
الجزء الثاني: وصلت للبيت اللي جوزي خبّى عني وجوده طول الليل ماعرفتش أنام. كل ما أغمض عيني، أشوف إسورة أمي في إيد الست الغريبة، وأفتكر صوتها وهي بتسأل أحمد: «هتفضل مخبي عن مراتك لحد إمتى؟»
كنت حاسة إن في حاجة أكبر بكتير من مجرد خيانة، لكن عقلي كان بيرفض يصدق إن الراجل اللي عشت معاه سنين، وضحيت عشانه بمستقبلي، ممكن يكون بيكدب عليّ بالشكل ده.
مع أول ضوء للنهار، صحيت ياسين وجهزته عند جارتي أم محمد، وقلت لها إني مضطرة أخلص مشوار مهم وهرجع بسرعة.
حطيت عنوان البيت في الموبايل، وطلبت عربية.
طول الطريق، كنت ببص من الشباك وإيدي بتترعش. كل ما العربية تقرب من العنوان، كنت بحس إن نفسي بيضيق أكتر.
بعد حوالي ساعة، السواق وقف قدام شارع هادي في منطقة راقية من مناطق القاهرة الجديدة.
بصيت قدامي، وفجأة قلبي بدأ يدق بعنف.
كان فيه سور حجري طويل، وبوابة حديد سوداء ضخمة، ووراها أشجار عالية وجنينة واسعة.
ده هو البيت اللي شفته في الصورة اللي جدي ورهالي!
نزلت من العربية وأنا مش قادرة أصدق إن المكان ده كان المفروض يبقى بيتي من سنتين، بينما أنا كنت بغسل هدوم الناس عشان أقدر أشتري لبن لابني.
قربت من البوابة، ولقيت كاميرا مراقبة فوقها، وعلى جنب لوحة صغيرة عليها اسم العيلة.
ضغطت على الجرس.
بعد دقايق، ظهر راجل كبير في السن، لابس زي الحراسة.
بص لي من ورا البوابة وسألني:
— أيوه يا فندم، حضرتك عايزة مين؟
بلعت ريقي وقلت:
— أنا مريم محمود، حفيدة الحاج محمود. البيت ده جدي اشتراه ليا من سنتين، وأنا جاية أشوفه.
الراجل سكت لحظة، وبعدين بص لي باستغراب شديد.
— حضرتك مريم؟!
استغربت من رد فعله.
— أيوه، أنا مريم. هو إنت تعرفني؟
بص حواليه كأنه خايف حد يسمعه، وبعدين قال بصوت واطي:
— اتفضلي يا بنتي، بس بالله عليكي ماتقوليش لحد إني دخلتك من غير ما أبلغ الأستاذ أحمد.
حسيت بقلبي بيقع.
— أحمد؟ جوزي موجود هنا؟
الراجل ما ردش مباشرة، لكنه فتح البوابة وقال:
— ادخلي بنفسك وشوفي.
دخلت وأنا رجلي بتترعش.
الجنينة كانت أجمل مما تخيلت. أشجار مزروعة بعناية، ونافورة في النص، وممر طويل بيوصل لباب خشبي ضخم.
لكن كل الجمال ده ماكانش فارق معايا.
أنا كنت عايزة أعرف ليه جوزي حرمني من بيتي، وليه خلاني أعيش في الفقر وأنا عندي مكان زي ده.
وأول ما قربت من الباب، سمعت صوت ضحك جاي من جوه.
كان صوت أحمد.
نفس الضحكة اللي كنت بسمعها في البيت كل ما يحكي لي عن أحلامنا للمستقبل.
وبعدها سمعت صوت ست بتقول:
— بصراحة، أنا مش قادرة أصدق إنك لسه بتقول لها إنك شغال في القاهرة وبتحوش عشان تشتري بيت!
أحمد ضحك ورد عليها:
— مريم عمرها ما هتعرف حاجة. هي بتصدق أي كلام بقوله لها.
حسيت إن حد ضربني على وشي.
وقفت ورا الباب المفتوح شوية، وسمعت الست بتكمل:
— طب وجدها؟ مش ممكن يكتشف اللي عملته؟
رد أحمد بكل برود:
— جديها؟ أنا بقالى سنتين بضحك عليه هو كمان. كل ما يسألني عن البيت، أقوله إن مريم مرتاحة ومش عايزة حد يتدخل في حياتها.
وبعدين ضحك وقال:
— وبعدين، البيت باسمي في كل التعاملات اللي تهمني. أنا اللي استلمته، وأنا اللي بدفع مصاريفه، وهي عمرها ما هتقدر تثبت إني أخدت منها حاجة.
حسيت إن الدنيا اسودت قدام عيني.
هو مش بس خبّى عني البيت.
ده كمان كان بيحاول يقنع نفسه إن من حقه يتصرف فيه كأنه ملكه!
لكن قبل ما أستوعب باقي الكلام، سمعت الست تسأله:
— طب وإمتى هتقول لها إنك اتجوزتني؟
اتجمدت مكاني.
اتجوزها؟!
أحمد رد بهدوء غريب:
— مش دلوقتي. خلينا نستفيد من الوضع شوية كمان. مريم مش معاها فلوس ولا حد واقف جنبها، وياسين لسه صغير. ولو عرفت أي حاجة، مش هتقدر تعمل لي حاجة.
الدموع نزلت من عيني، لكني مسحتها بسرعة.
ماكنتش عايزة أعيط.
مش في اللحظة دي.
كنت عايزة أشوف بعيني مين الست اللي خدت مكاني، ولبست إسورة أمي، وعاشت في البيت اللي جدي اشتراه ليا.
دفعت الباب بهدوء ودخلت.
كان أحمد قاعد على كنبة فخمة في الصالة، لابس قميص أنيق وساعة غالية في إيده.
وبجانبه كانت قاعدة ست شابة، شعرها طويل، ولابسة إسورة أمي الذهبية.
أول ما شافني، وقف بسرعة، واللون اختفى من وشه.
الكوباية اللي كانت في إيده وقعت على الأرض واتكسرت.
أما الست، فبصت لي من فوق لتحت، وبعدين قامت وهي بتشد هدومها باستغراب.
أحمد فتح بقه، لكنه ماعرفش ينطق.
أنا اللي اتكلمت الأول.
— صباح الخير يا أحمد.
بص لي كأنه شايف شبح.
— مريم؟! إنتِ بتعملي إيه هنا؟!
ابتسمت ابتسامة صغيرة رغم الدموع اللي كانت بتملأ عيني.
— سؤال غريب أوي يا أحمد. المفروض إن ده بيتي، مش كده؟
الست بصت له بسرعة.
— إنت ماقولتليش إن مراتك ممكن تيجي هنا!




