
لكن القاضي ما سمحش له يكمل.
«السيد منصور، المحكمة لم تصل بعد إلى نتيجة نهائية. لكن وجود بيانات تخص أكثر من شخص ضمن معاملات محل مراجعة يجعل من الضروري التحقق من مصدرها، ومن الأشخاص الذين استخدموها، وما إذا كان الاستخدام قد تم بموافقة أصحابها.»
ثم أصدر توجيهًا بإحالة المستندات اللازمة للفحص وفق الإجراءات القانونية، مع التأكيد على عدم اعتبار مجرد ورود اسم أي شخص دليلًا على ارتكابه مخالفة.
النقطة دي كانت مهمة.
لأن أبي ممكن يكون ضحية زيي، وممكن يكون عارف تفاصيل أكتر مما قال.
لكننا ما كناش نملك الإجابة لسه.
في اللحظة دي، داليا انفجرت في الكلام.
وقفت من مكانها، وبصت لشريف بصدمة.
«إنت قلت لي إن سلمى عندها ديون، وإنك اكتشفت ده من خلال شغلك! قلت لي إنك هتثبت إنها مش قادرة تدير فلوسها، وإن المحكمة هتخلينا نتصرف في الشقة بدلًا منها!»
شريف حاول يشدها من ذراعها عشان تقعد.
«داليا، اقعدي واتكلمي بعدين.»
لكنها سحبت إيدها.
«لأ! أنا عايزة أفهم! إنت وريتنا كشوف الحسابات، وقلت إنك متأكد إن عليها قروض. إزاي دلوقتي بتقول إنك محتاج تراجع السجلات؟»
القاعة كلها كانت بتسمع.
أمي بدأت تعيط بجد المرة دي، مش بالطريقة اللي دخلت بيها المحكمة.
أما أبي، ففضل باصص لشريف كأنه بيحاول يعيد حساب كل حاجة صدقها عنه.
شريف رفع صوته:
«أنا كنت بحاول أساعدكم! كل اللي عملته كان عشان مصلحة الأسرة!»
داليا ردت وهي بتترعش:
«مصلحة الأسرة؟ ولا مصلحة نفسك؟»
ثم التفتت ناحيتي.
كانت عينيها مليانة دموع.
«سلمى، أنا…»
لكنني رفعت إيدي بهدوء.
«مش دلوقتي يا داليا.»
ما كنتش عايزة أسمع اعتذارًا تحت ضغط الخوف، ولا كنت مستعدة أنسى كل اللي حصل لمجرد إن خطتها بدأت تنهار.
القاضي طلب الهدوء مرة تانية، ثم أعلن قراره الأولي.
قال:
«بعد مراجعة ما قُدم من مستندات، لا ترى المحكمة في هذه المرحلة أساسًا كافيًا لإصدار أمر طارئ بنقل ملكية أموال الآنسة سلمى المنشاوي أو شقتها إلى أي فرد آخر من أفراد الأسرة.»
أمي حطت إيديها على وشها.
أما داليا، فانهارت على كرسيها.
القاضي كمل:
«كذلك، فإن المستندات المقدمة بشأن الديون محل شك وتحتاج إلى تحقق مستقل من صحتها ومصدرها. ولذلك، سيتم استكمال فحصها قبل اتخاذ أي قرار إضافي.»
ثم وجّه كلامه لشريف:
«وأطلب منك عدم تقديم أي مستندات مالية إضافية باسم الآنسة سلمى قبل التحقق من مصدرها، مع احتفاظ المحكمة بحقها في اتخاذ الإجراءات المناسبة إذا ثبت تقديم معلومات غير صحيحة.»
شريف ما ردش.
كان باصص قدامه، ووشه جامد.
لكنني كنت عارفة إن ده مش آخر الكلام.
لأن ليلى كانت لسه محتفظة بورقة أخيرة في ملفها.
ورقة ما قدمتهاش للقاضي لحد اللحظة دي.
بعد ما انتهى القاضي من إعلان قراره، قربت ليلى مني وهمست:
«لسه فيه نقطة لازم نتأكد منها قبل ما نعتبر إن الموضوع انتهى.»
سألتها:
«إيه هي؟»
فتحت الملف، وأخرجت نسخة من مراسلات مالية تم الحصول عليها من خلال الإجراءات القانونية.
كان فيها تاريخ سابق بأيام قليلة على رفع القضية.
وتحت التاريخ، ظهر اسم شريف.
أما محتوى الرسالة، فكان يشير إلى مناقشة خطة لنقل السيطرة على بعض الأصول المالية، بشرط صدور قرار قضائي يسمح لشخص آخر بإدارة الحسابات.
ليلى ما قالتش إن الرسالة وحدها تثبت جريمة، لكنها أوضحت إنها ممكن تكون دليلًا مهمًا لو ثبتت صحتها وسياقها.
قريت السطور مرتين.
ثم رفعت رأسي ناحية شريف.
في اللحظة نفسها، التفت ناحيتي.
وعرفت من نظرة عينيه إنه أدرك إن فيه مستندات تانية ممكن تكون وصلت للمحكمة.
لكنه ما كانش يعرف حجمها.
ولا كان يعرف إن الرسالة دي هتفتح بابًا لأسئلة أكبر بكتير من مجرد ملكية شقتي.
لأن الجزء الأخطر من الحقيقة لم يكن متعلقًا بمن سيحصل على الشقة، بل بمن كان يحاول استخدام المحكمة للسيطرة على أموال أشخاص آخرين أيضًا.
وفي الجلسة القادمة، كان على شريف أن يواجه السؤال الذي ظل يتهرب منه طوال اليوم:
إذا كان هدفه حماية سلمى من الديون، فلماذا كانت خطته تعتمد على أن تفقد حقها في إدارة أموالها قبل أن يتم التحقق من وجود تلك الديون أصلًا؟
يتبع…
### الجزء الرابع والأخير: الحقيقة اللي كشفت خيانة العيلة كلها
في صباح الجلسة التالية، وصلت المحكمة قبل الموعد بنص ساعة.
كنت لابسة بدلة كحلي بسيطة، وشعري مربوط للخلف، وفي إيدي ملف صغير فيه نسخ من المستندات اللي طلبتها الأستاذة ليلى الشاذلي.
ما كنتش عارفة إيه اللي هيحصل بالتحديد، لكن كنت متأكدة من حاجة واحدة: مش هسمح لأي حد ياخد مني حقي مرة تانية، مهما كان قريب مني.
لما دخلت القاعة، لقيت أمي وأبي قاعدين في نفس المكان، لكن المرة دي ما كانوش بيتكلموا مع بعض.
داليا كانت قاعدة بعيد عن شريف، وعينيها وارمة من كتر العياط.
أما شريف، فكان لابس بدلته المعتادة، وساعته الذهبية بتلمع تحت إضاءة القاعة، لكنه فقد الابتسامة اللي كان بيستقبلني بيها في الجلسة الأولى.
قربت من ليلى وهمست:
«إنتِ متأكدة إن كل حاجة جاهزة؟»
ابتسمت وقالت:
«كل مستند هيتقدم للمحكمة هيتم فحصه بالطريقة القانونية. إحنا مش محتاجين نبالغ ولا نتهم حد من غير دليل. الحقيقة لوحدها كفاية.»
بعد دقائق، دخل القاضي حسن الدسوقي، وبدأت الجلسة.
وقف المحامي عادل الشربيني، وحاول يتمسك بالطلب الأصلي.
قال:
«سيادة القاضي، الأسرة ما زالت ترى أن الآنسة سلمى تحتاج إلى إشراف مالي مؤقت، ونطلب منحهم فرصة إضافية لتقديم ما يثبت مخاوفهم.»
القاضي بص له وقال:
«المحكمة منحتكم الفرصة بالفعل. وحتى الآن، لم تقدموا دليلًا موثوقًا يثبت أن الآنسة سلمى غير قادرة على إدارة أموالها أو اتخاذ قراراتها.»
ثم أضاف:
«بل إن بعض المستندات التي قدمتموها أثارت تساؤلات جدية حول مصدرها ودقتها.»
ليلى وقفت.
«سيادة القاضي، عندنا مستندات إضافية تتعلق بالمراسلات التي أشرت إليها في الجلسة السابقة، ونطلب ضمها إلى ملف القضية.»
سمح لها القاضي بتقديم المستندات.
وضعت ليلى مجموعة أوراق أمامه، موضحة أن بعضها عبارة عن مراسلات جرى الحصول عليها من خلال الإجراءات القانونية، وأنها تطلب فحصها ومقارنتها بالمستندات المالية المقدمة من الطرف الآخر.
بدأ القاضي يقرأ.
ثم توقف عند رسالة محددة.
كانت الرسالة موجهة من شريف إلى شخص يعمل في مجال الخدمات المالية، قبل رفع القضية بأسابيع قليلة.
وجاء فيها، بحسب النسخة المقدمة للمحكمة، أن الحصول على صلاحية إدارة أصول سلمى من شأنه أن يسهّل اتخاذ قرارات مالية نيابة عنها.
لم تكن الرسالة وحدها كافية لإثبات ارتكاب مخالفة، لكن توقيتها، وعلاقتها بطلب الوصاية، جعلَا القاضي يطلب تفسيرًا واضحًا.
رفع رأسه وقال:
«السيد شريف منصور، هل أرسلت هذه الرسالة؟»
شريف وقف، وحاول الحفاظ على هدوئه.
«أنا محتاج أراجع الرسالة كاملة يا سيادة القاضي. ممكن تكون خارج سياقها.»
القاضي رد:
«وده حقك. لكنك مطالب بتوضيح علاقتها بالمستندات اللي قدمتها بنفسك.»
ثم سأله:
«هل كان هدفك من تقديم التقرير المالي إثبات وجود ديون محددة، أم التوصية بمنح شخص آخر سلطة إدارة أموال سلمى؟»
شريف سكت للحظات.
ثم قال:
«كنت بحاول أحمي الأسرة من أزمة مالية محتملة.»
القاضي لم يقتنع بالإجابة.
«حماية الأسرة لا تبرر تقديم معلومات غير متحقق منها، ولا تكفي وحدها لتجريد شخص بالغ من حقوقه القانونية.»
في اللحظة دي، طلبت ليلى الإذن بتقديم مستند أخير.
كان عبارة عن إفادة مصرفية رسمية حديثة، توضح حالة الحساب الذي ظهر في المستندات المقدمة ضدّي.
قرأ القاضي الإفادة بعناية.
ثم سألني:
«آنسة سلمى، هل الحساب ده حسابك بالفعل؟»
قلت:
«أيوه يا سيادة القاضي، الحساب كان باسمي فعلًا، لكنه كان متوقفًا عن الاستخدام لفترة طويلة.»
«وهل حصلتِ على أي قروض بضمانه أو بضمان استثماراتك، حسبما ورد في المستندات المقدمة ضدك؟»
«لا. ما أخدتش القروض دي، وما فوضتش شريف إنه يتعامل باسمي.»
أشارت ليلى إلى أن الإفادة المصرفية لا تُظهر الالتزامات المزعومة بالطريقة الواردة في التقرير الذي قدمه شريف، وأن المستندات الأصلية لم تثبت وجود الديون التي استندت إليها الأسرة في طلبها.
القاضي وضع الإفادة بجانب باقي الأوراق، ثم قال:
«إذن، لا يوجد حتى الآن دليل موثوق يدعم الادعاء بأن سلمى مهددة بفقدان شقتها أو أنها عاجزة عن إدارة أموالها.»
في اللحظة دي، شريف فقد أعصابه.
قال بصوت مرتفع:
«ده مش معناه إني زورت حاجة! أنا كنت بعتمد على المعلومات اللي وصلت لي!»
ردت ليلى بهدوء:




