
«لأ. كان موجود، وشاف كل حاجة، لكنه ما تدخلش.»
المقدم شريف كتب ملاحظاته، وبعدها فتح ملفًا آخر.
قال:
«فيه نقطة تانية لازم نوضحها. أثناء مراجعة أوراق قديمة تخص والدك، ظهر مستند له علاقة بمؤسسة خيرية كانت بتدعم أسر أفراد القوات المسلحة.»
استغربت.
«مؤسسة خيرية؟»
أومأ برأسه.
«أيوه. من حوالي عشر سنين، كان فيه مبلغ مخصص لدعم أسرتكم، بناءً على بيانات اتقدمت وقتها. لكن فيه اختلافات في بعض الأوراق، وده سبب مراجعتها.»
بصيت له بعدم فهم.
«إحنا ما كناش محتاجين مساعدة بالشكل ده. وأبويا كان شغال، وأنا كنت لسه صغيرة.»
رد بحذر:
«إحنا لسه بنتحقق من التفاصيل. ما نقدرش نقول إن فيه مخالفة قبل ما نراجع كل المستندات ونعرف مين قدمها وإيه اللي حصل للمبلغ.»
القائد حسام اتكلم للمرة الأولى:
«الأهم دلوقتي إننا ما نخلطش بين الواقعة اللي حصلت في الحفل وبين الملف المالي. كل موضوع هيتراجع بشكل مستقل، وكل شخص هياخد حقه في الرد.»
وافقت برأسي.
كنت عايزة أعرف الحقيقة، لكن ما كنتش عايزة أظلم حد، حتى أبويا.
المقدم شريف قفل الملف، وبعدها طلع صورة من مستند قديم.
كان فيه اسم أبويا كاملًا، وتوقيع في آخر الصفحة.
لكن اللي شد انتباهي مش التوقيع.
كان اسم الشخص المذكور باعتباره المستفيد الأساسي من الدعم.
اسمي أنا.
فضلت أبص للصورة، وأنا بحاول أستوعب اللي قدامي.
قلت بصوت خافت:
«يعني المبلغ ده كان مخصص ليا؟»
المقدم شريف رد:
«بحسب المستند الموجود، أيوه. لكن لسه لازم نتأكد من قيمة المبلغ، وطريقة صرفه، وهل وصل للمستفيد فعلًا ولا لأ.»
حسيت ببرودة في أطراف جسمي.
أنا ما كنتش أعرف إن فيه دعم اتخصص ليا أصلًا.
ولا مرة أبويا قال لي إن فيه مؤسسة ساعدتني، ولا إن فيه مبلغ اتصرف باسمي.
والأغرب إني افتكرت فجأة حاجة حصلت وأنا عندي حوالي سبعتاشر سنة.
في الوقت ده، كنت مقدمة على برنامج تدريب عسكري، وكنت محتاجة مصاريف انتقال وتجهيزات بسيطة.
طلبت من أبويا يساعدني، لكنه رفض وقال لي إنه مش هيصرف فلوس على حاجة مش مضمونة.
اضطریت وقتها أشتغل في الإجازة وأجمع المبلغ بنفسي.
كنت فاكرة إن ده كان مجرد موقف من مواقف كتير اتعلمت فيها أعتمد على نفسي.
لكن دلوقتي، وأنا ببص لاسم المستفيد على الورقة، بدأت أسأل نفسي أسئلة ما كنتش أتخيل إني هسألها يومًا.
هل كان المبلغ ده موجود فعلًا وقتها؟
هل كان أبويا يعرف عنه؟
ولو كان يعرف، ليه ما قالش لي؟
المقدم شريف لاحظ إن إيدي بدأت ترتعش، فقال:
«خدي وقتك. إحنا مش محتاجين إجابة منك دلوقتي.»
هزيت راسي، وحطيت الصورة على الطاولة.
وبعدين سألته:
«هل نادية ليها علاقة بالموضوع ده؟»
رد:
«اسمها ظهر في ورقة تانية، لكن وجود الاسم وحده نش دليل على أي مخالفة. لازم نراجع دور كل شخص بدقة.»
في اللحظة دي، موبايل المقدم رن.
رد، وسمع كام جملة، وبعدها طلب نسخة من مستند معين.
أنهى المكالمة، وبص للقائد حسام.
«وصلتنا إفادة جديدة من الجهة اللي كانت مسؤولة عن الدعم. فيه سجل قديم محتاجين نقارنه بالأوراق اللي عندنا.»
القائد سأله:
«السجل فيه إيه؟»
المقدم شريف رد:
«فيه اسم شخص كان المفروض يستلم المبلغ نيابة عن الأسرة، وتوقيع باستلامه.»
سكت لحظة، ثم أضاف:
«والاسم ده مش اسم والدها.»
بصيت له بصدمة.
«أمال مين؟»
المقدم شريف حط الورقة قدامي، ووجّه صباعه ناحية السطر الأخير.
قرأت الاسم مرة.
وبعدين قرأته مرة تانية.
كان اسم كريم، أخويا من مرات أبويا.
فضلت ساكتة، مش قادرة أربط الأحداث ببعضها.
كريم كان لسه طفل وقتها، أصغر مني بسنين، فإزاي يكون اسمه موجود في مستند رسمي بالشكل ده؟
القائد حسام قال بحزم:
«لازم نتأكد من تاريخ المستند، وصفة الشخص اللي وقّع، وهل التوقيع حقيقي ولا لأ.»
المقدم شريف أومأ برأسه، ثم جمع الأوراق.
وقبل ما يمشي، قال لي:
«فيه حاجة مهمة لازم تعرفيها. إحنا مش بنفترض إن حد مذنب. لكن لو ثبت إن فيه أموال اتصرفت بطريقة غير قانونية، فالموضوع هيتحول للجهة المختصة.»
بعد خروجهم، فضلت لوحدي في الأوضة.
كنت بحاول أستوعب إن الشخص اللي ضحك وأنا واقعة على الأرض، واللي شاف أمه وهي بتضربني من غير ما يحاول يمنعها، ممكن يكون اسمه موجود في قصة قديمة ما كنتش أعرف عنها أي حاجة.
لكن كان فيه سؤال أكبر من كل ده.
ليه أبويا كان خايف أول ما عرف إن الملف القديم اتفتح؟
وليه نادية، اللي طول عمرها بتعاملني كأني أقل من ابنها، كانت مصممة إنها تخليني أحس إني ما استحقش أي حاجة؟
بعد ساعات، وصلني اتصال من رقم غير مسجل.
رديت بحذر.
سمعت صوت كريم.
كان بيتكلم بسرعة، وكأنه خايف حد يسمعه.
قال:
«اسمعيني كويس. أنا عارف إنك زعلانة مني بسبب اللي حصل في الحفل، وعارف إني غلطت لما ضحكت.»
ما رديتش.
كمل بصوت متوتر:
«بس فيه حاجة لازم تعرفيها قبل ما المحققين يسألوني عنها.»
اعتدلت في السرير، رغم الألم اللي في دراعي.
سألته:
«إيه هي؟»
سكت ثواني، ثم قال:
«أمي مش خايفة من التحقيق بسبب اللي عملته في الحفل بس. هي خايفة عشان الورق القديم اللي عند بابا.»
قلبي بدأ يدق بسرعة.
«إنت تعرف إيه عن الورق ده يا كريم؟»
جاء صوته أضعف من الأول.
«أنا كنت صغير وقتها، بس فاكر إن بابا كان بيطلب مني أوقّع على ورق من غير ما أفهم هو إيه. وأمي قالت لي بعد كده إن الموضوع لازم يفضل سر بيننا.»
اتجمدت مكاني.
وقبل ما أقدر أسأله أي سؤال تاني، قال جملة واحدة قلبت كل الاحتمالات في دماغي:
«فيه نسخة من الورق عند أمي، ولو لقتها الشرطة، هتعرف مين اللي استلم الفلوس فعلًا… بس الأهم إن الورقة دي ممكن تثبت إن بابا كان بيخبي عنك الحقيقة من سنين.»
وفجأة، سمعت صوت نادية في خلفية المكالمة وهي بتصرخ:
«كريم! إنت بتكلم مين؟!»
وبعدها الخط اتقفل.
فضلت ماسكة الموبايل، وعيني على الباب، وأنا عارفة إن اللي جاي مش مجرد خلاف عائلي.
لأن الحقيقة اللي بدأت تظهر من ملف قديم، ممكن تغيّر كل حاجة كنت فاهمها عن أبويا ونادية والكريم… وعن حياتي أنا كمان.
يتبع…
الجزء الرابع والأخير: الحقيقة اللي خلت أبويا يواجه نفسه لأول مرة
فضلت باصة للموبايل بعد ما المكالمة اتقطعت، وأنا بحاول أستوعب كلام كريم.
طول عمري كنت فاكرة إن مشكلتي الأساسية هي نادية، وإن أبويا مجرد راجل ضعيف مش قادر يوقفها عند حدها.
لكن دلوقتي، بدأت أشك إن الحكاية أكبر من مجرد زوجة أب بتكره بنت جوزها.
كان فيه سر قديم، وفلوس اتصرفت باسمي، وأوراق محدش كان عايزني أشوفها.
والأغرب إن كريم نفسه، رغم إنه شارك في إهانتي وضحك عليّ وأنا واقعة على الأرض، بدأ يخاف من حاجة كان مخبيها سنين.
ضغطت على زر الاتصال بالقائد حسام، وحكيت له كل اللي قاله كريم.
سمعني للآخر، وبعدها قال:
«ما تحاوليش تواجهي حد بنفسك. سيبي التحقيق ياخد مجراه، وإحنا هنتعامل مع الموضوع من خلال الجهات المختصة.»
وافقت، وقفلت المكالمة.
لكن قبل ما أقدر أرتاح، باب الأوضة اتفتح، ودخل المقدم شريف منصور.
كان معاه ملف جديد، وملامحه جدية.
قال:
«وصلنا لتفاصيل إضافية من الجهة اللي كانت مسؤولة عن الدعم المالي. وعايزين نوضح لك بعض النقاط.»
قعد على الكرسي المقابل لسريري، وفتح الملف.
«من حوالي عشر سنين، اتقدم طلب للحصول على مساعدة مالية لأسرتكم. الطلب كان باسمك بصفتك ابنة أحد أفراد أسرة عسكرية، والمبلغ كان مخصص لتغطية احتياجات مرتبطة بدراستك وتأهيلك.»
سألته:
«والمبلغ ده راح فين؟»
رد:
«السجلات الأولية بتشير إن المبلغ اتصرف بالفعل، لكن لسه بنراجع مين استلمه، وبأي صفة. فيه مستند بيحمل اسم أخوكي، لكن لازم نتأكد من ظروف التوقيع وصحة الأوراق.»
بصيت له وقلت:
«كريم قال لي إنه كان صغير، وإن بابا كان بيطلب منه يوقّع على ورق من غير ما يفهم.»
المقدم شريف دوّن المعلومة، وبعدها قال:
«هنراجع أقواله، وهنطلب المستندات الأصلية. مش هنعتبر أي كلام دليل نهائي قبل ما نتحقق منه.»
كان كلامه منطقي، وده طمّنني شوية.
أنا ما كنتش عايزة أنتقم من عيلتي، ولا كنت عايزة أشوف حد بيتعاقب ظلم.
كل اللي كنت عايزاه هو أعرف الحقيقة، وأفهم ليه اتعاملوا معايا بالطريقة دي طول السنين.
في نفس اليوم، اتطلب من أبويا الحضور لسماع أقواله بخصوص المستندات القديمة.
ونادية كمان اتطلب منها تقديم أي أوراق متعلقة بالموضوع.
أما واقعة الاعتداء في الحفل، فكان ليها تحقيق مستقل، خصوصًا إن فيه تسجيلات وشهود أكدوا اللي حصل.
بعد ساعات، جالي اتصال من أبويا.
المرة دي، ما بدأش كلامه بطلب إني أتنازل، ولا قال لي إن نادية كانت متعصبة.
كان صوته متعبًا.
قال:
«ممكن أشوفك يا بنتي؟ محتاج أتكلم معاكي.»
سكت لحظة، ثم قلت:
«لو عندك حاجة تقولها، قولها يا بابا.»
رد بصوت مكسور:
«مش هقدر أشرح كل حاجه في التليفون.»
وافقت أقابله بعد ما المقدم شريف أكد لي إن مفيش مانع، وإن الأفضل إن أي معلومات تخص التحقيق تتقال من خلال الإجراءات الرسمية.




