت إيدي على أوراق الطلاق لدرجة إن أطراف الورق اتكرمشت.
والد مريم كان مات بعد جوازنا بسنة ونص، بعد فترة قصيرة من تدهور حالته الصحية.
ماكانش فيه أي سبب يخليني أشك فيه.
كنت بحترمه، وكنت معتبره زي أبويا.
لكن لو الخطاب فعلًا كان في إيده، ليه ماوصلوش لبنته؟
وليه محدش جاب سيرته طول السنين دي؟
سمعت مريم بتقول:
«بابا عمره ما قال لي على حاجة زي دي. هو كان عارف إني وافقت على الجواز علشان الشركة، وكان دايمًا بيقولي إن آدم راجل محترم، وإن لازم أحافظ على العلاقة دي».
أمها ردت بحزن:
«أبوكي كان خايف عليكي. كان شايف إنك بتضحي بمستقبلك علشان تنقذي الشركة، وكان نفسه يضمن إنك هتكوني في أمان. بس يمكن خوفه خلاه ياخد قرار ماكانش من حقه ياخده».
حسيت بغضب شديد، لكن الغضب ماكانش موجه لوالد مريم وحده.
كان موجه لنفسي كمان.
إزاي سمحت لسوء الفهم ده يستمر كل المدة دي؟
إزاي فضلت ساكت، بدل ما أسأل مراتي سؤال واحد واضح؟
وفجأة، سمعت صوت مريم وهي بتقول:
«حتى لو كان فيه خطاب، ده مش هيغير حاجة دلوقتي. آدم قرر يطلقني، وأنا شفت أوراق الطلاق على مكتبه من يومين».
قلبي وقف للحظة.
هي شافت الأوراق فعلًا!
كنت فاكر إني مخبيها كويس في درج المكتب، لكن واضح إنها شافتها.
مريم كملت كلامها:
«أنا مش هترجاه يفضل معايا. بكرة همضي على كل حاجة، وهسيبه يعيش حياته. مش عايزة منه فلوس، ولا عايزة أحسسه إنه مسؤول عني. كل اللي كنت بتمناه إنه يحبني ولو مرة واحدة، من غير ما يحس إنه مجبر».
أمها سألتها:
«وإنتِ هتعملي إيه بعد الطلاق؟»
مريم ردت بهدوء غريب:
«هرجع أشتغل، وأبدأ من جديد. يمكن المرة دي أقدر أعيش من غير ما أفضل مستنية حد عمره ما هييجي».
الكلام ده كان أصعب من أي خسارة مالية اتعرضت لها في حياتي.
أنا اللي كنت مجهز عشرين مليون دولار علشان أضمن إنها مش هتحتاج لي بعد الطلاق، اكتشفت إنها مش عايزة فلوسي أصلًا.
كانت عايزة حاجة واحدة بس.




