
انتصار لما سمعت صوت الكلام واتفاجأت بوجودي معاها في المطبخ، وشها اصفرّ وبان عليها التوتر الواضح. برودها اتغير في ثانية، وعيونها اتملت بالقلق وهي بتحاول تداري ارتباكها وبتمد إيدها بسرعة:
«أنتِ.. أنتِ جيتي امتى يا خديجة؟! بتتسحبي ورايا كده ليه؟!»
وقفت قصادها بهدوء، وبصيت لها بنظرة كلها عتاب هادئ، وقلت بصوت نابع من قلب حريص على البيت:
«حاولت أستر عليكِ كتير يا انتصار! كنت بشوف الحاجات دي بتحصل وأسكت وأقول معلش، يمكن غصب عنها، عشان ما أخربش بيتك ولا أحرجك قدام جوزك وعيالك.. بس للأسف، لما وصل الأمر إنك تتبلي عليا وتتهمني أنا بالسرقة قدام حماتي، كان لازم أوضح الحقيقة عشان نظافتي وأمانتي.»
في اللحظة دي، حماتي دخلت المطبخ على صوت كلامنا، وبصت لنا باستغراب وهي بتقول:
«فيه إيه يا بنات؟ بتزعقوا ليه؟»
التفتّ لحماتي بكل احترام، وقريت بهدوء:
«يا أمي، سامحيني إني سكت الفترة اللي فاتت، بس أنا كنت شايهاكم كلكم. انتصار ما كانتش بتسرق الأكل توديه بره ولا حاجة، بس هي للأسف كانت بتاكل من الحلة مباشرة وهي على النار، ودايماً كان بيحصل نقص في الأكل من غير ما تدري، وهي كانت بتسبق وتشتكي عشان تداري على الموقف.»
انتصار بدأت ترتجف، وحاولت ترقع الموقف وهي بتبرر بتوتر:
«يا حماتي.. والله أنا كنت بس بدوق الأكل أشوفه استوت ولا لسه.. هي خديجة بس اللي فهمت غلط!»
حماتي هزت راسها بحكمة وقالت بجدية ولكن بلطف:
«يا بنتي، اللي تدوق لقمة غير اللي تخلص نص الحلة وهي على النار! العيب مش في الدوقان، العيب أنك تداري وتجيبي العيب على سيلفتك الغلبانة اللي شايلة البيت معاكِ بالحب والرضا.»
في اللحظة دي، جوزي وجوز انتصار نزلوا على الصوت، وسألوا بقلق:
«فيه إيه يا جماعة؟ مالكم؟»
حماتي حكت لهم الموقف ببساطة ودون تضخيم، وقالت لجوزها:
«القصة وما فيها يا ابني أن انتصار كانت بتاكل من الأكل قبل ما يجهز، ووقعت في غلطة الاتهام. حصل خير، والمهم إننا عرفنا الصح.»
جوز انتصار بص لمراته وقال بنبرة هادية ولكن عتاب:
«ليه كده يا انتصار؟ تفضلي شايلة هم وتعملي كده في بيتنا وفي وسط أهلينا؟ لو محتاجة حاجة قوليلي، بس ما تتبليش على حد تاني ولا تعملي مشاكل.»
انتصار نزلت راسها في الأرض، وبانت عليها علامات الندم والكسفة، وقالت بصوت مكسور:
«أنا آسفة يا جماعة.. حقكم عليا، غصب عني وما عادتش هتتكرر.»
جوزي قرب مني، وطبطب عليا بحنية وقال:
«حقك عليا يا خديجة، طول عمرك أصيلة وبتخافي على بيتنا.»
رديت عليه بابتسامة دافئة:
«احنا اخوات في بيت واحد يا أبو عيالي، والمهم إن النفوس تصفى والبيت يفضل هادي.»
حماتي قربت مني، ومسكت إيدي بحب وتقسيم صادق وقالت:
«سامحيني يا بنتي، أنا كنت ظالمة نفسي وظلماكِ بس الحمد لله إن الحقيقة ظهرت بهدوء. أنتِ بنت أصول ومعدنك أصيل.»
باسَت إيدها بحب وقلت:
«تحت أمرك يا أمي، كلنا بنتعلم، والمهم إن الجو يرجع هادي وجميل بيننا.»
من اليوم ده، البيت رجعت له طمأنينته، وحماتي قررت بحكمة إنها تشرف بنفسها على ترتيب الطبخ وتنظيمه بطريقة مريحة للجميع من غير إحراج لأحد، وبقت انتصار تتعامل بكل احترام وود.
أما أنا، فبقيت أطبخ وأنا مرتاحة البال، وكسبت حب واحترام الجميع، وعرفت إن الصبر والكلمة الطيبة والتعامل بالحكمة دايماً هما المفتاح الحقيقي لكسب القلوب وحل أي مشكلة بسلام.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”




