
الجزء السادس الصفقة التي سبقت ولادتي لم أستطع أن أرفع عيني عن أبي. كان واقفًا في آخر القاعة، وملامحه تقول شيئًا واحدًا: لقد عرف أن هذا اليوم سيأتي. اقتربت منه. —أبي… ما هذه الصورة؟ نظر إليها. جلس على أحد المقاعد وكأن ساقيه لم تعودا تحملانه. —كنت أتمنى ألا تعرفي بهذه الطريقة.
شعرت بالغضب.
—إذن أنت تعرفها!
ظل صامتًا.
—أبي، تكلم!
رفع عينيه إليّ.
—نعم.
ساد الصمت.
قال:
—كنت أعرف والد ياسر قبل أن تولدي.
—ولماذا؟
تنهد.
—لأننا كنا شركاء.
تراجعت خطوة.
—شركاء في ماذا؟
—في شركة قديمة.
—لكنني كنت أعتقد أنك قضيت حياتك في العمل بمحل الأدوات الكهربائية.
ابتسم بحزن.
—هذا ما أردتك أن تعتقديه.
جلست أمامه.
—لماذا أخفيت ذلك عني؟
—لأنني أردت أن أحميك.
—منهم؟
أومأ.
—من عائلة المنشاوي.
نظرت إلى ياسر.
كان واقفًا بعيدًا، يستمع إلينا.
قلت:
—ما الذي حدث بينكم؟
قال أبي:
—قبل أكثر من عشرين عامًا، كانت هناك صفقة كبيرة.
—صفقة ماذا؟
—أرض.
ثم توقف قليلًا.
—أرض في الأقصر.
بدأت أشعر أن القصة أقدم مما تخيلت.
قال:
—كنت أملك حصة في أرض ورثتها عن والدك.
قاطعته:
—عن والدي؟
هز رأسه.
—عن جدك.
ثم تابع:
—عائلة المنشاوي أرادت شراء الأرض بالكامل.
—وأنت رفضت؟
—نعم.
—فماذا فعلوا؟
خفض رأسه.
—بدأوا يضغطون عليّ.
ثم قال:
—وفي النهاية وافقت على بيع جزء منها.
—والجزء الآخر؟
—احتفظت به.
سألته:
—وأين هو الآن؟
لم يجب.
فهمت من صمته أن الأمر مهم.
قلت:
—أبي، أين الأرض؟
قال:
—تحت ملكية شركة باسمك.
تجمدت.
—باسمي؟
أومأ.
—الشركة التي اكتشفتِها قبل ستة أشهر ليست مجرد واجهة للأموال.
—إذن ماذا تكون؟
قال:
—هي المالكة القانونية لأرض كانت عائلة المنشاوي تحاول الاستيلاء عليها منذ سنوات.
نظرت إلى ياسر.
كان وجهه شاحبًا.
قال:
—هذا غير ممكن.
التفت إليه أبي.
—بل ممكن.
ثم أضاف:
—ولهذا تزوجك ابني، أو حاول أن يتزوجك.
نظر ياسر إليّ.
—سلمى، أنا…
قاطعته.
—لا تتكلم.
لأنني لم أعد أعرف أي كلمة منه يمكن تصديقها.
لكن أبي لم ينتهِ.
أخرج من جيبه مفتاحًا صغيرًا.
ووضعه في يدي.
—هذا كان مع والدتك.
نظرت إليه.
—أمي؟
—نعم.
—ما علاقته بها؟
قال:
—والدتك كانت تعرف الحقيقة.
شعرت بصدمة.
—أمي كانت تعرف؟
أومأ.
—وقبل وفاتها بأشهر، طلبت مني ألا أخبرك إلا إذا حاولت عائلة المنشاوي الاقتراب منك.
حدقت فيه.
—ولماذا لم تخبرني عندما خطبت لياسر؟
خفض عينيه.
—لأنني كنت أعتقد أن ياسر مختلف عن عائلته.
ضحكت بمرارة.
—وكنت مخطئًا.
لم يرد.
فجأة جاء صوت نوال من خلفنا.
—كان والدك مخطئًا في شيء آخر.
التفتنا إليها.
كانت الشرطة تقف بجانبها.
لكنها بدت هادئة بشكل مخيف.
قالت:
—الأرض ليست المشكلة.
اقتربت منها.
—إذن ما المشكلة؟
نظرت إليّ مباشرة.
—والدتك.
توقفت.
—ماذا عن أمي؟
قالت:
—أمك لم تمت بسبب المرض كما أخبرك والدك.
شعرت بالدم ينسحب من وجهي.
—ماذا تقولين؟
قال أبي بسرعة:
—لا تستمعي إليها.
لكن نوال ابتسمت.
—اسأليه.
التفت إلى أبي.
—أبي؟
لم يجب.
صرخت:
—هل أمي ماتت بسبب شيء آخر؟
ظل صامتًا.
بدأت الدموع تنزل من عيني دون أن أشعر.
قالت نوال:
—والدتك اكتشفت الصفقة قبل سنوات.
ثم اقتربت خطوة.
—واكتشفت أن والدك لم يكن مجرد شريك.
نظرت إلى أبي.
—ماذا كنت؟
قال بصوت ضعيف:
—كنت شاهدًا.
—على ماذا؟
—على أول عملية تزوير.
ساد الصمت.
قال أبي:
—عندما اكتشفت والدتك الأمر، أرادت الذهاب إلى الشرطة.
—وماذا حدث؟
لم يجب.
نوال قالت:
—تم إسكاتها.
صرخت:
—كيف؟
لكنها لم تكمل.
لأن أحد الضباط اقترب منها وقال:
—كفى.
ثم نظر إليّ.
—لدينا معلومات نحتاج إلى تأكيدها منك.
قلت:
—عن ماذا؟
أخرج ملفًا.
—عن وفاة والدتك.
شعرت بأن قلبي سيتوقف.
ثم قال:
—هناك تقرير قديم أعيد فتحه قبل ثلاثة أسابيع.
فتحت الملف.
قرأت السطر الأول.
ثم الثاني.
وبدأت يداي ترتجفان.
لأن التقرير يشير إلى أن وفاة أمي…
قد لا تكون وفاة طبيعية.
رفعت رأسي نحو أبي.
—كنت تعرف؟
أغمض عينيه.
ولم يقل شيئًا.
في تلك اللحظة فهمت أن الزفاف لم يكن بداية قصتي مع عائلة المنشاوي.
بل كان…
آخر فصل في قصة بدأت قبل ولادتي.
لكن السؤال الذي بقي دون إجابة كان أخطر من كل ما اكتشفته:
من قتل أمي؟
الجزء السابع
الحقيقة التي أخفاها أبي
ظللت أحدق في أبي.
—من قتل أمي؟
لم يجب.
اقتربت منه أكثر.
—أبي، أنا لا أريد منك حمايتي الآن. أريد الحقيقة.
رفع رأسه.
كانت عيناه ممتلئتين بالدموع.
—لا أعرف من قتلها.
—لكن نوال قالت إنهم أسكتوها.
نظر إلى نوال بغضب.
—هي لا تعرف كل شيء.
ضحكت نوال.
—بل أعرف أكثر منك.
تدخل الضابط:
—نريد من الجميع الهدوء.
ثم التفت إليّ.
—لدينا تقرير طبي قديم، وشهادة شخص لم يكن مستعدًا للكلام إلا مؤخرًا.
سألته:
—من هو؟
قال:
—سائق والدك السابق.




