روايات وقصص

الجزء الثاني والثالث بقلم محمد عبده

### الجزء الثاني: الشخص اللي المفروض يكون مات من خمس سنين!

وقفت قدام شاشة المراقبة، وإيدي بتترعش لدرجة إني ما كنتش قادرة أسند نفسي على الترابيزة.

الضابط شغّل التسجيل، وبدأت الصورة تظهر بوضوح.

الساعة كانت 2:17 بعد نص الليل.

باب بيتي الخلفي ظهر في الصورة، وبعد لحظات، ظهر شخص لابس جاكيت أسود وكاب مغطي جزء كبير من وشه.

وقف قدام الباب، وبص حواليه كأنه بيتأكد إن محدش بيراقبه.

وبعدين طلع مفتاح من جيبه، وفتح الباب ودخل بكل هدوء.

شهقت وأنا بحط إيدي على بقي.

المفتاح نفسه!

المفتاح اللي لقيناه تحت الكنبة!

لكن الصدمة الحقيقية ما كانتش في المفتاح، ولا في الشخص اللي دخل البيت.

كانت في الطريقة اللي مشي بيها.

نفس الخطوات، ونفس الميل البسيط في كتفه الشمال، اللي كنت أعرفه كويس جدًا.

دي مش مجرد طريقة مشي عادية.

دي كانت طريقة أخويا كريم!

وأنا صغيرة، كريم اتعرض لحادثة في رجله، ومن وقتها كان بيميل بجسمه ناحية الشمال وهو ماشي. كنت بهزر معاه بسبب الموضوع ده، وكان دايمًا يرد عليّا ويقول:

— لما أكبر وأبقى غني، هعمل عملية وأمشي أحسن منك كمان!

لكن كريم ما كبرش في عيني بعد كده.

على الأقل، ده اللي كنت فاكرة إني أعرفه.

من خمس سنين، اتصلوا بيا وقالولي إن أخويا مات في حادثة على طريق صحراوي. وقتها طلبوا مني أتعرف على متعلقاته الشخصية، وقالوا إن حالة الجثمان ما تسمحش برؤية واضحة للوجه.

كنت منهارة، وما كنتش قادرة أفكر.

وأحمد، جوزي، هو اللي تولى أغلب الإجراءات، ووقف جنبي في كل خطوة.

هو اللي قاللي إن كريم مات، وهو اللي أكدلي إن كل الأوراق سليمة، وهو اللي أقنعني إن الأفضل أدفنه بسرعة بدل ما أفضل أعيش في الصدمة.

حتى يومها، لما طلبت أشوفه للمرة الأخيرة، أحمد قاللي إن ده مش ممكن.

وصدّقته.

دلوقتي، وأنا واقفة قدام شاشة المراقبة، بدأت أحس إن كل ذكرى من الخمس سنين اللي فاتوا بتنهار قدامي.

الضابط وقف التسجيل وسألني:

— حضرتك متأكدة إن الشخص ده أخوكي؟

ما قدرتش أرد في البداية.

وبعد لحظات، قلت بصوت مخنوق:

— أنا مش شايفة وشه، لكن أنا أعرف مشيته. أعرفها كويس جدًا. ده كريم.

الضابط بص لزميله، وبعدها قال:

— لازم نتحقق من هوية الشخص قبل ما نستنتج أي حاجة. لكن فيه حاجة تانية لازم تشوفيها.

رجّع التسجيل عشر دقايق لورا.

المرة دي، ظهر شخص تاني واقف في الشارع المقابل.

كان لابس قميص فاتح، وماسك موبايله، وبيتكلم مع حد.

لما رفع وشه ناحية الكاميرا، حسيت إن الأرض اختفت من تحت رجلي.

كان أحمد… جوزي!

جوزي اللي قاللي إنه في القاهرة.

جوزي اللي ما ردش على مكالماتي وقت ما بنتي كانت بتصرخ من الخوف.

جوزي اللي أقنعني لمدة ست شهور إنه بعيد عن البيت بسبب شغله.

كان واقف في الشارع، قدام بيتي، في نفس الوقت اللي الشخص الغامض دخل فيه من الباب الخلفي!

بصيت للضابط وقلت بسرعة:

— اتصلوا بيه! لازم تعرفوا هو كان بيعمل إيه هنا!

لكن الضابط رفع إيده بهدوء وقال:

— هنطلب حضوره ونسأله عن اللي ظهر في التسجيل. بس محتاجين نعرف إذا كان فيه أي حاجة تانية في البيت ممكن تساعدنا.

وفجأة، افتكرت ليلى.

بنتي كانت شافت أحمد بنفسها، وقالت إنه جه إمبارح.

جريت ناحيتها، ولقيتها قاعدة جنب عم سيد، حاضنة الأرنب القماشي بتاعها.

نزلت لمستواها، ومسكت إيديها برفق.

— يا حبيبتي، أنا محتاجة أسألك سؤال. لما بابا جه إمبارح، كان معاه حد تاني؟

ليلى بصتلي بتردد.

وبعدين هزت راسها.

— أيوه يا ماما.

حسيت إن قلبي بيدق بسرعة.

— مين كان معاه؟

ليلى بصت ناحية باب الصالة، وكأنها خايفة إن حد يسمعها.

وبعدها همست:

— الراجل اللي كان بييجي بالليل.

سألتها وأنا بحاول أسيطر على خوفي:

— هو كان بيعمل إيه هنا يا ليلى؟

قالت:

— بابا قاله إنه لازم يخلص شغله قبل ما إنتِ تصحي. وبعدين دخلوا الصالة، وفضلوا يحركوا الكنبة.

اتجمدت مكاني.

— حركوا الكنبة؟ ليه يا حبيبتي؟

ليلى بدأت تعيط تاني.

— مش عارفة يا ماما. بس الراجل كان بيقول لبابا إن الوقت خلص، وإنهم لازم يمشوا بسرعة. وبعدين بابا شافني، وقالي أرجع أوضتي وأنسى كل اللي شوفته.

ضمّيتها لصدري، وأنا بحاول أمنع دموعي من النزول.

بنتي كانت عايشة وسط أسرار أنا ما أعرفش عنها حاجة.

والأخطر إن الشخص اللي المفروض يحميها كان بيطلب منها تخبي عني اللي بيحصل في بيتي!

بعد حوالي نص ساعة، الضابط طلب من عم سيد يراجع تسجيلات الأيام السابقة.

وبدأنا نشوف مقاطع متفرقة من الكاميرات.

السابق1 من 3
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى