
«إذن أنت بتقدم تقريرًا عن حسابات لم تتحقق بنفسك من صحتها.»
شريف حاول يتدارك الموقف.
«أنا بعرض على المحكمة الصورة المالية العامة، مش أكتر.»
القاضي أغلق التقرير ووضعه أمامه.
«هنرجع للنقطة دي لاحقًا.»
في اللحظة دي، ليلى فتحت حقيبتها وأخرجت ظرفًا بنيًا سميكًا.
كان عليه ختم رسمي، ومعاه رقم مرجعي واضح.
حطته أمامها، ثم وقفت.
«سيادة القاضي، فيه مستند إضافي مهم للغاية، وصلنا من خلال القنوات القانونية المختصة، ونطلب الإذن بتقديمه للمحكمة.»
المحامي عادل ابتسم بثقة مصطنعة.
«هل عندنا مفاجآت جديدة من الأستاذة ليلى؟»
ليلى ما ردتش عليه.
القاضي مد إيده ناحية الظرف، لكنه توقف قبل ما يفتحه.
قرأ البيانات المكتوبة عليه بعناية.
وبعدين رفع رأسه فجأة.
«هل الملف ده مرتبط بتحقيق رسمي من جهة رقابية مالية؟»
ردت ليلى:
«أيوه يا سيادة القاضي. الملف متعلق بمراجعة معاملات مالية، وفيه معلومات تستلزم التعامل معها بسرية لحد ما يتم التحقق منها بالطريقة القانونية الصحيحة.»
اختفت الابتسامة من وجه شريف.
مش اختفاء تدريجي.
اختفت كأن حد مسحها من على وشه.
أما داليا، فلفت ناحيته وهمست:
«شريف، إيه الملف ده؟»
ما ردش.
فضل باصص للختم، ووشه بدأ يتغير.
القاضي فتح الظرف بحذر، وأخرج أول مجموعة من الأوراق.
قلب الصفحة الأولى.
وبعدين التانية.
وعند الصفحة التالتة، وقف عن القراءة.
رفع نظارته ببطء، وبص ناحية شريف منصور.
وبصوت مختلف تمامًا عن صوته الهادي من بداية الجلسة، قال:
«السيد شريف منصور… هل تعرف أي شيء عن الحساب المذكور في هذا الملف؟»
شريف حاول يبتسم، لكن ابتسامته طلعت مرتبكة.
«أي حساب يا سيادة القاضي؟»
القاضي رفع الورقة أمامه.
«الحساب المرتبط بمعاملات استثمارية خضعت للمراجعة، واللي ظهر فيها استخدام بيانات تخص أشخاصًا آخرين من غير ما يكون واضحًا إنهم وافقوا على المعاملات دي.»
القاعة كلها سكتت.
أمي حطت إيدها على صدرها.
أبي مال لقدام.
وداليا مسكت ذراع جوزها بقوة.
أما شريف، فبدأ يحرك صوابعه بعصبية فوق ركبته.
القاضي رجع بص للملف، ثم قال:
«الغريب هنا إن بعض البيانات المذكورة تتطابق مع بيانات الحسابات اللي قدمتها حضرتك منذ قليل باعتبارها دليلًا على عدم قدرة سلمى على إدارة أموالها.»
حسيت إن اللحظة اللي كنت مستنياها قربت.
ليلى بصت لي نظرة سريعة، وكأنها بتقول لي إننا وصلنا للنقطة اللي خططنا لها.
لكن القاضي ما كانش خلص.
قلب صفحة أخرى، وقرأ سطرًا بصوت مسموع، ثم توقف تمامًا.
ولأول مرة من بداية الجلسة، بان عليه الذهول الحقيقي.
قال:
«أريد أن أفهم كيف وصلت هذه المستندات إلى المحكمة، ولماذا تتضمن الإشارة إلى حسابات مرتبطة بمعاملات لم يتم التحقق من موافقة أصحابها عليها.»
ثم وجّه كلامه لشريف مباشرة:
«هل تؤكد أن التقرير الذي قدمته للمحكمة يعكس معلومات صحيحة ومتحققًا منها؟»
شريف فتح فمه، لكنه ما عرفش يرد.
وفي اللحظة دي، فهمت إن القضية ما بقتش مجرد محاولة للاستيلاء على شقتي.
لأن الملف المختوم كان بيكشف إن الشخص اللي وقف قدام المحكمة عشان يصورني باعتباري غير قادرة على إدارة أموالي، ممكن يكون هو نفسه محتاج يفسر للمحكمة إزاي اتعامل مع بيانات مالية تخص أشخاصًا آخرين.
والأهم من ده كله…
إن اسمي ما كانش الاسم الوحيد الموجود في الملف.
كان فيه اسم تاني، لما القاضي وصل له، طلب من المحضر يقفل باب القاعة، ويمنع خروج أي شخص قبل ما يستكمل مراجعة المستندات.
نهاية الجزء التاني… واللي جاي هيكشف السر اللي شريف حاول يخبيه عن الجميع.
### الجزء الثالث: الاسم اللي خلّى القاضي يأمر بإغلاق أبواب القاعة
«محدش يغادر القاعة في الوقت الحالي.»
الجملة اللي قالها القاضي حسن الدسوقي نزلت على المكان زي الصاعقة.
المحضر اتحرك ناحية الباب، وطلب من الموجودين الالتزام بالتعليمات لحد ما القاضي ينتهي من مراجعة المستندات.
أمي كانت بتبص لأبي بارتباك، وأبي بيحاول يحافظ على هدوئه، لكن إيده اللي كانت ماسكة عصايته بدأت ترتعش.
أما داليا، فكانت ماسكة ذراع شريف بكل قوتها.
همست له:
«إنت مخبي عني إيه؟»
شريف بص لها بعصبية وقال بصوت واطي:
«اسكتي دلوقتي. مش وقت الكلام ده.»
لكنها ما سكتتش.
«إنت قلت لي إن كل حاجة قانونية! قلت لي إننا هنخلص من الموضوع ده، والشقة هتبقى بتاعتنا، وإن أختي مش هتقدر تعترض!»
الكلمات دي وصلت لودني بوضوح.
رفعت عيني وبصيت لها.
لأول مرة، داليا ما قدرتش تبص لي.
فتح القاضي الملف مرة تانية، وطلب من كاتب الجلسة مراجعة البيانات الأساسية الواردة فيه.
كان الملف متعلقًا بمراجعة معاملات مالية خضعت لفحص جهة رقابية مختصة بسوق المال، وكانت بعض تفاصيله مقدمة للمحكمة من خلال إجراءات رسمية.
ما كانش مجرد كشف حساب أو تقرير عادي.
كان فيه تسلسل لمعاملات مالية، ومراسلات، وأرقام حسابات، وإشارات إلى مستندات احتاجت لمراجعة إضافية.
القاضي وقف عند صفحة معينة، ثم التفت إلى شريف.
«السيد منصور، هل سبق لك العمل على معاملات مرتبطة بشركة الأفق للاستثمارات؟»
شريف مسح جبينه بمنديل صغير.
«أنا بتعامل مع شركات كتير في مجال الاستثمار يا سيادة القاضي.»
«أنا بسألك عن الشركة دي تحديدًا.»
«أيوه، كان فيه تعامل مهني في فترة سابقة.»
القاضي رفع الورقة.
«وهل استخدمت في أي معاملة بيانات تخص الآنسة سلمى المنشاوي؟»
شريف سكت.
الصمت استمر ثواني قليلة، لكنها كانت كفاية عشان كل الموجودين يفهموا إنه مش عارف يختار إجابة مناسبة.
قال أخيرًا:
«مش فاكر تفاصيل كل معاملة.»
ليلى وقفت على الفور.
«سيادة القاضي، موكلتي لم تمنح السيد شريف أي تفويض يسمح له بإدارة حساباتها أو استخدام بياناتها في معاملات استثمارية.»
المحامي عادل حاول يتدخل:
«ده مجرد ادعاء من الطرف الآخر، ولازم ما نستبقش نتائج أي تحقيق.»
ردت ليلى:
«متفقة مع حضرتك. وعشان كده إحنا مش بنطلب إدانة أي شخص دلوقتي، إحنا بنطلب التحقق من المستندات، وعدم السماح باستخدامها لحرمان موكلتي من حقوقها من غير دليل موثوق.»
القاضي أومأ برأسه.
«ده طلب معقول.»
وبعدين رجع بص لشريف.
«هل تقدر تقدم مستندات تثبت إن الآنسة سلمى وافقت على المعاملات المشار إليها؟»
شريف رد بسرعة:
«لازم أراجع سجلات الشركة.»
«وهل تقدر تقدمها للمحكمة؟»
«هحتاج وقت.»
القاضي أغلق الملف مؤقتًا.
«إذن هنثبت إنك لم تقدم حتى الآن ما يثبت موافقة صاحبة البيانات على المعاملات المذكورة.»
شريف نزل عينيه.
كانت أول مرة أشوفه فيها من غير ثقته المصطنعة.
لكن المفاجأة الأكبر كانت لسه جاية.
القاضي طلب من ليلى توضيح علاقتها بالملف، وإزاي وصل إليها.
قالت:
«سيادة القاضي، موكلتي اكتشفت من فترة وجود مستندات مالية مشبوهة مرتبطة باسمها. وبعد مراجعة بعض البيانات، قررنا اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة للتحقق من مصدرها. الملف اللي قدام حضرتك وصل من خلال القنوات الرسمية، وإحنا بنطلب استخدامه في الحدود اللي تسمح بها الإجراءات القانونية.»
ثم أضافت:
«وعندنا كمان مستندات أصلية تخص ملكية موكلتي لشقتها، وكشوف حسابات حديثة من البنك، تقدر تثبت إن الادعاء بوجود ديون تهدد ملكيتها غير صحيح.»
أخرجت ملفًا آخر ووضعته أمام القاضي.
كان يحتوي على مستندات ملكية الشقة، وإثبات سداد ثمنها بالكامل، وشهادة حديثة من الجهة المختصة تؤكد عدم وجود رهن مسجل عليها وفقًا للمستند المقدم.
القاضي راجع الأوراق، ثم سأل:
«هل الشقة مسجلة باسمك وحدك يا آنسة سلمى؟»
وقفت للمرة الأولى منذ بداية الجلسة.
«أيوه يا سيادة القاضي.»
«وهل تنازلتِ عنها في أي وقت لأي شخص؟»
«لا.»
«وهل طلب منك أحد التنازل عنها؟»
بصيت ناحية أهلي.
أمي كانت بتتجنب النظر في عيني.
أبي فضل ساكت.
أما داليا، فكانت بتبص للأرض.
قلت:
«أيوه. أختي طلبت مني أسيب لها الشقة عشان هي حامل، وقالت إن البيبي من حقه يعيش في مكان أحسن. ولما رفضت، بدأوا يتكلموا عن إني مش طبيعية، وإنهم لازم يتصرفوا بدلًا مني.»
المحامي عادل اعترض:
«سيادة القاضي، موكلتيّ الطرف الآخر لم يقل إن مجرد رفض التنازل دليل على عدم الأهلية.»
التفت له القاضي.
«لكن الأسرة نفسها ربطت بين الخلاف على الشقة وبين طلب تعيين وصي على أموال الآنسة سلمى. وده أمر لازم المحكمة تفحصه بعناية.»
جلست مرة تانية.
لأول مرة في اليوم ده، حسيت إن الكلام بدأ ياخد اتجاه مختلف.
مش لأن القاضي صدقني لمجرد إني حكيت.
لكن لأنه بدأ يطلب أدلة من الطرفين بدل ما يكتفي بالكلام العاطفي اللي قدموه.
بعدها، طلب القاضي من المحضر تسليم مستند معين إلى ليلى.
كان المستند عبارة عن ملخص لمعاملات مالية مرتبطة بجهة خضعت للمراجعة، وفيه إشارة إلى اسم شخص آخر ظهرت بياناته ضمن المعاملات.
قرأت ليلى الاسم، ثم رفعت عينيها ببطء.
الاسم كان محمود المنشاوي، أبي.
حسيت ببرودة تسري في جسمي.
التفت ناحية أبي.
كان وجهه قد فقد لونه.
«بابا؟»
ما ردش.
القاضي سأله:
«السيد محمود المنشاوي، هل تعرف سبب ورود اسمك في المستند ده؟»
أبي تحرك في مقعده.
«لا، مش فاهم. أنا ماليش علاقة بأي حاجة من دي.»
«هل سبق لك التعامل ماليًا مع شركة الأفق للاستثمارات؟»
«أنا عندي حساب بنكي عادي، لكن مش فاكر اسم الشركة دي.»
القاضي أشار إلى سطر في الصفحة.
«المستند بيشير إلى معاملة مرتبطة ببيانات تعريفية تخصك. هل سبق لك تقديم صورة من بطاقتك الشخصية للسيد شريف منصور؟»
أبي لف ناحية شريف بسرعة.
كانت نظرة مليانة غضب وخوف.
شريف رد قبل ما أبي يتكلم:
«أنا كنت بساعد العيلة في بعض الأمور المالية، وده مش معناه إن فيه مخالفة.»
القاضي قال بصرامة:
«أنا ما سألتكش عن تفسيرك. أنا سألت السيد محمود.»
أبي بلع ريقه.
«أيوه، أنا اديته صورة بطاقتي من فترة، عشان قال لي إنه هيساعدني أراجع بعض الاستثمارات.»
أمي شهقت.
«إنت ما قلتليش الكلام ده!»
أبي رد بعصبية:
«ما كنتش شايف إن فيه حاجة تستاهل أقولها! شريف جوز بنتي، وكنت واثق فيه.»
شريف هز رأسه بانزعاج.
«يا جماعة، الموضوع بيتفهم غلط.»




