روايات وقصص

الجزء الثاني والاخير

«على إيه؟»

نزل عينيه للأرض.

«لأني فضلت ساكت.»

سكت لحظة، وبعدين كمل:

«كنت شايف إنه بيضغط عليكي، وكنت عارف إنك بتتعبي، لكني كنت بخاف أواجهه. كنت بقول لنفسي إن دي مشاكل بينك وبينه، وإن تدخلي مش هيغير حاجة.»

بصيت له وقلت:

«كنت محتاجة أعرف إن فيه حد من عيلتي واقف جنبي.»

هز رأسه.

«عارف. وأنا غلطان.»

ما قلتلوش إن كل حاجة بقت تمام، لأن الحقيقة إن جرح السنين ما بيتقفلش في دقيقة.

لكنني مسكت إيده.

«خلينا نحاول نصلح اللي نقدر عليه.»

في اللحظة دي، يوسف قرب مني.

كان لسه واقف جنبي، لكنه ساب مساحة بينه وبين باقي الموجودين، كأنه مش عايز يحول يومنا لمشهد أكبر من اللازم.

قال لي بصوت منخفض:

«أنا مش عارف أقول إيه.»

ابتسمت ابتسامة صغيرة.

«ولا أنا.»

بص ناحية اللواء، وبعدها رجع بص لي.

«كنت فاكر إن أكبر مشكلة عندنا النهارده إن أبوكي مش موافق على جوازنا.»

ضحكت رغم التوتر.

«وأنا كمان.»

قال:

«لكن مهما حصل، عايزك تعرفي إنك مش مضطرة تثبتي لأي حد إنك تستحقي الاحترام. لا ليا، ولا لأبوكي، ولا لأي شخص موجود هنا.»

الكلمات دي لمست حاجة جوايا.

لأنني قضيت سنين طويلة بحاول أثبت لأبويا إني ناجحة، وإن اختياراتي تستحق الاحترام، وإن قيمتي مش مرتبطة بالفلوس اللي أقدر أكسبها أو بالمكانة اللي ممكن أحققها.

لكن يوسف كان بيقول لي إنني مش مطالبة أخوض المعركة دي كل يوم.

إنني أقدر أكون قوية من غير ما أفضل طول الوقت في وضع الدفاع عن نفسي.

مسكت إيده، وقلت:

«علشان كده اخترتك.»

ابتسم.

«علشان مرتبي؟»

ضحكت.

«بالذات علشان مرتبك!»

ضحك هو كمان، ولأول مرة من بداية الموقف، حسيت إنني قدرت أتنفس بشكل طبيعي.

لكن أبويا كان لسه واقف في مكانه.

كان بيبص لنا، وبعدين بصّ للواء محمود الشاذلي.

«طيب، عايزين إيه بالظبط؟»

اللواء رد:

«إحنا مش أصحاب قرار في أي مراجعة مالية. الجهات المختصة هي اللي هتحدد إذا كان فيه مخالفات ولا لأ. إحنا موجودين علشان نوضح إن سلمى ليها زملاء بيحترموها، وإن استخدام اسمها وصورتها لازم يكون دقيقًا وبموافقتها.»

وبعدين أضاف:

«أما موضوع التبرعات، فكل اللي نطلبه هو الشفافية. لو الحسابات سليمة، يبقى المراجعة هتثبت ده. ولو فيه أخطاء، لازم تتصلح.»

أبويا سكت.

كان واضحًا إنه مش لاقي رد مناسب.

وبعد لحظات، اللواء رجع الورق للظرف، وقال:

«أنا مش هتكلم عن أي تفاصيل تانية النهارده. ده فرح سلمى، ومن حقها إن يومها ما يتحولش لمحاكمة.»

وبعدين التفت ناحيتي وابتسم.

«مبروك يا بنتي.»

قلت له:

«الله يبارك في حضرتك.»

صافحني، وبعدها صافح يوسف.

واحدًا وراء التاني، بدأ باقي الضيوف العسكريين يقربوا مننا، ويهنونا.

كان بينهم رجال وستات قابلتهم أثناء خدمتي، وبعضهم ما شفتوش من سنين.

كل واحد كان بيقول كلمة بسيطة، أو بيسألني عن أحوالي، أو بيبتسم ليوسف ويبارك له.

ما حدش حاول يحرج أبويا.

ما حدش شتمه أو هاجمه.

وما حدش طلب منه اعتذارًا قدام الناس.

لكن وجودهم وحده كان كافيًا علشان يوضح إنني مش البنت اللي اتخيلها.

أنا ما كنتش شخصًا محتاجًا لموافقته علشان تكون لي قيمة.

كنت إنسانة عندها حياتها، وشغلها، ومبادئها، والناس اللي بتقدرها.

بعد حوالي عشرين دقيقة، استعد المأذون لاستكمال عقد القران.

اللواء محمود الشاذلي رجع مكانه في الصفوف الخلفية، والضيوف استقروا في مقاعدهم.

أبويا فضل واقف شوية.

كنت فاكرة إنه هيمشي.

لكنه رجع قعد في آخر صف، جنب أمي، من غير ما يبص ناحيتي.

المرة دي، ما حسيتش بنفس الوجع اللي حسيت به أول ما سابني عند الباب.

يمكن لأنني فهمت إن اختياره إنه ما يمشيش معايا كان قرارًا يخصه هو، مش دليلًا على نقص فيّ.

بدأ المأذون يتكلم.

يوسف مسك إيدي، وبص لي بابتسامة هادية.

ولما جه وقت إتمام الزواج، وافقنا على الجواز، وسط تصفيق الحاضرين ودعواتهم لينا.

كانت لحظة جميلة، رغم كل اللي حصل قبلها.

وبعد انتهاء المراسم، وقفنا لالتقاط الصور.

جاءت أمي ووقفت جنبي.

وكريم وقف على الناحية التانية.

أما أبويا، ففضل بعيدًا لبعض الوقت.

ما ضغطتش عليه إنه يقرب.

وما طلبتش من حد يروح يجيبه.

أنا كنت اتعلمت درسًا مهمًا في اليوم ده.

إنك ممكن تحب شخصًا، وتتمنى وجوده جنبك، وفي نفس الوقت ترفض تسمح له إنه يحدد قيمتك أو يفسد عليك حياتك كل ما قررت تختلف معاه.

بعدها، اللواء طلب يتصور معانا.

وقف يوسف على يميني، وأنا في المنتصف، واللواء على الناحية التانية.

وفي الخلفية، وقف عدد من زملائي بالزي العسكري.

كانت صورة مختلفة تمامًا عن الصورة اللي أبويا استخدمها في حملاته.

الصورة دي ماكانتش إعلانًا عن مؤسسة، ولا وسيلة لجمع التبرعات، ولا جزءًا من خطاب أمام رجال الأعمال.

كانت صورة يوم فرحي.

يوم اخترت فيه أبدأ حياة جديدة مع الإنسان اللي بحبه.

لكن الحكاية ما انتهتش بانتهاء الفرح.

خلال الشهور اللي بعدها، استمرت مراجعة المستندات المتعلقة بالمؤسسة.

اتراجع استخدام الصور، والبيانات المنشورة، وبعض المصروفات اللي أثارت أسئلة لدى المتبرعين.

وخليني أوضح نقطة مهمة: مجرد وجود أسئلة أو طلب مراجعة ما كانش معناه إن أبويا أُدين بأي مخالفة.

الإجراءات استمرت من خلال الجهات المختصة، واتطلبت مستندات وتوضيحات إضافية، وفي النهاية اتصححت بعض البيانات الإعلانية اللي كانت محتاجة توضيح، واتحطت ضوابط أدق لاستخدام الصور والمعلومات المتعلقة بأفراد القوات المسلحة.

أما أي أمور مالية، فكان لازم تتعامل معاها الجهات المسؤولة وفقًا للمستندات والنتائج الفعلية، مش وفقًا لكلام الناس أو الانطباعات.

بالنسبة لي، ده كان الأهم.

ما كنتش عايزة انتقامًا من أبويا.

كنت عايزة الحقيقة تظهر، وإن اسمي ما يتستخدمش في حاجة من غير موافقتي.

وفي نفس الوقت، بدأت علاقتي بعيلتي تتغير.

أمي بقت تتكلم عن رأيها بشكل أوضح، حتى لو كان مختلفًا عن رأي أبويا.

وكريم بدأ يركز على حياته الخاصة، بدل ما يقضي عمره يحاول يرضي أبونا في كل قرار.

أما أبويا، فكان أصعب شخص في العيلة بالنسبة لي.

لأنه ماكانش متعود يعترف إنه غلطان.

كان يعتقد إن الاعتذار بيقلل من مكانته، وإن تغيير رأيه معناه إنه خسر.

لكن بعد مرور شهرين على الفرح، اتصل بيا.

كنت في البيت مع يوسف لما تليفوني رن.

ظهر اسم «بابا» على الشاشة.

فضلت باصة للتليفون لثوانٍ، قبل ما أرد.

«ألو.»

سمعت صوته، لكنه ماكانش بنفس القوة المعتادة.

«إزيك يا سلمى؟»

«الحمد لله، كويسة.»

سكت شوية.

وبعدين سأل:

«يوسف عامل إيه؟»

بصيت ليوسف، اللي كان قاعد جنبي، وقلت:

«الحمد لله، كويس.»

رجع الصمت تاني.

وبعد لحظات، قال:

«أنا عايز أتكلم معاكي.»

سألته:

«فيه حاجة يا بابا؟»

قال:

«مش في التليفون. ممكن تيجي تزوريني؟»

ما وافقتش فورًا.

قلت له:

«ممكن. بس يا بابا، أنا مش عايزة نرجع لنفس الطريقة القديمة.»

رد بهدوء:

«أنا فاهم.»

كانت أول مرة أسمع منه الجملة دي من غير ما يتبعها بكلام يقلل من رأيي.

اتفقنا على ميعاد، وقفلت.

يوسف بص لي وقال:

«هتروحي؟»

قلت:

«أيوه. مش علشان كل حاجة بقت كويسة، لكن علشان أشوف إذا كان فيه فرصة نبدأ من جديد.»

ابتسم يوسف.

«طالما إنتِ عارفة حدودك، يبقى خدي وقتك.»

لما رحت بيت أهلي، لقيت أبويا قاعد في مكتبه.

نفس المكتب اللي كنت بخرج منه كل مرة وأنا حاسة إن كلامي مالوش قيمة.

أشار لي أقعد.

قعدت قدامه.

فضل يبص لي شوية، وبعدها قال:

«أنا فكرت في اللي حصل يوم فرحك.»

ما اتكلمتش.

كمل:

«أنا كنت متخيل إن رفضي للجواز هيخليكي تغيري رأيك. كنت فاكر إنك لما تشوفي إني مش موافق، هتفهمي إن اختياري ليكي أحسن من اختيارك لنفسك.»

بصيت له بهدوء.

«وده اللي كنت فاكره فعلًا؟»

هز رأسه.

«أيوه.»

وبعدين نزل عينيه.

«أنا ما كنتش متخيل إنك هتمشي لوحدك بالشكل ده.»

قلت له:

«أنا ما كنتش عايزة أمشي لوحدي يا بابا. كنت عايزة أبويا يكون جنبي.»

رفع عينيه ناحيتي.

كملت:

«أنا كنت بحلم من وأنا صغيرة إنك تمسك إيدي وتمشي معايا في يوم فرحي. حتى لما كبرت، فضلت متخيلة إن اللحظة دي هتحصل.»

حسيت إن صوتي بدأ يضعف، لكنني كملت.

«لما قلت لي امشي لوحدك، ما وجعتنيش علشان الناس كانت بتبص. وجعتني لأنك كنت عارف إن ده أهم يوم في حياتي، ومع ذلك اخترت تعاقبني لأني ما سمعتش كلامك.»

أبويا ما ردش.

لأول مرة، ما حاولش يقاطعني أو يبرر موقفه.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى