روايات وقصص

الجزء الثاني والاخير

فضل ساكت لحد ما خلصت كلامي.

وبعدين قال:

«أنا آسف يا سلمى.»

الجملة خرجت منه بصعوبة.

وأضاف:

«أنا آسف إني أحرجتك قدام الناس. وآسف إني اعتبرت اختيارك ليوسف إهانة ليا.»

عيني دمعت.

كنت مستنية أسمع الكلام ده من سنين، لكن لما سمعته، اكتشفت إن الاعتذار لوحده مش كفاية علشان يمسح كل اللي فات.

قلت له:

«أنا مقدرة إنك اعتذرت يا بابا. لكن الثقة مش هترجع في يوم وليلة.»

هز رأسه.

«أنا عارف.»

سألته:

«وهتقدر تحترم اختياراتي حتى لو مش عاجباك؟»

سكت لحظة، وبعدين قال:

«هحاول.»

ما كانش الرد المثالي.

كنت أتمنى أسمع منه وعدًا واضحًا، لكنه على الأقل ما ادعاش إنه اتغير بالكامل.

وقفت علشان أمشي.

قبل ما أوصل للباب، ناداني.

«سلمى.»

لفيت ناحيته.

قال:

«ممكن أزورك إنتِ ويوسف في البيت؟»

بصيت له، وابتسمت ابتسامة صغيرة.

«طبعًا يا بابا.»

بعد أسبوع، أبويا جه يزورنا.

يوسف استقبله باحترام، وقدمله القهوة، وقعدوا يتكلموا عن شغله في المحكمة.

في البداية، كان الكلام رسميًا ومتحفظًا.

لكن مع الوقت، يوسف بدأ يحكي عن بعض المواقف الإنسانية اللي بيشوفها في شغله، وعن الناس اللي بيحاول يساعدهم، وعن إيمانه إن العدالة مش مجرد قوانين، لكنها كمان مسؤولية تجاه الإنسان.

أبويا استمع له من غير ما يقاطعه.

ولما قام علشان يمشي، وقف عند الباب وبص ليوسف.

قال له:

«خلي بالك من سلمى.»

يوسف ابتسم ورد:

«دي مش محتاجة حد يطلب مني كده. أنا بحبها، وده أقل واجب عندي.»

أبويا هز رأسه، وبعدها بص لي.

ما قالش كلامًا كبيرًا.

لكنه قبل ما يمشي، حضني.

كان حضنًا قصيرًا ومتوترًا، لكنه كان بداية مختلفة عن كل اللي حصل قبل كده.

مرت شهور أخرى.

علاقتي بأبويا ما بقتش مثالية، لكنه بدأ يتعلم إن الحب مش معناه السيطرة، وإن الأبوة مش معناها إن البنت لازم تتنازل عن أحلامها علشان تثبت إنها بتحب أبوها.

وبدأ يفهم إن يوسف مش منافس ليه، وإن اختلافنا مش معناه إن حد فينا لازم يكسب والتاني يخسر.

أما أنا، فواصلت خدمتي في القوات المسلحة، وواصل يوسف عمله في المحكمة.

كنا بنختلف أحيانًا، ونتعب أحيانًا، ونواجه ظروفًا صعبة زي أي زوجين.

لكننا كنا بنتعلم نحل مشاكلنا بالكلام والاحترام، مش بالتهديد أو فرض السيطرة.

وبعد سنة من يوم فرحنا، احتفظت بالصورة اللي اتصورتها مع يوسف واللواء محمود الشاذلي وزملائي.

حطيتها في إطار صغير في بيتنا.

مش علشان أفكر نفسي إن أبويا اتوتر لما شافهم، ولا علشان أفتكر الموقف اللي أحرجني فيه.

لكن علشان أفتكر اليوم اللي اكتشفت فيه إن الإنسان مش محتاج يثبت قيمته لكل الناس.

أحيانًا، كل اللي محتاجه إنه يتمسك بالمبادئ اللي مؤمن بيها، ويختار الناس اللي بتحترمه بصدق.

وفي ذكرى زواجنا الأولى، يوسف جاب لي بوكيه ورد شبه البوكيه اللي كنت ماسكاه يوم الفرح.

بصيت له وضحكت.

قال لي:

«فاكرة اليوم اللي مشيتي فيه الممر لوحدك؟»

هزيت رأسي.

«عمري ما هنساه.»

مسك إيدي وقال:

«أنا فاكر إنك كنتِ أقوى واحدة في القاعة كلها.»

بصيت له وقلت:

«أنا ما كنتش قوية أوي. أنا كنت موجوعة، وخايفة، ومش عارفة هقدر أكمل ولا لأ.»

ابتسم وقال:

«بس كملتي.»

سندت رأسي على كتفه.

«أيوه، كملت. لكن لو رجع بيا الزمن، كنت هتمنى إن أبويا يمشي جنبي.»

يوسف باس إيدي وقال:

«ومن حقك تتمني ده. القوة مش معناها إننا ما بنحتاجش الناس اللي بنحبهم.»

الكلمات دي فضلت في بالي.

لأنني فهمت أخيرًا إنني ما كنتش محتاجة أثبت لأبويا إني قوية، ولا أحتاج أحرمه من مكانته علشان أحافظ على كرامتي.

كنت محتاجة أحط حدودًا واضحة، وأحافظ على نفسي، وأدي فرصة للتغيير لما يكون حقيقيًا.

أما أهم درس اتعلمته، فهو إن قيمتك مش بتتحدد بفلوسك، ولا باسم عيلتك، ولا بموافقة أي شخص على اختياراتك.

وفي يوم فرحي، أبويا رفض يمشي معايا التلاتين خطوة.

فمشيتهم لوحدي.

لكنني ما مشيتش علشان أثبت له إنه خسرني.

مشيت علشان أوصل للشخص اللي اختارني من غير شروط، وللحياة اللي كنت عايزاها لنفسي.

وفي النهاية، اكتشفت إن بعض الأبواب لما بتتقفل في وشنا، مش لازم نفضل واقفين قدامها نستنى حد يفتحها.

أحيانًا، كل اللي محتاجينه إننا نلاقي الشجاعة ونكمل طريقنا.

4 من 4التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى