روايات وقصص

الجزء الثاني والاخير

لكنني ما كنتش متخيلة إن الموضوع وصل لمرحلة أخطر بكتير.

بعد أسابيع، وصلني ملف فيه نسخ من إعلانات المؤسسة، وبعض المستندات الخاصة بحملات جمع التبرعات.

بدأت أقارن بين المعلومات المكتوبة وبين اللي أعرفه عن أنشطتي العسكرية.

ولقيت تناقضات تستحق التحقيق.

ما اتهمتش أبويا بحاجة من غير دليل.

وما رحتش أفضحه قدام الناس.

بدلًا من كده، احتفظت بالمستندات، وطلبت من الجهات المختصة مراجعة الأمور المتعلقة باستخدام اسمي وصورتي، والتأكد من دقة المعلومات المنشورة.

كنت عايزة الحقيقة تظهر بالطريقة الصحيحة.

ولو المؤسسة شغالة بشكل سليم، يبقى مفيش داعي للخوف من المراجعة.

لكن أبويا لما عرف إني اعترضت رسميًا، اتغير تمامًا.

اتصل بيا، وكان صوته غاضبًا.

«إنتِ عملتي إيه يا سلمى؟»

قلت له:

«أنا طلبت مراجعة استخدام صورتي والمعلومات المنشورة باسمي.»

صرخ:

«إنتِ عايزة تدمري المؤسسة؟»

قلت له:

«لو المؤسسة بتساعد الناس فعلًا، المراجعة مش هتضرها.»

رد عليّ بجملة ما نسيتهاش أبدًا:

«من النهارده، أي حاجة تحصل للمؤسسة دي هتكون بسببك إنتِ.»

وقفل الخط.

بعدها بدأت المسافة بيني وبينه تكبر.

بقى يتعامل معايا وكأنني خنت العيلة، مش كأني بنته اللي طلبت إن اسمها يتستخدم بطريقة صحيحة.

وكل ما كنت أرفض أتراجع، كان يزيد غضبه.

وبعد شهور، لما عرف إني مرتبطة بيوسف، اعتبرها فرصة جديدة علشان يعاقبني.

قال لي إنني لازم أنهي العلاقة، وإنه مش هيقبل إن بنته تتجوز راجل دخله أقل من اللي هو شايفه مناسب.

ولما رفضت، قال:

«إنتِ خسرتي المؤسسة، ودلوقتي هتخسري عيلتك كمان.»

ما كنتش أعرف وقتها إنه هيختار يوم فرحي علشان يثبت لي إنه قادر يحرجني قدام الناس.

لكنني كنت أعرف حاجة واحدة.

إنني مش هرجع عن قراري.

رجعت للحظة الحاضرة على صوت اللواء محمود الشاذلي، وهو بيكمل كلامه في القاعة.

«الصورة اللي استخدمتها في حملات التبرعات، يا أستاذ فؤاد، مش مجرد صورة لابنتك وهي لابسة الزي العسكري.»

سكت لحظة، وبعدين أضاف:

«دي صورة لضابطة خدمت بلدها، وتحملت مسؤوليات حقيقية، وما طلبتش من حد يتاجر باسمها.»

أبويا حاول يتكلم، لكن الكلمات ما خرجتش منه.

اللواء فتح الظرف البني، وطلع منه صورة مطبوعة.

رفعها بحيث يقدر الموجودون في الصفوف القريبة يشوفوها.

كانت صورتي.

لكن مش الصورة اللي أبويا استخدمها في الإعلانات.

كانت صورة رسمية ليا وأنا واقفة وسط مجموعة من زملائي بعد انتهاء إحدى المهام، وكلنا لابسين الزي العسكري.

وبجانب الصورة، كانت فيه ورقة عليها ختم رسمي.

اللواء قال:

«إحنا موجودين النهارده علشان نحتفل بزواج واحدة من زميلاتنا اللي بنحترمها، مش علشان نعمل مشكلة في فرحها. لكن لما عرفنا إن والدها رفض يمشي معاها بسبب اختيارها لشريك حياتها، حسينا إن أقل واجب نعمله هو إننا نكون موجودين.»

أمي رفعت رأسها لأول مرة.

كريم وقف من مكانه.

ويوسف كان بيبص لي، وعينيه مليانة أسئلة.

أما أبويا، فكان واقفًا في منتصف الصف، عاجزًا عن إخفاء ارتباكه.

وفجأة، الراجل المسن اللي كان واقف في الخلف تقدم خطوة، وأشار إلى الورقة الموجودة في إيد اللواء.

وقال:

«وفيه حاجة تانية لازم تتقال، لأن الموضوع مش متعلق بالصورة بس.»

التفت اللواء ناحيته.

الراجل كمل:

«أنا كنت واحدًا من أوائل الناس اللي تبرعوا للمؤسسة دي. وكنت فاكر إن الفلوس هتوصل لأسر محتاجة، لحد ما وصلني مستند خلاني أطلب مراجعة حسابات التبرعات.»

اتسعت عيون أبويا.

ولأول مرة، سمعت صوته يخرج ضعيفًا وهو بيقول:

«إنت معاك إيه بالظبط؟»

الراجل بصّ له مباشرة.

«معايا نسخة من خطاب رسمي، فيه أسئلة لسه ما اتجاوبتش.»

وبعدين التفت ناحيتي.

«يا سلمى، أنا آسف إننا اضطرينا نفتح الكلام ده في يوم فرحك. لكن أبوكي هو اللي اختار يخلي اليوم ده مناسبة لإهانتك قدام الناس.»

يوسف قرب مني، وهمس:

«سلمى، هو إيه اللي بيحصل؟»

بصيت له، وقلت بصوت منخفض:

«فاكر لما قلت لك إن فيه حاجات عن شغلي وعن المؤسسة ما كنتش أقدر أحكيها لك بالتفصيل؟»

هز رأسه.

قلت:

«الحقيقة قربت تظهر.»

وفي اللحظة دي، اللواء محمود الشاذلي رفع عينيه ناحية أبويا، وقال جملة خلت القاعة كلها تدخل في صمت جديد:

«يا فؤاد بيه، إحنا مش جايين نبوظ فرح بنتك… إحنا جايين علشان نتأكد إن الحقيقة اللي حاولت تخبيها تسع سنين مش هتفضل مستخبية أكتر من كده.»

لكن الحقيقة اللي كانت في الملف لسه ما ظهرتش بالكامل.

والأخطر من كل ده، إن الورقة اللي كان الراجل المسن ماسكها ما كانتش آخر دليل عنده.

كان فيه مستند تاني، عليه توقيع أبويا بنفسه.

ولما اللواء بدأ يطلعه من الظرف، أبويا اتحرك بسرعة ناحية الممر، وكأنه قرر إنه لازم يمنعه من إظهاره بأي طريقة.

يا ترى إيه اللي كان مكتوب في المستند؟ وليه أبويا خاف بالشكل ده أول ما شافه؟

يتبع في الجزء الثالث والأخير…
### الجزء الثالث والأخير: الحقيقة اللي قلبت حياة أبويا

«محدش يفتح الورقة دي!»

صرخة أبويا دوّت في القاعة، وخلّت كل الموجودين يلتفتوا ناحيته.

كان بيتحرك بسرعة ناحية اللواء محمود الشاذلي، ووشه اتغير تمامًا. الراجل اللي قضى عمره بيتكلم بثقة قدام رجال الأعمال والمسؤولين، بقى دلوقتي عاجز حتى عن إخفاء خوفه.

لكن اللواء ما اتحركش من مكانه.

رفع إيده بهدوء، وقال:

«خليك مكانك يا فؤاد بيه. محدش هنا جاي يعمل مشكلة، لكن محدش كمان هيقدر يمنع الحقيقة إنها تظهر.»

أبويا بصّ حواليه، وكأنه بيدور على حد يقف في صفه.

بصّ لأمي.

بصّ لأخويا كريم.

وبعدين بصّ ليا.

«سلمى! إنتِ فاهمة إنتِ بتعملي إيه؟ إنتِ سمحتي للناس دي تدخل فرحك علشان تفضحيني قدام الناس؟»

بصيت له وأنا واقفة جنب يوسف، وقلت:

«أنا ما طلبتش من حد يفضحك يا بابا. أنا حتى ما كنتش أعرف إنهم جايين.»

«أمال إيه اللي بيحصل ده؟»

«يمكن لأن فيه أسئلة كان لازم تتجاوب من زمان.»

هز رأسه بعصبية.

«أسئلة إيه؟ إنتِ بنتي! كان ممكن تيجي تتكلمي معايا بدل ما تعملي كل ده.»

بصيت له بحزن.

«أنا جيت اتكلم معاك يا بابا. أكتر من مرة. لكن كل مرة كنت بتقفل الكلام وتقول لي إني مش فاهمة الدنيا.»

سكت لحظة.

وبعدين حاول يرجع لنبرته المعتادة.

«أنا بنيت مؤسسة بتساعد أبطال الوطن. صرفت عليها من مالي ووقتي، ووقفت جنب أسر كتير. وإنتِ جاية النهارده تشككي في كل ده؟»

اللواء رد عليه:

«محدش بينكر إن المؤسسة قدمت مساعدات. لكن وجود أعمال خيرية مش معناه إن أي سؤال عن الحسابات أو استخدام الصور يبقى ممنوع.»

وبعدين أشار للمستند اللي في إيده.

«الورقة دي نسخة من خطاب رسمي متعلق بمراجعة بعض البيانات المالية والإعلانية للمؤسسة. ووجودها هنا مش معناه إن فيه إدانة لأي شخص، لكن معناه إن فيه أسئلة لازم تتجاوب من خلال الجهات المختصة.»

أبويا حاول يخطف الورقة من إيده.

لكن الراجل المسن اللي كان واقف جنبه اتدخل وقال:

«كفاية يا فؤاد. إحنا كلنا كبرنا، ومش محتاجين نشوف المنظر ده.»

أبويا التفت له بغضب.

«وإنت مالك بالموضوع؟»

الراجل رد بهدوء:

«أنا واحد من الناس اللي صدقت كلامك، وتبرعت للمؤسسة لأنني كنت فاكر إن كل جنيه هيتصرف في مكانه الصحيح.»

وبعدين طلع من جيب بدلته ورقة مطوية.

«ودي نسخة من طلب كنت قدمته من شهور، بطلب فيه توضيح بعض المصروفات اللي ما قدرتش أفهمها.»

القاعة كلها كانت ساكتة.

محدش كان بيتكلم.

حتى عازف البيانو اللي كان واقف بعيد، حط إيده على المفاتيح من غير ما يعزف.

أما أنا، فكنت واقفة وبحاول أستوعب إن اليوم اللي بدأ بإهانة شخصية ليا، بيتحول لمواجهة بين أبويا ومجموعة من الناس اللي وثقوا فيه لسنين.

لكن اللي حصل بعد كده كان أصعب من كل اللي فات.

أمي قامت من مكانها.

كانت طول الوقت باصة في الأرض، لكن المرة دي رفعت رأسها، ومشت خطوتين ناحية أبويا.

«فؤاد… كفاية.»

بصلها بدهشة.

«إنتِ كمان؟»

هزت رأسها، وعينيها بدأت تدمع.

«أنا مش ضدك. والله مش ضدك. لكن البنت دي بنتنا، ومش من حقك تهينها بالشكل ده.»

أبويا رد بعصبية:

«أنا ما أهنتهاش. أنا قلت لها تتحمل نتيجة اختيارها.»

أمي مسحت دموعها.

«هي اختارت راجل بتحبه وبيحترمها. إيه الغلط في كده؟»

«الغلط إنها رفضت تسمع كلامي.»

أمي بصت له فترة طويلة، وبعدها قالت:

«يمكن دي أول مرة في حياتها تختار لنفسها، وإنت مش قادر تتقبل ده.»

الكلمات دي خلت أبويا يسكت.

لكن الصمت ما استمرش طويلًا.

بصّ لأمي وقال:

«إنتِ مش فاهمة حاجة.»

ردت عليه بصوت هادي:

«يمكن. لكني فاهمة إنك جرحت بنتك في يوم المفروض يكون أسعد يوم في حياتها.»

وبعدين التفتت ناحيتي.

«سلمى، أنا آسفة.»

الجملة كانت بسيطة، لكنني حسيت إنها شايلة سنين طويلة من السكوت.

قربت منها، ومسكت إيديها.

«مفيش حاجة يا ماما.»

حضنتني، وفضلت تعيط.

وأنا حضنتها بقوة، لأنني كنت عارفة إن أمي نفسها كانت محتاجة حد يقول لها إن من حقها تعترض، وإن السكوت على كل حاجة مش دايمًا معناه إن الأمور بخير.

كريم قرب مننا بعد كده.

وقف قدامي، وبصّ لي بعينين مليانين ندم.

«أنا آسف يا سلمى.»

قلت له:

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى