روايات وقصص

القصة كاملة بقلم محمد عبده

### الجزء التاني: الملف السري اللي قلب المحكمة على رؤوسهم

رفعت الأستاذة ليلى الشاذلي عينيها من الأوراق، وبصت للقاضي بثبات.

وبعدين قالت بصوت هادي:

«سيادة القاضي، قبل ما المحكمة تاخد أي قرار بخصوص أهلية موكلتي، عندنا اعتراض جوهري على المستندات اللي قدمها الطرف التاني، وبنطلب التحقق من مصدرها وصحتها.»

المحامي عادل الشربيني ابتسم بسخرية.

«اعتراض على إيه يا أستاذة ليلى؟ دي مستندات مالية أعدّها متخصص في المجال، وهو كمان من أفراد الأسرة. أكيد مش هيكون عنده مصلحة في الإضرار بزوج أخته!»

ليلى بصت له للحظات، وبعدين ردت:

«المشكلة يا أستاذ عادل إنك بتفترض إن كل الناس بتتصرف بنفس الطريقة اللي حضرتك متوقعها. لكن المستندات دي فيها علامات تثير الشك، وموكلتي عندها معلومات تستحق التحقيق.»

القاضي رفع إيده، وطلب من الطرفين الهدوء.

وبعدين التفت لشريف.

«أستاذ شريف، هل تؤكد للمحكمة إنك راجعت الحسابات البنكية والاستثمارات الخاصة بالآنسة سلمى بنفسك؟»

شريف عدّل رابطة عنقه، وقال بثقة:

«أيوه يا سيادة القاضي. راجعت كل حاجة بالتفصيل، واستنتاجاتي مبنية على خبرتي المهنية.»

«وهل عندك موافقة مكتوبة من صاحبة الحسابات تتيح لك الاطلاع عليها؟»

اتردد شريف لثانية واحدة.

ثانية صغيرة، لكنني لاحظتها.

ليلى لاحظتها هي كمان.

رد بسرعة:

«أنا من أفراد الأسرة، وكنت بحاول أساعدها. بالإضافة إلى إن المستندات اللي وصلت لي كانت بتوضح حجم المشكلة.»

سأله القاضي:

«أنا ما سألتكش إذا كنت بتحاول تساعدها. سألتك إذا كان عندك إذن قانوني للاطلاع على حساباتها.»

بدأ شريف يتحرك في مكانه.

«مش معايا إذن مكتوب، لكن…»

قاطعه القاضي:

«إذن إجابتك هي لا؟»

ابتلع شريف ريقه.

«أيوه، مفيش إذن مكتوب.»

سمعت أمي تطلع نفسًا طويلًا من مكانها، والتفتت ناحية أبي بقلق.

أما داليا، فكانت بتبص لجوزها وكأنها لأول مرة تشوف جانبًا منه ما كانتش تعرفه.

لكن المحامي عادل تدخل بسرعة:

«سيادة القاضي، عدم وجود إذن مكتوب لا يعني إن المعلومات غير صحيحة. إحنا هنا عشان نحمي إنسانة واضح إنها مش قادرة تدير حياتها.»

ليلى هزت راسها بهدوء.

«إحنا كمان عايزين نحمي موكلتي، لكن من الأشخاص اللي بيحاولوا يسلبوها حقوقها من غير دليل موثوق.»

وبعدين أخرجت ورقة صغيرة من ملفها.

«وعشان كده، بنطلب فحص المستندات عن طريق جهة مستقلة، والتأكد من مصدرها، وكمان مراجعة أي معاملات مالية مرتبطة بيها.»

القاضي فكر للحظات.

وبعدين قال:

«هسمح باستكمال الاستماع للشهود، لكن المحكمة مش هتعتبر أي مستند دليلًا نهائيًا قبل التحقق من صحته.»

شريف رجع لمكانه، لكنه المرة دي ما بصليش ولا غمز لي.

كان فيه شيء بدأ يقلقه.

وده كان مجرد البداية.

بعد استراحة قصيرة، طلب المحامي عادل استدعاء أمي للشهادة.

وقفت نادية المنشاوي، ومسحت على فستانها، واتجهت للمنصة.

حلفت إنها هتقول الحقيقة، وبعدين بصت للقاضي بعينين مليانين دموع.

قالت:

«يا سيادة القاضي، أنا أمها. عمري ما كنت أتمنى أشوف بنتي في الوضع ده. سلمى اتغيرت جدًا في الفترة الأخيرة. بقت تخبي علينا حاجات، وترفض تسمع نصيحتنا، وبتتعامل معانا كأننا أعداءها.»

سألها المحامي:

«هل حاولتم مساعدتها؟»

«كتير جدًا. أنا وأبوها حاولنا نفهمها إننا خايفين عليها، لكن هي مش بتسمع كلام حد.»

«هل تعتقدين إنها قادرة على اتخاذ قرارات مالية سليمة؟»

أمي بصت ناحيتي.

ولأول مرة، شفت في عينيها حاجة مختلفة عن الحزن اللي كانت بتمثله.

كان فيه غضب.

غضب لأنها مش قادرة تجبرني أتنازل عن اللي هي عايزاه.

قالت:

«للأسف، لا. أنا شايفة إنها محتاجة حد مسؤول يتولى أمورها، خصوصًا إن أختها داليا حامل وقريب هتحتاج مكان مناسب تعيش فيه مع طفلها.»

ساد الصمت في القاعة.

حتى القاضي رفع عينيه عن الأوراق.

سألها:

«إيه علاقة حمل ابنتك التانية بقدرة سلمى على إدارة أموالها؟»

ارتبكت أمي.

«أنا… قصدي إن العيلة كلها لازم تساعد بعضها.»

قال القاضي بصرامة:

«مساعدة الأسرة لبعضها شيء، وحرمان شخص بالغ من حقوقه القانونية شيء مختلف تمامًا.»

نزلت أمي من المنصة وهي بتبص للأرض.

وبعدها جه دور أبي.

محمود المنشاوي وقف أمام القاضي، وحاول يظهر بصورة الأب الحكيم اللي شايل مسؤولية بناته.

قال:

«أنا راجل قضيت عمري كله أحاول أوفر لبناتي حياة كويسة. سلمى بنتي، ومش عايز لها غير الخير. لكن الفلوس الكتير ممكن تضيّع الإنسان لو ما كانش عنده حد يرشده.»

سأله القاضي:

«هل طلبت منك سلمى في أي وقت إنك تدير أموالها بدلًا منها؟»

«لا.»

«هل عندك شهادة طبية تثبت إنها غير قادرة على اتخاذ قراراتها؟»

تردد أبي.

«مش معايا تقرير طبي، لكن أنا أبوها وأعرفها كويس.»

رد القاضي:

«معرفة الشخص من الناحية العائلية لا تكفي وحدها لإثبات عدم أهليته القانونية.»

وبعدين سأله سؤالًا آخر:

«هل طلبت من ابنتك التنازل عن شقتها لصالح أختها؟»

أبي سكت.

أمي اتحركت في مكانها.

وداليا رفعت رأسها بسرعة.

قال أبي بعد لحظات:

«إحنا اتكلمنا في الموضوع باعتباره حلًا عائليًا.»

«وهل وافقت سلمى؟»

«لا، لكنها رفضت من غير ما تفكر في مصلحة أختها.»

القاضي هز راسه، وسجل ملاحظة في الملف.

أما أنا، ففضلت ساكتة.

كنت عارفة إن الحقيقة مش محتاجة مني صراخ.

كل اللي كنت محتاجاه إنهم يكملوا كلامهم.

بعد انتهاء شهادة أبي، وقف شريف مرة تانية، وطلب الإذن بالكلام.

قال:

«سيادة القاضي، مع احترامي للجميع، إحنا بنضيّع وقت المحكمة في تفاصيل جانبية. الوضع المالي لسلمى خطير، وكل يوم بنتأخر فيه ممكن يزود خسائرها.»

ليلى ردت فورًا:

«لو الوضع خطير فعلًا، فالمفروض إن التحقق من المستندات يكون أولوية، مش تفصيلًا جانبيًا.»

شريف تجاهلها، وفتح حقيبته الجلدية.

«معايا كمان تقرير إضافي يوضح حجم المخاطر اللي بتواجهها.»

أخرج مجموعة أوراق، وسلمها للمحامي عادل.

لكن قبل ما المحامي يرفعها للقاضي، تكلمت ليلى:

«سيادة القاضي، بنطلب إثبات الأوراق الجديدة في محضر الجلسة، مع تسجيل اسم الجهة اللي أصدرتها وتاريخ إعدادها.»

المحامي عادل اتضايق.

«كل ورقة هنقدمها هتطلبوا تحقيق فيها؟»

ليلى ردت ببرود:

«لو كانت الأوراق سليمة، فالفحص مش هيضر حد.»

القاضي أشار للمحضر باستلامها.

وبعد دقائق من مراجعة الصفحات الأولى، عقد حاجبيه.

«أستاذ شريف، التقرير ده صادر عن شركة تمويل اسمها الأفق للاستثمارات؟»

«أيوه يا سيادة القاضي.»

«ومذكور هنا إن فيه حسابات استثمارية باسم سلمى عليها التزامات مالية كبيرة.»

«صحيح.»

القاضي رفع عينيه.

«هل تحققت بنفسك من إن الحسابات دي تخصها فعلًا؟»

شريف رد بسرعة:

«المعلومات اللي عندي بتؤكد ده.»

«أنا بسألك عن التحقق المباشر.»

«ما راجعتش الحسابات من داخل الشركة نفسها، لكن…»

السابق1 من 4
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى