
إني أختارها بإرادتي.
لكنها كانت مقتنعة إني عمري ما اخترتها.
رجعت خطوة لورا بهدوء، وخوفت أعمل أي صوت يكشف وجودي.
ماكنتش عارف أواجهها إزاي بعد اللي سمعته.
ولو دخلت الصالة في اللحظة دي، كنت هضطر أشرح لها ليه فضلت ساكت تلات سنين، وليه قررت أطلقها من غير ما أحاول أفهم مشاعرها.
رجعت لمكتبي وقفلت الباب ورايا.
حطيت أوراق الطلاق على المكتب، وفتحت الدرج اللي كنت محتفظ فيه ببعض أوراق جوازنا القديمة.
بدأت أقلب فيها بعصبية، لحد ما لقيت صورة صغيرة من خطاب قديم، كنت محتفظ بيها قبل ما أبعت الأصل.
كان الخطاب مكتوب بخط إيدي، وتاريخه قبل الفرح بأسبوع.
قريته مرة تانية، رغم إني كنت حافظ كل كلمة فيه.
كنت كاتب لمريم إني مش عايزها توافق على الجواز بدافع إنقاذ الشركة، وإنها لو مش حاسة ناحيتي بأي مشاعر، فأنا مستعد أساعد عيلتها من غير ما أربطها بيا.
وفي آخر الخطاب، كنت كاتب جملة واحدة:
«أنا مش عايزك تختاريني علشان محتاجة لي، أنا عايزك تختاريني لأنك شايفاني الشخص اللي نفسك تكملي حياتك معاه».
قعدت على الكرسي، وحطيت إيدي على وشي.
أنا كتبت الكلام ده فعلًا.
لكنها ماقرتوش.
وفي اللحظة دي، افتكرت حاجة كنت نسيتها تمامًا.
قبل الفرح بيومين، والد مريم طلب مني أقابله لوحدنا، وقال لي إنه عايز يتأكد إني فاهم مسؤولية الجواز.
وقتها سلمته الخطاب وطلبت منه يوصله لبنته.
لكن بدل ما يوعدني، بصلي نظرة غريبة وقال:
«سيب الموضوع ده عليّا يا آدم. أنا عارف مصلحة بنتي».
أنا صدقته.
والظاهر إن ثقتي فيه كانت سبب في إن حياتنا كلها تتبني على سوء فهم.
مديت إيدي ناحية التليفون، وكنت هتصل بأم مريم وأسألها عن الخطاب، لكن قبل ما أضغط على رقمها، لاحظت ظرفًا قديمًا تحت مجموعة من الأوراق.
كان ظرفًا بني اللون، وعليه اسم مريم بخط والدها.
قلبت الظرف بين إيديا.
كان مقفولًا، وعليه تاريخ مكتوب قبل وفاة والدها بأيام قليلة.
فتحت الظرف بحذر، وبدأت أقرأ أول سطر.
وبعد ثواني، حسيت إن الدم اتجمد في عروقي.
الخطاب ماكانش مجرد اعتذار عن اللي حصل قبل الجواز.
كان اعترافًا بحاجة أكبر بكتير.
حاجة تخص السبب الحقيقي اللي خلاني أتجوز مريم من البداية، وحاجة والدها كان مخبيها عن بنته وعنّي.
وفي آخر الصفحة، لقيت جملة خلتني أقف من مكاني وأنا مش مصدق عيني.
«يا آدم، لو الخطاب ده وصل لك، يبقى أنا ماقدرتش أصلح الغلطة اللي ارتكبتها قبل ما أموت. لازم تعرف إن مريم ماوافقتش على الجواز للسبب اللي إنت فاكره… والحقيقة إن…»
اتقطعت الجملة عند آخر السطر، لأن باقي الكلام كان مكتوبًا في الصفحة التانية.
قلبت الورقة بسرعة، وبدأت أقرأ.
لكن قبل ما أكمل، سمعت صوت خطوات مريم جاية ناحية مكتبي.
وبعدها خبطت على الباب خبطتين خفيفتين.
وقالت بصوت هادي، لكنه كان مليان حزن:
«آدم؟ ممكن أدخل؟ فيه حاجة لازم أقولها لك قبل ما نمضي على الطلاق بكرة».
بصيت للخطاب في إيدي، وبعدها بصيت ناحية الباب.
لأول مرة من تلات سنين، حسيت إن بكرة ممكن يغير حياتنا كلها.
فضلت باصص للباب وأنا ماسك الخطاب القديم في إيدي، ومش عارف أخبيه ولا أواجه مريم بكل اللي اكتشفته.
خبطت مرة تانية وقالت بصوت هادي:
«آدم، إنت صاحي؟ محتاجة أتكلم معاك شوية».
حطيت الخطاب على المكتب، وحاولت أتماسك قبل ما أقول:
«اتفضلي يا مريم».
فتحت الباب ودخلت.
كانت لابسة بيجامة بسيطة، وشعرها مربوط للخلف، وعينيها حمرا من العياط. أول ما بصيت في وشها، عرفت إنها كانت بتعيط من فترة طويلة.
دخلت وقفلت الباب بهدوء، وبعدها فضلت واقفة قدامي من غير ما تقرب.
قالت:
«أنا عارفة إن بكرة يوم مهم، ومش عايزة أعمل أي مشاكل. بس فيه كلام كنت محتاجة أقولهولك من زمان، ويمكن دي آخر فرصة ليا».
حاولت أتكلم، لكنها رفعت إيدها كأنها بتطلب مني أسمعها للآخر.
«أنا مش جاية أطلب منك تغير رأيك، ومش جاية ألومك على قرارك. أنا بس مش عايزة أخرج من حياتك وإنت فاكر إني اتجوزتك علشان الفلوس وبس».
حسيت بقلبي بينقبض.
دي كانت بالضبط الفكرة اللي عشت بيها طول التلات سنين.
قعدت على الكرسي اللي قدامي، وكملت كلامها:
«لما بابا قال لي إن الشركة ممكن تخسر كل حاجة، وإن فيه فرصة أخيرة لإنقاذها من خلال اتفاق بين عيلتنا وشركتك، وافقت. كنت عارفة إن الجواز هيكون جزء من الاتفاق، وكنت فاهمة إنك مش بتحبني. لكن الحقيقة إني كنت معجبة بيك من قبل ما الموضوع ده يحصل بكتير».
رفعت عينيها ناحيتي للحظة، وبعدها نزلتها بسرعة.
«كنت بشوفك في المناسبات اللي بابا كان بيدعوك ليها. كنت بشوفك بتتعامل باحترام مع الموظفين، وبتساعد الناس من غير ما تستنى مقابل. كنت فاكرة إنك مختلف عن كل رجال الأعمال اللي قابلتهم».
ابتسمت ابتسامة حزينة وقالت:
«لكن لما اتقابلنا علشان نتكلم عن الجواز، كنت رسمي جدًا. اتكلمت عن الشركة، والاتفاق، والمسؤوليات، وكل حاجة إلا مشاعرك. فقلت لنفسي إن ده طبيعي، وإنك بتعمل كده علشان مصلحة الشغل».
حاولت أقاطعها، لكن الكلمات ماخرجتش من بقي.
هي ماكانتش تعرف عن الخطاب.
وماكانتش تعرف إني كنت خايف من نفس الحاجة اللي هي كانت خايفة منها.
كملت:
«بعد الجواز، كنت بستنى منك أي إشارة تدل إنك ممكن تحبني يومًا ما. لكن كل مرة كنت تحاول تبعد عني، كنت بقول لنفسي إن ده حقك، وإنك ماوعدتنيش بحاجة».
سكتت شوية، وبعدها بصتلي مباشرة.
«فاكر يوم عيد ميلادي السنة اللي فاتت؟»
هزيت راسي.
قالت:
«إنت رجعت من السفر متأخر، ومع ذلك جبتلي الكتاب اللي كنت بتتكلم عنه من شهر. أنا فرحت جدًا، وفضلت طول الليل مستنية إنك تقعد معايا شوية. لكن لما حطيت الهدية على الترابيزة وقلت لي: كل سنة وإنتِ طيبة، وبعدها دخلت مكتبك، قلت لنفسي إنك جبتها علشان واجب الجواز».
اتنهدت وكملت:
«وفي اليوم اللي تعبت فيه، وإنت فضلت صاحي جنبي لحد الصبح، كنت فاكرة إنك بتعمل كده علشان لو حصلي حاجة، ماتحسش بالذنب. حتى لما كنت بتسألني أكلت ولا لأ، كنت بقول لنفسي إنك بتسأل من باب المسؤولية».
كل موقف كانت بتحكيه كان بيرجعني لذكرى كنت فاكرها عادية.
كنت فعلًا باهتم بيها، لكن كل مرة كنت بخاف أظهر مشاعري، كنت بختار الصمت.
كنت مقتنع إنها مش عايزاني، وإن أي محاولة للتقرب منها هتخليني أبدو ضعيفًا أو هتخلّيها تحس إني بطلب منها مقابلًا للاتفاق اللي بينا.
وفي النهاية، إحنا الاتنين عملنا نفس الغلطة.
هي أخفت حبها خوفًا من الرفض، وأنا أخفيت حبي خوفًا من إن مشاعرها تكون مش حقيقية.
مريم مسحت دموعها وقالت:
«أنا مش ندمانة إني اتجوزتك يا آدم. حتى لو السنين دي كانت صعبة، أنا اتعلمت منها حاجات كتير. لكن مش هقدر أفضل في علاقة أنا الوحيدة اللي بتتمنى إنها تستمر».
وبعدين مدت إيدها وحطت مفتاح صغير على المكتب.
«ده مفتاح البيت اللي كنت مأجراه قبل الجواز. هروح أقعد فيه مؤقتًا لحد ما أرتب حياتي. وبالنسبة للتسوية المالية، أنا مش عايزة العشرين مليون دولار اللي مكتوبين في الأوراق. كل اللي عايزاه هو حقي القانوني، لو ليا أي حق، وهنسيب المحامين يحددوا ده».




