روايات وقصص

الجزء الثاني

الجزء الثاني رئيس القسم فضل واقف قدامي، ماسك الشنطة الجلدية بإيديه، وكأنه مش قادر يصدق اللي شافه جواها. بص للضابط اللي واقف جنبه وقال بحزم: «اقفل باب غرفة التحقيق، ومحدش يدخل أو يخرج غير بإذني. وكمان عايز نسخة كاملة من تسجيلات الكاميرات اللي جابت المتهمة للقسم.»

الضابط اتفاجئ من كلامه، ورد بسرعة:
«حاضر يا فندم.»
وبعدين رئيس القسم رجع بص لي، لكن المرة دي نبرة صوته اتغيرت تمامًا.
«أنا محتاج أفهم حاجة واحدة بس يا أستاذة مريم… إنتِ كنتِ عارفة إن اللي حصل الليلة دي ممكن يحصل؟»
ابتسمت ابتسامة صغيرة وقلت:
«كنت متوقعة إنهم هيحاولوا يعملوا حاجة، لكن ما كنتش متخيلة إنهم هيوصلوا لدرجة إنهم ييجوا يقبضوا عليَّ بنص الليل، ويصوروا كل حاجة عشان يشهّروا بيا قدام الناس.»
هز رئيس القسم راسه، وبعدين فتح الشنطة تاني، وطلع منها بطاقة رسمية ومستند مختوم، وفضل يقارن البيانات اللي قدامه بالمعلومات الموجودة على شاشة الكمبيوتر.
بعد لحظات، قال:
«يا فندم، أنا بعتذر لحضرتك عن الطريقة اللي حصل بيها القبض. واضح إن فيه معلومات مهمة ما وصلتناش وقت تنفيذ الأمر.»
قلت له بهدوء:
«أنا مش عايزة اعتذار. أنا عايزة أعرف مين اللي قدّم البلاغ، وإيه الأدلة اللي اتبنى عليها أمر القبض، وليه محدش اتأكد من صحة الاتهامات قبل ما يكسروا باب بيتي.»
رئيس القسم سكت شوية، وبعدين طلب ملف القضية بالكامل.
ولما الملف وصل، بدأ يقلب صفحاته واحدة واحدة.
كل ما كان بيقرأ، ملامحه كانت بتتغير أكتر.
لحد ما وقف عند ورقة معينة، ورفعها قدام عينيه.
«هو المحامي شريف منصور اللي قدّم المستندات دي؟»
بصيت للورقة وقلت:
«على الأغلب، لأنه كان الوحيد اللي عنده نسخة من بعض أوراق الوصية قبل ما أكتشف إن فيه حد بيحاول يوصل لحساباتي.»
رئيس القسم حط الورقة على الترابيزة وقال:
«المشكلة إن البلاغ مش مجرد اتهام بالاحتيال. فيه مستندات بتقول إنكِ حاولتِ تزوري أوراق الميراث وتحوّلي الأموال لحسابات خاصة بيكي، وإن أفراد من عيلتك عندهم أدلة على ده.»
ضحكت بهدوء، مش لأن الموضوع كان مضحكًا، لكن لأنهم فعلًا استخدموا نفس الأوراق اللي كنت مستنياهم يحاولوا يسرقوها.
قلت له:
«حضرتك، لو تسمح لي، عايزة أوريك حاجة.»
فتحت الشنطة وطلعت وحدة تخزين صغيرة، وحطيتها قدامه.
«كل اللي محتاج تعرفه موجود هنا، بس قبل ما تفتحها، لازم تتأكد إن النسخة الأصلية من التسجيلات محفوظة في مكان آمن، وإن محدش يقدر يغيّر فيها.»
استدعى رئيس القسم أحد الضباط المختصين بفحص الأدلة الرقمية، وطلب منه نسخ المحتويات بطريقة رسمية وتسجيل كل خطوة.
وبعد دقائق، ظهرت أولى الملفات على الشاشة.
كان فيه تسجيل لسارة وهي بتدخل شقتي بالمفتاح الاحتياطي، وبتفتش في مكتبي، وبتصور مستنداتي.
لكن ده ما كانش أهم تسجيل.
الأهم كان ملفًا صوتيًا مدته سبع عشرة دقيقة، مسجلًا في نفس اليوم اللي دخلت فيه سارة شقتي.
بدأ التسجيل بصوتها وهي بتتكلم في التليفون.
«أيوه يا ماما، لقيت الأوراق اللي قولتي لي عليها، بس فيه ظرف تاني مش فاهمة هو مهم ولا لأ.»
جاء صوت أمي من الطرف التاني:
«صوري كل حاجة وابعتِيهالي. ما تسيبيش ورقة واحدة مكانها.»
سارة سألتها:
«طب لو مريم اكتشفت إني دخلت البيت؟»
أمي ردت ببرود:
«مش هتقدر تثبت حاجة. وحتى لو أثبتت، هنكون سبقناها بخطوة.»
رئيس القسم بص لي، لكني طلبت منه يكمل التسجيل.
بعدها بدقايق، ظهرت صوت رجل.
كان صوت أبويا.
«المهم إن شريف يخلّص الورق قبل نهاية الشهر. لو قدرنا نثبت إنها مش مؤهلة لإدارة أموالها، المحكمة هتعيّن حد من العيلة يتصرف في الصندوق.»
سارة سألت:
«ومين هيبقى المسؤول؟»
أبويا رد من غير تردد:
«أنا طبعًا. وبعدها كل حاجة هتتحل.»
ساد الصمت داخل الغرفة.
رئيس القسم وقف التسجيل، وفضل باصص للشاشة للحظات.
وبعدين قال:
«يعني البلاغ اللي اتقدم ضدكِ ممكن يكون جزءًا من محاولة أكبر للسيطرة على الميراث؟»
قلت له:
«مش ممكن وبس. ده اللي أنا بحاول أثبته من أول يوم.»
لكن التسجيل ما كانش انتهى عند كده.
الملف التالي كان تسجيلًا لاجتماع حصل في مكتب المحامي شريف قبل أسبوعين من القبض عليَّ.
الصوت كان واضحًا، والكلام أخطر بكتير.
شريف قال:
«أنا جهزت التقرير اللي محتاجينه، لكن لازم يكون عندنا أساس قانوني واضح. ما ينفعش نروح للمحكمة ونقول إنها مش قادرة تدير أموالها من غير مستندات تدعم الكلام ده.»
أمي ردت بعصبية:
«إحنا مش هندفع كل الفلوس دي عشان نرجع من غير نتيجة!»
شريف قال:
«أنا مش بوعدكم بحاجة مستحيلة. أنا بقول إننا محتاجين نتحرك بحذر.»
وبعدين أبويا اتكلم:
«إحنا اتفقنا إن البلاغ يتقدم الأول، وبعدها كل حاجة هتمشي. المهم إن مريم تفضل تحت ضغط لحد ما توافق توقع على التنازل.»
رئيس القسم وقف التسجيل مرة تانية.
المرة دي، ملامحه كانت جامدة تمامًا.
قال للضابط:
«سجّل كل ده في محضر رسمي، وابعت نسخة للجهة المختصة بالتحقيق. ومحدش يتصل بالمحامي أو بأي حد من أفراد العيلة قبل ما نراجع الإجراءات القانونية.»
وبعدين التفت لي وقال:
«واضح إن القضية أكبر من مجرد نزاع على ميراث.»
هزيت راسي وقلت:
«لسه فيه حاجة تانية.»
مديت إيدي وطلعت ظرفًا أبيض صغيرًا من الشنطة.
كان عليه اسم جدي بخط إيده.
«يُفتح فقط إذا حاول أحد الاستيلاء على حقوق مريم.»
أول ما رئيس القسم شاف الخط، سألني:
«إيه الظرف ده؟»
قلت له:
«ده ظرف جدي سابه مع المحامي المستقل اللي كان بيتابع إدارة الصندوق الائتماني. أنا ما فتحتهوش، لأن جدي طلب مني ما أفتحهش إلا لو حصلت محاولة فعلية للاستيلاء على حقوقي.»
رئيس القسم بص للظرف، وبعدين قال:
«هل تعرفي محتواه؟»
«لا. لكني أعرف إن جدي كان متوقع إن حد يحاول يحرمني من حقي.»
في اللحظة دي، تليفون رئيس القسم رن.
رد، واستمع لدقيقة كاملة من غير ما يتكلم.
وبعدين قال:
«تمام. خليه يوصل هنا فورًا، مع المستندات الأصلية.»
قفل التليفون وبص لي.
«المحامي المستقل اللي كان مسؤول عن متابعة الصندوق الائتماني موجود في الطريق. اسمه الأستاذ نادر فؤاد، وبيقول إن عنده مستندات إضافية تخص القضية.»
حسيت إن الصورة بدأت تكتمل أخيرًا.
لكن قبل ما نادر يوصل، حصل شيء ما كنتش متوقعاه.
الضابط اللي كان واقف عند الباب دخل بسرعة وقال:
«يا فندم، فيه مشكلة بره.»
رئيس القسم سأله:
«إيه اللي حصل؟»
رد الضابط:

السابق1 من 3
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى