
وقفت، واستعدت تمشي.
لكن قبل ما توصل للباب، ناديت عليها:
«مريم».
وقفت من غير ما تلف.
سألتها بصوت كنت بحاول أخليه ثابت:
«لو كنت قلت لك من البداية إني بحبك، كنتِ هتوافقي تتجوزيني؟»
فضلت ساكتة ثواني طويلة.
وبعدين لفتت وبصتلي، وقالت:
«كنت هتمنى ده أكتر من أي حاجة في الدنيا. لكن يا آدم، أنا مش عارفة إذا كنت بتسألني دلوقتي علشان لسه بتحبني، ولا علشان سمعتني وأنا بعيط وخفت عليّا».
الكلمات دي وجعتني، لأنها كانت عادلة.
أنا اللي خليتها تعيش تلات سنين وهي مش عارفة مكانتها عندي، وماكانش من حقّي أتوقع إنها تصدقني في لحظة واحدة.
قالت وهي بتفتح الباب:
«بكرة هنروح نمضي الأوراق، إلا لو عندك سبب حقيقي يخلينا نراجع قرارنا. وأنا مش هطلب منك السبب ده».
خرجت وقفلت الباب وراها.
فضلت قاعد مكاني، باصص للمفتاح اللي سابته، وللخطاب اللي لقيته.
كنت عارف إن الكلام اللي قالته محتاج إجابة، لكن الإجابة وحدها مش هتكفي.
لو كنت عايز أنقذ جوازنا، كان لازم أفهم إيه اللي حصل من البداية.
رجعت للخطاب، وقلبت الصفحة التانية.
وكانت الكلمات اللي قريتها بعدها كفيلة تخليني أشك في كل حاجة كنت فاكر إني عارفها عن يوم جوازنا.
كتب والد مريم:
«يا آدم، أنا عارف إنك طلبت مني أوصل لمريم الخطاب اللي كتبته لها قبل الفرح، لكني ماعملتش كده. وقتها كنت خايف إنها ترفض الجواز، وخايف الشركة تضيع بعد كل السنين اللي قضيتها في بنائها.
أنا أقنعت نفسي إني بحمي بنتي ومستقبلها، لكن الحقيقة إني تدخلت في قرار كان لازم يكون من حقها هي وحدها.
ومع ذلك، فيه حاجة لازم تعرفها. مريم ماوافقتش على الجواز علشان تنقذ الشركة وبس. قبل ما أطلب منها توافق، كانت عارفة إنك عرضت تساعدنا باستثمار مالي، وكانت تقدر تختار الطريق ده من غير ما تتجوزك.
لكنها رفضت الحل ده، وطلبت مني مهلة يومين قبل ما ترد على عرض الجواز.
في اليومين دول، اكتشفت إنها كانت بتسأل عنك، وبتحاول تعرف إذا كنت راجل ممكن تثق فيه وتبني معاه حياة حقيقية.
لما رجعت لي، قالت إنها موافقة، لكنها طلبت مني وعدًا واحدًا: ألا أخبرك إنها كانت تعرف عنك من قبل، وألا أجعلك تشعر إنها وافقت بدافع مصلحة مالية فقط.
كنت فاكر إن الوقت هيصلح كل حاجة، وإنكم لما تعيشوا مع بعض هتفهموا مشاعر بعض من غير ما تحتاجوا للكلام.
لكن يبدو إني كنت غلطان».
وقفت عند آخر السطر، وأنا بحاول أستوعب المكتوب.
مريم كانت تقدر توافق على المساعدة المالية من غير ما تتجوزني.
ومع ذلك، اختارت الجواز.
مش بالضرورة لأنها كانت بتحبني من أول يوم، لكن لأنها كانت شايفة فيّ شخصًا يستحق إنها تمنحه فرصة حقيقية.
والدها أخفى عنها خطابي، وأخفى عني حقيقة قرارها، معتقدًا أن الأمور ستسير بشكل طبيعي.
لكن الخطأ اللي بدأ بنية الحماية تحول إلى جدار بيننا.
وفي آخر الخطاب، وجدت سطرًا إضافيًا بخط مختلف قليلًا، وكأن والد مريم كتبه بعد فترة من الزمن.
«فيه مستند تاني لازم تلاقيه يا آدم. المستند ده موجود في الخزنة القديمة في مكتب الشركة. لو وصلت له، هتفهم ليه كنت مصرّ إنك ومريم تتكلموا مع بعض قبل ما تتخذوا أي قرار نهائي».
توقفت عن القراءة.
خزنة الشركة القديمة؟
ماكانش عندي أي فكرة عن مستند بالشكل ده.
لكن كنت متأكدًا إن فيه سببًا وراء إصراره على أن أعرف الحقيقة.
بصيت للساعة. كانت قربت من منتصف الليل.
كان المفروض أصحى الصبح وأروح مع مريم لمكتب المحامي، ونمضي على أوراق الطلاق.
لكن لأول مرة، ماقدرتش أتخيل نفسي وأنا بمضي على الورق ده.
مش لأنني خفت أخسرها ماليًا، ولا لأنني شعرت بالشفقة عليها.
لكن لأنني بدأت أفهم إنني ربما كنت على وشك إنهاء أهم علاقة في حياتي، من غير ما أمنحها فرصة واحدة صادقة.
أخذت الخطاب، وقررت أروح الشركة قبل موعد المحامي.
كنت محتاج أعرف حقيقة المستند الموجود في الخزنة.
لكن اللي ماكنتش أعرفه إن مريم كانت هي كمان محتفظة بسر تاني، وإن المستند اللي هدور عليه الصبح هيكشف حقيقة هتغيّر قرارنا إحنا الاتنين.
وصلت الشركة قبل الساعة سبعة الصبح.
المبنى كان هادي، والموظفين لسه ماوصلوش، وده كان بالضبط اللي أنا محتاجه. ماكنتش عايز حد يشوفني وأنا بفتش في حاجات تخص والد مريم، خصوصًا إن جزءًا كبيرًا منها كان محفوظًا من وقت ما كان شريكًا ليا.
طلعت لمكتبي القديم، وفتحت الخزانة اللي كان بيحتفظ فيها بأوراقه المهمة.
بعد بحث طويل، لقيت مفتاحًا صغيرًا مثبتًا في ظرف مكتوب عليه اسمي.
فتحت الظرف، ولقيت ورقة بخط والد مريم:
«يا آدم، لو وصلت للمكان ده، يبقى أخيرًا قررت تعرف الحقيقة بدل ما تسيب الأمور للتخمين. المستند اللي بتدور عليه موجود في الخزنة الموجودة أسفل المكتبة».
حركت الكتب، ووجدت الخزنة بالفعل.
استخدمت المفتاح، وفتحت الباب الحديدي.
جواها كان فيه ملف قديم، وصورة فوتوغرافية، ومستندات مالية، وخطاب آخر موجه ليا.
بدأت بالمستندات المالية.
كانت عبارة عن تقرير مفصل عن شركة عائلة مريم وقت الأزمة اللي سبقت جوازنا. التقرير وضح إن الشركة كانت فعلًا على وشك الانهيار، لكن المشكلة ماكانتش بالحجم اللي اتصورت لي وقتها.
كان فيه مستثمر انسحب فجأة، وديون مستحقة، وعقود اتأخرت.
لكن الملف كشف كمان إن والد مريم كان قد بدأ مفاوضات مع مستثمرين آخرين قبل جوازنا، وإن الشركة كانت عندها فرصة حقيقية للتعافي حتى من غير زواجنا.
يعني مريم ماكانتش مضطرة تضحي بحياتها علشان تنقذ عيلتها.
كان ممكن ترفض الجواز، وتساعدهم بطرق تانية.
ومع ذلك، وافقت.
فتحت الخطاب الأخير وبدأت أقرأ:




