روايات وقصص

الجزء الثاني والاخير

الجزء الثاني والاخير القائد حسام الشافعي كان لسه ساندني بإيده، بينما اتنين من أفراد الشرطة العسكرية قربوا من نادية، اللي بدأت ملامحها تتغير أول ما فهمت إن الموضوع مش هيعدّي زي أي خناقة عائلية.
صرخت وهي بتشاور ناحيتي: «إنتوا بتعملوا إيه؟! دي بنت مش محترمة، وهي اللي استفزتني! أنا مرات أبوها، ومحدش له حق يتدخل بيني وبينها!»

لكن القائد حسام ما بصّش لها حتى.
وجّه كلامه لأحد أفراد الشرطة العسكرية وقال بحزم:
«خدوا الكرسي ده كدليل، واطلبوا الإسعاف فورًا. محدش يغادر القاعة قبل ما تتسجل أقوال الشهود.»
وبعدين بص لي وسألني بصوت هادي:
«تقدري تستحملي شوية يا بنتي؟ الإسعاف في الطريق.»
هزيت راسي بصعوبة، وأنا بحاول أمنع دموعي من النزول.
قلت له بصوت متقطع:
«أنا كويسة يا فندم… بس دراعي بيوجعني جدًا.»
بص لي بحزن واضح وقال:
«إنتِ مش مطالبة تثبتي إنك قوية في اللحظة دي. إنتِ عملتي أكتر من كفاية.»
الكلمات دي كانت بسيطة، لكنها خلتني أحس لأول مرة من سنين إن فيه حد شايفني فعلًا.
حد مش بيبص ليا باعتباري عبء على عيلتي، ولا بيقارنني بابنته المفضلة، ولا بيحاول يقلل من أي إنجاز أحققه.
حد شايف تعبي وتضحياتي.
وفجأة، صوت نادية ارتفع من جديد.
«إنتوا فاكرين نفسكم مين عشان تعاملوني بالطريقة دي؟! أنا هكلم محامي، وهخليكم كلكم تندموا على اللي بتعملوه!»
المرة دي، القائد لف ناحيتها ببطء.
وقال جملة واحدة خلتها تسكت لحظات.
«قبل ما تهددي أي حد، الأفضل تسألي نفسك: إنتِ ضربتي مين بالظبط؟»
ضحك كريم، أخويا من مرات أبويا، ضحكة قصيرة وقال باستهزاء:
«يا فندم، دي مجرد بنت من عيلتنا. حضرتك مكبّر الموضوع ليه؟»
القائد بص له نظرة حادة.
«مجرد بنت؟»
وبعدين أشار للميدالية المعلقة على صدري، اللي كانت لسه موجودة رغم وقوع الكرسي وضربته العنيفة.
«إنت تعرف الميدالية دي معناها إيه؟ تعرف صاحبتها عملت إيه عشان تستحقها؟»
كريم سكت، لكن نادية ردت بسرعة:
«كل الحكاية إنها كانت بتؤدي شغلها! مش معنى إنها راحت الجيش إنها بقت أحسن مننا!»
القائد أومأ برأسه ببطء.
«صحيح. الزي العسكري مش بيخلي صاحبه أفضل من أي إنسان. لكنه كمان مش بيدي لأي حد الحق إنه يهين اللي لابسه أو يعتدي عليه.»
وبعدين أشار للشرطة العسكرية.
«نفّذوا الإجراءات القانونية.»
اقترب أحد الضباط من نادية وطلب منها تسلّم الكرسي وترافقه للتحقيق.
لأول مرة، شفت الخوف الحقيقي في عينيها.
لكن اللي صدمني أكتر كان رد فعل أبويا.
قام أخيرًا من مكانه، لكنه ما جاش ناحيتي.
راح ناحية القائد بسرعة وقال:
«يا سيادة الفريق، أرجوك، خلينا نحل الموضوع بين العيلة. نادية كانت متعصبة شوية، وهي ما كانتش تقصد تكسر دراعها. البنت أصلًا عنيدة، وإنت عارف إن المشاكل العائلية بتحصل.»
بصيت لأبويا، وأنا مش مصدقة اللي بسمعه.
حتى بعد اللي حصل، كان لسه بيحاول يحميها.
ما سألنيش إذا كنت قادرة أتحرك.
ما سألنيش إذا كنت محتاجة حاجة.
كل اللي شاغله إن سمعة العيلة ما تتأثرش.
القائد رد عليه بنبرة حاسمة:
«اللي حصل مش خلاف عائلي يا أستاذ محمود. فيه اعتداء حصل قدام شهود، وفيه إصابة واضحة. التحقيق هو اللي هيحدد المسؤولية، مش رغبتك في إن الموضوع يختفي.»
أبويا حاول يتكلم، لكن القائد رفع إيده يوقفه.
«وعلى فكرة، أنا مش هسمح لأي شخص يستخدم مكانته أو علاقاته عشان يضغط على المصابة أو الشهود.»
في اللحظة دي، وصلت سيارة الإسعاف، ودخل المسعفون بسرعة.
واحد منهم فحص دراعي بحذر، وبعدها طلب مني ما أحركوش نهائيًا.
ثبتوا ذراعي بجبيرة مؤقتة، وساعدوني أقف على النقالة.
وأنا خارجة من القاعة، عيني وقعت على أبويا للمرة الأخيرة.
كان واقف في مكانه، وشه شاحب، وإيده بتتحرك بعصبية.
أما نادية، فكانت بتجادل أفراد الشرطة العسكرية، وكريم واقف جنبها، وقد اختفت الضحكة من وشه تمامًا.
ما قلتش لأي واحد فيهم كلمة.
ما كنتش محتاجة أصرخ أو أهدد.
لأن فيه حقيقة واحدة بدأت أفهمها أخيرًا.
مش كل معركة بتكسبها لما ترد الضربة، أحيانًا بتكسبها لما تبطل تسمح للي آذاك إنه يتحكم في حياتك.
بعد حوالي ساعة، كنت في مستشفى عسكري بالقاهرة.
الأشعة أكدت إن دراعي الشمال فيه كسر، وإنّي محتاجة تثبيت وعلاج ومتابعة طبية.
الألم كان شديد، لكن الأصعب كان الإحساس اللي جوايا.
كنت فاكرة إن يوم استلام الميدالية هيكون نهاية فترة طويلة من التعب، وإنّي أخيرًا هقدر أرجع لحياتي وأنا رافعة راسي.
لكن بدل ما أحتفل، لقيت نفسي في المستشفى، وبفكر في كل مرة سكتّ فيها على إهانة من نادية، وكل مرة أبويا طلب مني أعدّي الموقف عشان خاطر العيلة.
بعد ما الدكتور خلص الفحص، دخل القائد حسام الأوضة.
كان شايل ملفًا بني اللون، وفي إيده التانية ظرف رسمي مختوم.
وقف جنبي وقال:
«طمنيني عليكِ الأول. الدكتور قال إنك هتحتاجي فترة علاج، لكن الحمد لله الإصابة اتلحقت بسرعة.»
شكرته، وبعدها سألته السؤال اللي كان شاغلني:
«يا فندم، هو حضرتك كنت تعرف نادية قبل النهارده؟»
هز رأسه.
«لا. أنا شفتها لأول مرة في الحفل.»
استغربت أكتر.
«أمال ليه حسيت إن حضرتك عارف عني حاجات كتير؟»
سحب كرسي وقعد جنبي.
فتح الملف البني، وطلع منه مجموعة أوراق.
وقال:
«لأن فيه حاجات كتير عنك لازم تعرفيها، وحان الوقت إنك تسمعيها بنفسك.»
بصيت للأوراق، لكن ما قدرتش أقرأ العناوين بوضوح.
فقال:
«قبل ما أتكلم، عايزك تجاوبيني عن سؤال واحد. إنتِ تعرفي ليه اترشحتي لاستلام الميدالية النهارده بنفسك، رغم إن فيه ناس تانية كانت مؤهلة إنها تحضر الحفل؟»
قلت:
«اتقال لي إن الترشيح جه من القيادة بسبب المهمة اللي شاركت فيها.»
ابتسم ابتسامة خفيفة.
«ده صحيح، لكنه مش كل الحقيقة.»
فتح أول ورقة وبدأ يقرأ بعض التفاصيل عن مهمتي العسكرية، وعن تصرفي وقت ما اتعرضت مجموعة من زملائي للخطر.

السابق1 من 4
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى