روايات وقصص

الجزء الثاني والاخير

بعد شوية، دخل أبويا الأوضة.
كان مختلفًا عن الرجل اللي شفته في قاعة التكريم.
كتافه نازلة، وشعره باين عليه التعب، وعينيه مليانة قلق.
قعد جنبي، وفضل ساكت وقت طويل.
وبعدين قال:
«أنا عارف إنك مش هتسامحيني بسهولة.»
بصيت له وقلت:
«أنا مش عارفة إذا كنت هقدر أسامحك ولا لأ. لكن عايزة أعرف الحقيقة.»
حط إيديه على ركبتيه، وأخد نفسًا عميقًا.
«لما اتقدم طلب المساعدة من سنين، كنت أنا المسؤول عن متابعة الورق. المبلغ اتصرف، لكن بدل ما أستخدمه في الغرض المخصص ليه، استخدمت جزءًا منه في مصاريف البيت، وكان فيه التزامات مالية عليّ وقتها.»
سألته:
«وكنت تعرف إن الفلوس مخصصة ليا؟»
هز رأسه ببطء.
«أيوه.»
حسيت كأن حاجة تقيلة وقعت على صدري.
قلت:
«يعني كنت عارف إن فيه فلوس مخصصة لدراستي ومستقبلي، ومع ذلك لما طلبت منك تساعدني في التدريب، قلت لي إنك مش هتصرف فلوس على حاجة مش مضمونة؟»
وطّى رأسه.
«أيوه.»
لأول مرة، ما حاولش يبرر.
ما قالش إن الظروف كانت صعبة، ولا إن نادية هي السبب، ولا إن الموضوع كان بسيطًا.
فضل ساكت، وأنا كنت بحاول أمنع نفسي من البكاء.
سألته:
«وكريم؟ إيه علاقته بالموضوع؟»
رد:
«كان صغير، ونادية كانت بتساعدني في ترتيب بعض الأوراق. اسمه ظهر في سجل استلام مستندات، لكن أنا اللي كنت مسؤول عن المبلغ.»
سألته بحدة:
«ونادية كانت عارفة؟»
اتردد قبل ما يرد.
«كانت عارفة إن فيه مساعدة اتصرفت، لكن تفاصيل دورها في الموضوع لازم تتراجع من خلال التحقيق.»
بصيت له طويلًا.
حتى في اللحظة دي، كان فيه حاجات لسه مش واضحة.
لكن الأهم إني عرفت إن أبويا نفسه اعترف إنه تصرف في أموال كانت مخصصة ليا من غير ما يقولي.
قلت له:
«إنت عارف إيه أكتر حاجة وجعتني؟ مش الفلوس يا بابا. أنا اشتغلت وتعبت، وقدرت أكمل طريقي بنفسي.»
رفعت عيني له وكملت:
«اللي وجعني إنك كنت عارف إني محتاجة مساعدة، وكنت تقدر تقولي الحقيقة، لكنك اخترت تسيبني أفتكر إني لوحدي، وإن حتى أبويا مش شايف إن مستقبلي يستحق إنه يساعدني.»
بدأت دموعه تنزل.
«أنا غلطت يا بنتي.»
قلت له:
«أيوه، غلطت. وغلطك مش هيتصلح بكلمتين اعتذار. لازم تتحمل مسؤولية اللي حصل.»
هز رأسه.
«هتعاون مع التحقيق، وهقدم كل الأوراق اللي عندي.»
كانت دي أول مرة أسمعه بيتكلم عن تحمل المسؤولية بدل ما يطلب مني أستحمل أنا.
لكن ده ما كانش معناه إن كل حاجة رجعت زي الأول.
لأن بعض الجروح بتحتاج وقت طويل، وبعض العلاقات ما بترجعش لنفس شكلها حتى لو أصحابها ندموا.
بعد يومين، ظهرت تفاصيل إضافية في التحقيق.
اتضح إن المبلغ المالي اتصرف بالفعل، وإن جزءًا منه استُخدم في مصاريف عائلية لا علاقة لها بالغرض الأصلي للمساعدة.
أما المستند اللي حمل اسم كريم، فكان مجرد سجل استلام أوراق، وما كانش كافيًا لوحده لإثبات إنه استلم الأموال أو استفاد منها.
وبعد مراجعة المستندات وسماع الأقوال، اتضح إن مسؤولية متابعة المبلغ كانت تقع أساسًا على أبويا، وإن نادية كانت على علم ببعض التفاصيل، لكن تحديد أي مسؤولية قانونية عليها احتاج إلى أدلة مستقلة.
كريم، من ناحيته، اعترف إنه كان عارف إن فيه أوراق قديمة تخص المساعدة، لكنه أكد إنه ما كانش فاهم طبيعتها وقتها.
أما واقعة الاعتداء، فكانت أدلتها أوضح.
تسجيلات القاعة أظهرت نادية وهي ترفع الكرسي وتضربني به، وشهادات الحاضرين أكدت إنها هي اللي بدأت الاعتداء.
وبناءً على الأدلة، استمرت الإجراءات القانونية المتعلقة بالواقعة، من غير ما يكون فيه أي تنازل مني تحت ضغط عائلي.
لما عرفت النتائج الأولية، ما حسيتش بالانتصار اللي كنت متخيلاه.
حسيت بالحزن.
لأن الحقيقة ساعات بتوجع أكتر من الشك، خصوصًا لما تكتشف إن الناس اللي كنت مستني منهم الحماية كانوا جزءًا من المشكلة.
لكن في الوقت نفسه، حسيت براحة.
على الأقل، ما بقيتش مضطرة أجادل حد عشان يصدقني.
الأدلة كانت بتتكلم.
بعد أسابيع من العلاج، بدأت أقدر أحرك دراعي تدريجيًا، حسب تعليمات الدكتور.
وفي يوم، وصلني خطاب رسمي من القيادة العسكرية بخصوص تكريمي.
كان فيه إشادة بخدمتي، وتأكيد إن الميدالية اللي استلمتها كانت مستحقة بناءً على سجلي والوقائع الموثقة.
القائد حسام زارني في المستشفى قبل ما أخرج، وجاب معاه نسخة من الخطاب.
قال لي مبتسمًا:
«كنت عايز أقول لك إن اللي حصل في الحفل مش هيغيّر حقيقة إنك تستحقي التكريم.»
بصيت للميدالية اللي كانت محفوظة في علبتها، وقلت:
«أنا كنت فاكرة إن أصعب حاجة في حياتي هي إني أثبت نفسي للناس اللي مش مؤمنة بيا.»
رد:
«ومش لازم تفضلي تثبتي نفسك لنفس الناس طول عمرك. أحيانًا، أهم حاجة إنك تعرفي قيمتك بنفسك، وتكملي طريقك.»
الكلام ده فضل في بالي.
لأنني أدركت إن جزءًا كبيرًا من تعبي كان نابعًا من محاولتي المستمرة إني أحصل على اعتراف أبويا.
كنت كل ما أنجح في حاجة، أستنى منه كلمة فخر.
وكل ما أحقق إنجازًا، أستنى إنه يشوفني بشكل مختلف.
لكن في النهاية، اكتشفت إن قيمتي ما كانتش محتاجة موافقته من البداية.
بعد خروجي من المستشفى، طلب أبويا يقابلني مرة أخيرة قبل ما أرجع لوحدتي.
وافقت، لكن اخترت مكانًا عامًا، وطلبت منه إن الكلام يكون واضحًا ومن غير ضغط أو لوم.
قعد قدامي، وقال:
«أنا عارف إنك محتاجة وقت، ومش هطلب منك تسامحيني دلوقتي. أنا هتعاون مع الجهات المختصة في كل اللي يخص المبلغ، وهتحمل نتيجة أي قرار يصدر.»
وبعدين سكت، وأضاف:
«لكن عايزك تعرفي إن سكوتي في الحفل كان أكبر غلطة عملتها في حياتي.»
بصيت له.
«لأ يا بابا. سكوتك النهارده كان نتيجة سنين من السكوت. إنت ما خذلتنيش في لحظة واحدة بس. إنت خذلتني كل مرة كنت بتشوف فيها إني بتأذى، وتختار إنك تحافظ على هدوء البيت بدل ما تحميني.»
نزلت عيني للحظة، ثم كملت:
«أنا مش هقدر أرجع علاقتنا زي الأول بمجرد إنك اعتذرت. لو عايز تصلح اللي حصل، ابدأ بأنك تكون صادق، وتتحمل مسؤوليتك، وتحترم قراري حتى لو ما عجبكش.»
هز رأسه ببطء.
«هحاول.»
ما وعدتوش إني هسامحه.
وما قلتلوش إني مش هسامحه أبدًا.
سيبت الأيام تثبت إذا كان ندمه حقيقيًا، وإذا كان مستعدًا يتغير فعلًا.
أما نادية، فاستمرت الإجراءات القانونية المتعلقة بالاعتداء، وما بقيتش مضطرة أتعامل معاها أو أسمح لها تقرب مني بحجة إنها من العيلة.
وكريم، بعد فترة، بعت لي رسالة قصيرة اعترف فيها إنه غلط لما ضحك، وإنه كان بيحاول يرضي أمه على حسابي.
قرأت الرسالة، لكن ما رديتش فورًا.
لأن الاعتذار بداية، مش نهاية.
والثقة اللي بتتبني على سنين من الصبر، ممكن تنهار في لحظة، وتحتاج وقتًا طويلًا عشان ترجع.
جاء يوم رجوعي للخدمة بعد ما سمح الدكتور بده.
لبست الزي العسكري من جديد، ووقفت قدام المرآة.
دراعي كان لسه محتاج علاج، لكن حالتي اتحسنت، والميدالية كانت موجودة في علبتها جنب السرير.
افتكرت القاعة، وصوت الكرسي وهو بيخبط في دراعي، وضحكة كريم، ونظرة أبويا وهو بيبص لحذائه بدل ما يبص لي.
افتكرت كل ده، لكن المرة دي ما حسيتش إني ضعيفة.
أنا كنت اتأذيت، آه.
واتخذلت، آه.
لكن ما فقدتش نفسي.
وقبل ما أخرج، فتحت علبة الميدالية، وعلقتها على الزي بحرص.
بصيت لنفسي في المرآة وقلت:
«أنا مش هسمح لحد يحدد قيمتي، ولا هفضل طول عمري مستنية اعتراف من شخص اختار ما يشوفنيش.»
خرجت من البيت، وبدأت صفحة جديدة.
ما كانتش صفحة خالية من الألم، لكنها كانت صفحة أقدر فيها أحط حدودًا واضحة، وأختار مين يستحق يكون قريب مني.
وفي أول مناسبة عسكرية حضرتها بعد رجوعي، شفت القائد حسام الشافعي واقف عند مدخل القاعة.
لما لمحني، ابتسم ورفع إيده بالتحية العسكرية.
رديت التحية، ووقفت مستقيمة.
المرة دي، ما كنتش محتاجة تصفيق مئات الناس عشان أحس بالفخر.
ولا كنت محتاجة أبويا يقف ويقول إنه فخور بيا.
كنت عارفة الحقيقة بنفسي.
أنا استحققت ميداليتي بتعبي وتضحياتي، ومش من حق أي حد يسلبني قيمتي لمجرد إنه اختار يقلل مني.
أما الكرسي اللي كسر دراعي، فما بقاش مجرد ذكرى مؤلمة.
بقى علامة فارقة في حياتي؛ اليوم اللي فهمت فيه إن الشجاعة مش معناها إنك تستحمل الأذى في صمت، وإن صلة القرابة مش تصريح مفتوح للإهانة، وإنك تقدر تحب عيلتك من غير ما تسمح لها تدمرك.
وفي النهاية، ما كانش أهم انتصار إني أثبت إن نادية كانت غلطانة… بل إني بطلت أعيش حياتي كلها وأنا بحاول أثبت لأبويا إني أستحق الحب والاحترام.
تمت القصة.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

4 من 4التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى