روايات وقصص

الجزء الثاني والاخير

### الجزء الثاني: السر اللي أبويا خبّاه تسع سنين

فضلت واقفة جنب يوسف، وإيده ماسكة إيدي، بينما عيون كل الموجودين في القاعة كانت متعلقة بالصفوف الأخيرة.

أما أبويا، فكان مش قادر يبعد عينيه عن الراجل المسن اللي لابس الزي العسكري الأخضر القديم.

الراجل ده ماكانش غريب عنه.

أنا كنت متأكدة من كده.

أبويا كان يعرفه، واللي زوّد شكوكي إن إيده كانت بتترعش وهو بيحاول يظبط رابطة عنقه.

قرب مني يوسف وهمس:

«سلمى، إنتِ تعرفي الناس دول؟»

بصيت له وقلت:

«أيوه.»

سكت لحظة، وبعدين سألني:

«كلهم؟»

هزيت رأسي.

«مش كلهم بشكل شخصي، لكن كلهم يعرفوا أنا مين.»

يوسف بصّ لي باستغراب، وكأنه بيسألني بعينيه عن معنى كلامي.

لكنني ماقدرتش أشرح له في اللحظة دي، لأن مسؤول تنظيم الفرح قرب مننا، وقال بتردد:

«يا فندم، تحبي نوقف المراسم لحد ما نفهم اللي بيحصل؟»

بصيت ناحية الباب، وبعدها ناحية يوسف.

وقلت بهدوء:

«لأ، الفرح هيكمل.»

ماكنتش عايزة أي حد يفتكر إن ظهور الناس دول هو اللي خلاني أقدر أكمل يومي.

أنا كنت مشيت الممر لوحدي بالفعل.

وكنت مستعدة أكمل باقي حياتي بنفس الطريقة لو اضطر الأمر.

لكن قبل ما المأذون يبدأ الكلام، الراجل المسن قام من مكانه.

كان بيتحرك ببطء، مستندًا على عصايته، لكن خطواته كانت ثابتة.

وقف في الممر بين الصفوف، وبص ناحية أبويا مباشرة.

وقال بصوت واضح:

«أستاذ فؤاد المنشاوي؟»

أبويا حاول يرسم ابتسامة على وشه.

«أيوه، أنا فؤاد. حضرتك مين؟»

الراجل ما ابتسمش.

«غريبة إنك مش فاكرني.»

أبويا بلع ريقه.

«يمكن حضرتك تعرفني من خلال المؤسسة الخيرية؟»

الراجل هز رأسه ببطء.

«أنا أعرفك من قبل ما تعمل المؤسسة بسنين طويلة.»

وبعدها رفع إيده ناحية الزي العسكري اللي كان لابسه.

«أنا اللواء المتقاعد محمود الشاذلي. خدمت في القوات المسلحة أكتر من أربعين سنة.»

بدأ الهمس ينتشر في القاعة.

لكن أبويا ماكانش مهتم بالرتبة ولا بتاريخ الخدمة.

كان مركز على اسم الراجل.

اللواء محمود الشاذلي.

الاسم اللي، حسب ما فهمت بعد كده، كان آخر اسم يتمنى أبويا يسمعه في يوم فرحي.

اللواء كمل كلامه:

«جاي النهارده علشان أبارك للعروسة، وأقول كلمة حق قدام الناس اللي بتحبها.»

أبويا رد بسرعة:

«طبعًا، أهلًا وسهلًا بحضرتك. بس أعتقد إن فيه سوء تفاهم. دي مناسبة عائلية، ومش وقت الكلام عن أي أمور تانية.»

اللواء بصّ له بهدوء.

«أنا متفق معاك. دي مناسبة عائلية، وعلشان كده مش هتكلم عن أي حاجة إلا لو العروسة نفسها وافقت.»

وبعدين لف ناحيتي.

«يا بنتي، تسمحيلي أتكلم؟»

بصيت ليوسف.

كان واقف جنبي، ولسه مش فاهم إيه اللي بيحصل، لكنه ضغط على إيدي كأنه بيقول لي إنه معايا مهما كانت المفاجأة.

رجعت بصيت للواء.

«اتفضل يا فندم.»

اللواء هز رأسه باحترام، وبعدها طلع من جيب بدلته ظرفًا بنيًا صغيرًا.

في اللحظة دي، أبويا قام من مكانه.

«استنى لحظة!»

صوته كان أعلى من اللازم، لدرجة إن أمي انتفضت في كرسيها.

اللواء ما اتحركش.

«فيه إيه يا أستاذ فؤاد؟»

أبويا حاول يتدارك الموقف.

«مفيش حاجة، بس أنا مش فاهم إيه علاقة الموضوع ده بفرح بنتي.»

اللواء رد عليه:

«العلاقة إن الصورة اللي استخدمتها في حملات التبرعات بتاعتك تخص بنتك.»

سكتت القاعة بالكامل.

حسيت إن يوسف شد على إيدي.

أما أنا، فبصيت للواء من غير ما أتكلم.

لأنني كنت عارفة إن اللحظة اللي استنيتها سنين بدأت أخيرًا.

قبل تسع سنين، كنت في السادسة والعشرين من عمري.

كنت وقتها في بداية مشواري العسكري، وبحاول أثبت نفسي في شغلي بعيدًا عن اسم عيلتي.

ما كنتش عايزة حد يفتح لي باب لمجرد إن أبويا رجل أعمال معروف.

كنت عايزة أستحق كل خطوة بوصل لها بنفسي.

وعلى مدار سنوات، شاركت في مهام وتدريبات صعبة، واتعلمت إن النجاح الحقيقي مش في عدد الناس اللي بتصفق لك، لكن في عدد الناس اللي تقدر تعتمد عليك وقت الشدة.

وفي إحدى الفترات، حصل موقف غيّر حياتي.

أثناء مهمة عسكرية، اتعرضت مجموعة من زملائي لموقف بالغ الخطورة.

ماكانش عندي رفاهية التفكير في نفسي، ولا كان فيه وقت للخوف.

كان لازم أتصرف بسرعة، وأساعد اللي أقدر أساعده، وألتزم بالتعليمات لحد ما المهمة تنتهي.

بعد انتهاء المهمة، اتنقلت مع عدد من زملائي لاستكمال الإجراءات الطبية والإدارية، وبعدها رجعت تدريجيًا لحياتي الطبيعية.

ما كنتش بحكي تفاصيل شغلي في البيت.

مش لأنني بخبي حاجة عن عيلتي، لكن لأن طبيعة خدمتي كانت بتفرض عليّ أحتفظ بخصوصية بعض الأمور.

أبويا كان يعرف إني في الجيش، لكنه ماكانش يعرف كل تفاصيل شغلي.

والأهم إنه ماكانش مهتم يعرف.

بالنسبة له، الجيش كان مجرد وظيفة، مهما كانت مسؤولياتها.

كان دايمًا يقول لي:

«إنتِ بنت عيلة كبيرة يا سلمى. المفروض تستفيدي من اسم أبوكي، مش تضيعي عمرك في شغل متعب ومرتبه محدود.»

كنت برد عليه:

«أنا مش بضيع عمري يا بابا. أنا بعمل حاجة مؤمنة بيها.»

وكانت المناقشة بتنتهي بنفس الطريقة.

هو يزعل، وأنا أسكت، وكل واحد فينا يفتكر إنه كسب الجولة.

لكن الحقيقة إن خلافنا ماكانش على الوظيفة بس.

كان خلافًا على معنى الحياة نفسها.

هو كان شايف إن قيمة الإنسان في فلوسه وعلاقاته.

وأنا كنت شايفة إن قيمة الإنسان في اللي بيقدمه للناس، خصوصًا لما ما يكونش مستني منهم مقابل.

وبعد فترة، أبويا أسس مؤسسة «الوفاء لأبطال الوطن».

في البداية، فرحت.

قلت لنفسي إن يمكن أخيرًا لقى حاجة تجمعنا، وإننا ممكن نختلف في حاجات كتير، لكننا متفقين على احترام الناس اللي بتخدم بلدها.

ولما طلب مني صورة بالزي العسكري علشان يحطها في ملف تعريفي عن المؤسسة، وافقت.

قال لي وقتها:

«عايز صورة رسمية ومحترمة. الناس لازم تعرف إن بنتي بتخدم بلدها.»

وقفت للتصوير، وبعت له صورة ليا بالزي الرسمي.

ما كنتش أعرف إن الصورة دي هتتحول بعد كده لجزء من حملة تبرعات ضخمة.

في البداية، كانت الصورة موجودة على صفحة المؤسسة، وتحتها كلام عام عن دعم الجنود وأسرهم.

وبعدها بدأت تظهر في إعلانات أكبر.

صورتي على لافتات، وصورتي في منشورات، وصورتي جنب أرقام التبرعات.

وفي إحدى المناسبات، شفت صورة ليا على شاشة كبيرة خلف أبويا، وهو بيتكلم عن الشجاعة والتضحية.

ما اعترضتش في البداية.

افتكرت إن الموضوع مجرد دعاية للمؤسسة، وإن التبرعات هتساعد الناس اللي محتاجين فعلًا.

لكن بعد فترة، بدأت أسمع أسئلة غريبة.

واحد من معارف العيلة سألني:

«إنتِ فعلًا كنتِ في المهمة اللي والدك بيتكلم عنها؟»

استغربت.

قلت له:

«أنهي مهمة؟»

فتح تليفونه ووراني منشورًا عن المؤسسة.

كان مكتوب فيه إن صورتي تخص إحدى بطلات القوات المسلحة اللي شاركت في مهمة إنسانية شديدة الخطورة، وإن تجربتي كانت سببًا في تأسيس برنامج لدعم المصابين وأسرهم.

الكلام كان فيه تفاصيل ما قلتهاش لأبويا أصلًا.

وبعض التفاصيل كانت غير دقيقة.

واجهته بالموضوع في البيت.

قلت له:

«بابا، إنت بتقول للناس إني شاركت في حاجات أنا ما اتكلمتش عنها معاك.»

رد عليّ من غير ما يرفع عينيه عن أوراقه:

«دي طريقة عرض إعلامية. الناس محتاجة قصة تأثر فيها علشان تتبرع.»

قلت له:

«بس لازم القصة تكون حقيقية.»

رفع عينيه وبصّ لي بحدة.

«إنتِ عايزة تعلّميني شغلي؟ أنا بعمل ده علشان أساعد ناس كتير.»

قلت له:

«أنا مش ضد المؤسسة، ولا ضد التبرعات. أنا ضد إن اسمي يتستخدم في كلام مش دقيق.»

ساعتها ضحك ضحكة قصيرة.

«اسمك؟ يا سلمى، إنتِ بنتي. والصورة صورتي من بيتي، وأنا اللي وفرت لك كل حاجة.»

الكلام وجعني أكتر مما توقعت.

قلت له:

«الصورة مش معناها إنك تقدر تقول عني أي حاجة.»

لكنه أنهى المناقشة بطريقته المعتادة.

«لما تكبري وتفهمي عالم الأعمال، ابقي اتكلمي.»

خرجت من مكتبه يومها وأنا مقررة إني مش هسمح له يستخدم صورتي في أي حملة جديدة من غير موافقتي.

السابق1 من 4
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى