روايات وقصص

الجزء الثاني والاخير

كنت فاكرة إن كل اللي عملته معروف بالفعل.
لكن القائد وضّح لي إن التقرير الرسمي وثّق تفاصيل ما كنتش أعرف إن القيادة تابعتها بالدقة دي.
وبعدين قال:
«اللي حصل منك وقتها ما كانش مجرد تنفيذ أوامر. كان قرار صعب، وإنتِ تحملتي مسؤوليته، وفضلتي تحاولي تساعدي زملاءك رغم إنك كنتِ مصابة.»
وطّى صوته قليلًا وأضاف:
«وعشان كده، تكريمك النهارده ما كانش مجاملة من حد. إنتِ استحقيتيه بعملك.»
حسيت بغصة في حلقي.
طول حياتي، كنت بسمع من نادية إني فاشلة، وإن كل نجاح أحققه مجرد حظ، وإن وجودي في الجيش مش أكتر من محاولة لإثبات نفسي.
حتى أبويا كان دايمًا بيقلل من إنجازاتي، وكأنه خايف أكون يومًا أفضل من الصورة اللي رسمها لي.
لكن القائد ما كانش بيجاملني.
كان بيتكلم عن تقارير رسمية، وشهادات، ووقائع موثقة.
وبعدين حط الورقة على الطاولة، وبص لي مباشرة.
«لكن فيه حاجة تانية، ودي اللي خلتني أطلب إنك تحضري الحفل بنفسك.»
سكت لحظة، وبعدها قال:
«إنتِ تعرفي إن فيه توصية رسمية صدرت بخصوص مستقبلك في المؤسسة العسكرية؟»
هزيت راسي بالنفي.
ابتسم، وقال:
«بعد مراجعة سجل خدمتك، فيه ترشيح لمسؤولية أكبر، لكن القرار النهائي لسه ما صدرش. وده موضوع هيتناقش في وقته، بعيدًا عن اللي حصل النهارده.»
وبعدين أشار للظرف المختوم.
«أما الظرف ده، ففيه مستندات تخص واقعة قديمة مرتبطة بعيلتك. قبل ما أشرح لك أي حاجة، لازم تعرفي إنك مش مطالبة توافقي على أي إجراء، وإن من حقك تستشيري محامي مستقل.»
بصيت للظرف، وحسيت إن قلبي بيدق أسرع.
سألته:
«إيه علاقة عيلتي بالموضوع ده؟»
القائد أخد نفسًا عميقًا، وقال:
«لأن اسم والدك ظهر في ملف قديم أثناء مراجعة إدارية، والملف ده كشف معلومات محتاجة تتراجع قانونيًا. وأنا مش هحكم على أي حد قبل ما الحقائق تتأكد.»
في اللحظة دي، موبايل الأوضة رن.
كانت الممرضة بتبلغني إن فيه زائر وصل وبيطلب يشوفني.
سألتها عن اسمه.
قالت:
«والدك، يا فندم.»
بصيت للقائد، وبعدها للباب.
ولأول مرة من سنين، ما حسيتش إني مضطرة أستقبل أبويا لمجرد إنه أبويا.
قلت للممرضة بهدوء:
«من فضلك، اديله خمس دقايق يستنى بره.»
وبعدين رجعت بصيت للقائد حسام.
«يا فندم، أنا عايزة أعرف الحقيقة كلها… حتى لو كانت أصعب من اللي حصل النهارده.»
القائد قفل الملف ببطء، وقال:
«يبقى لازم نبدأ من أول ورقة.»
لكن قبل ما يفتح الظرف المختوم، ظهر على موبايله اتصال من ضابط التحقيق، وكانت أول جملة سمعها كفيلة إنها تغيّر اتجاه القضية بالكامل…
يتبع في الجزء القادم…

الجزء الثالث: الملف السري اللي كشف حقيقة أبويا
القائد حسام الشافعي بص للموبايل، ورد على الاتصال.
«اتفضل يا مقدم، فيه جديد؟»
سمعت صوت الضابط من الناحية التانية، لكنه كان واطي لدرجة إني ما قدرتش أميز كل الكلام.
القائد فضل ساكت وهو بيسمع، وبعد ثواني اتغيرت ملامحه.
قال بجدية:
«إنت متأكد من المعلومة دي؟ راجع المستندات مرة تانية، وماتاخدش أي إجراء قبل ما نتأكد من صحتها.»
أنهى المكالمة، وحط الموبايل على الطاولة.
سألته بقلق:
«فيه إيه يا فندم؟ الموضوع له علاقة بنادية؟»
رد بهدوء:
«له علاقة بالتحقيق، لكن مش عايزك تستنتجي حاجة قبل ما نراجع الأدلة. كل اللي أقدر أقوله لك دلوقتي إن فيه مستند قديم ظهر أثناء مراجعة ملف مالي مرتبط بوالدك، ولازم نعرف ظروفه ومصدره.»
حسيت إن الأرض بتتهز من تحتي.
أبويا؟ ملف مالي؟ مستندات قديمة؟
أنا عمري ما كنت مهتمة بفلوسه، ولا طلبت منه أي حاجة. من يوم ما دخلت الجيش وأنا بعتمد على نفسي، وبصرف على احتياجاتي من مرتبي.
لكن فجأة، بقيت حاسة إن فيه حاجات كتير حصلت في بيتنا وأنا ما كنتش أعرف عنها أي حاجة.
قبل ما أقدر أسأله سؤال تاني، الباب اتفتح.
دخل أبويا محمود.
كان وشه مرهق، وعينيه بتتحرك بيني وبين القائد، كأنه بيحاول يفهم إحنا اتكلمنا في إيه.
قرب مني وقال:
«إنتِ عاملة إيه يا بنتي؟ طمنيني عليكِ.»
بصيت له من غير ما أرد.
السؤال اللي كان نفسي أسمعه منه من سنين هو: «مين زعلك؟ ومين أذاك؟»
لكن حتى دلوقتي، بعد ما دراعي اتكسر قدام مئات الناس، كان بيبدأ كلامه بطريقة عادية، كأننا بنتقابل بعد يوم شغل طويل.
حاول يمسك إيدي السليمة، لكني سحبتها بهدوء.
وقف مكانه، واتنهد.
«بصي يا بنتي، أنا عارف إن اللي حصل النهارده كان غلط، لكن نادية كانت متعصبة، وإنتِ عارفاها. خلينا نعدّي الموضوع، ونرجع البيت لما الدكتور يسمح لك.»
بصيت له في عينيه وسألته:
«ترجعني البيت ليه يا بابا؟ عشان نادية تعتذرلي، ولا عشان أرجع أسمع إني السبب في كل حاجة؟»
اتلخبط.
«أنا ما قلتش كده.»
قلت له بصوت هادي، لكنه كان مليان وجع:
«إنت ما قلتش، لكنك عملت كده كل مرة سكتّ فيها وهي بتهيني. كل مرة كانت بتقلل مني، كنت بتطلب مني أستحمل. وكل مرة كانت بتغلط في حقي، كنت بتقول لي عشان خاطر البيت.»
وطّيت عيني للحظة، وبعدين كملت:
«النهارده كسرت دراعي، وإنت كنت شايف. ومع ذلك، أول حاجة فكرت فيها كانت إزاي تنقذها من العواقب.»
أبويا ما ردش.
القائد حسام اتدخل وقال:
«يا أستاذ محمود، بنتك محتاجة راحة وعلاج. وأي كلام عن الواقعة لازم يكون من خلال الإجراءات الرسمية.»
أبويا بص له بضيق.
«مع احترامى لحضرتك، دي مشكلة عائلية، وأنا أبوها.»
القائد رد بثبات:
«وكونك أبوها ما يمنعش إنها من حقها تتحمى من أي اعتداء، حتى لو الشخص المعتدي من العيلة.»
الجملة دي خلت أبويا يسكت تمامًا.
وبعد لحظات، بص للقائد وقال:
«هو حضرتك بتتكلم عن إيه بالظبط؟ سمعت إن فيه ملف قديم اتفتح.»
القائد ما جاوبش فورًا.
بص لي الأول، وكأنه بيتأكد إني مستعدة أسمع الكلام اللي جاي.
وبعدين قال:
«فيه مستندات ظهرت أثناء مراجعة إدارية، واسم حضرتك موجود فيها. لسه بنراجع صحتها وسياقها، ومش هنتهم أي حد من غير دليل.»
وش أبويا اتغير.
مش تغيير بسيط، ولا مجرد قلق من إن اسمه يظهر في تحقيق.
لأ.
كان فيه خوف واضح في عينيه.
خوف حاول يخفيه بسرعة، لكنه ما قدرش.
سأل بصوت متوتر:
«مين اللي قال لكم الكلام ده؟»
القائد رد:
«الأدلة هي اللي هتحدد الحقيقة، مش أسماء الأشخاص.»
أبويا بص لي فجأة.
«إنتِ مالكش دعوة بالموضوع ده يا بنتي. خليكي في علاجك، وأنا هتصرف.»
في اللحظة دي، فهمت إنه مش بس عايزني أرجع البيت.
هو كمان مش عايزني أعرف إيه الموجود في الملف.
ولأول مرة، رفضت أطيعه لمجرد إنه أبويا.
قلت له:
«لا يا بابا. لو فيه حاجة تخصني أو تخص مستقبلي، فمن حقي أعرفها.»
هز راسة بعصبية.
«إنتِ مش فاهمة اللي بيحصل.»
رديت:
«يبقى فهمني.»
لكنه ما اتكلمش.
بعد حوالي عشر دقايق، استأذن القائد حسام وخرج يتابع الإجراءات، وسابني أرتاح شوية.
أبويا فضل واقف جنب الباب.
كان واضح إنه عايز يقول حاجة، لكنه مش عارف يبدأ منين.
وأخيرًا، قال:
«نادية غلطت، وأنا هخليها تعتذرلك.»
ابتسمت ابتسامة حزينة.
«أنا مش مستنية اعتذارها يا بابا.»
«أمال مستنية إيه؟»
بصيت له وقلت:
«كنت مستنية أب يشوف بنته بتتألم ويقف جنبها. مش أب يستنى لحد ما الناس تتدخل عشان يتحرك.»
الكلام نزل عليه تقيل.
قعد على الكرسي المقابل لسريري، وحط إيده على وشه.
للحظة، حسيت إني عايزة أصدقه، وعايزة أفتكر الأيام القديمة قبل ما نادية تدخل حياتنا وتتحول كل حاجة بينا لصراع مستمر.
لكن الذكريات ما كانتش كفاية تمسح اللي حصل.
بعد شوية، قام وقال إنه هيرجع البيت.
ما طلبتش منه يفضل.
ولما خرج، حسيت بحزن كبير، لكن كان فيه إحساس جديد بدأ يظهر جوايا.
إحساس إني مش مضطرة أفضل أستنى منه حاجة يمكن عمره ما يقدر يديهالي.
في صباح اليوم التالي، رجع القائد حسام للمستشفى ومعاه ضابط التحقيق.
كان اسمه المقدم شريف منصور.
رحب بيا، وشرح لي إنهم جمعوا أقوال عدد من الشهود اللي حضروا الحفل، وإن الواقعة نفسها موثقة في تسجيلات القاعة.
وبعدين قال:
«إحنا مش جايين نضغط عليكِ في أي اتجاه. إحنا عايزين نسمع منك اللي حصل، ونتأكد إن أقوالك اتسجلت بدقة.»
حكيت له كل التفاصيل، من لحظة ما سندت القائد لحد ما نادية ضربتني بالكرسي.
ولما وصلت لجزء أبويا، سألني:
«والدك حاول يمنع الاعتداء؟»
سكت لحظة.
كان نفسي أقول إنه حاول.
كان نفسي أحكي رواية تخفف عني الإحساس بالخذلان.
لكن الحقيقة كانت واضحة.
قلت:

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى