روايات وقصص

القصة كاملة للنهاية بقلم محمد عبده

الجزء الثاني والأخير

فضل آدم واقف قدامي، بيحاول يفهم إزاي الموقف اللي كان متخيل إنه هيكسرني، اتحول فجأة لحاجة هو نفسه مش قادر يسيطر عليها.

قال من بين سنانه: “إنتِ ناسية نفسك يا ليلى؟ إحنا لسه متجوزين، ومش من حقك تعملي فضيحة قدام الناس.”

بصيت له بهدوء وقلت: “أنا ماعملتش فضيحة يا آدم. أنا جيت أزور بنتي، ولقيت ضيوفك عاملين جلسة تصوير على مقعدها.”

المصور بدأ يلم معداته بسرعة، واضح إنه مش عايز يتورط في مشكلة عائلية.

أما نورهان، فكانت بتحاول تحافظ على ابتسامتها، لكن إيديها فضحتها. كانت بتلف خاتم الألماس في صباعها بعصبية.

قالت: “بصراحة، أنا مش فاهمة سبب كل ده. آدم قال لي إن المكان ملك عيلته، وإنه يقدر ييجي هنا في أي وقت.”

بصيت لها، وبعدها بصيت لآدم. “قال لك كده؟”

رد بدلًا منها: “لأن دي الحقيقة.”

هزيت رأسي ببطء. “غريبة. أنا كنت فاكرة إنك على الأقل لسه فاكر الفرق بين ملكية العيلة وملكية المؤسسة.”

لأول مرة، اختفت الثقة من عينيه تمامًا. يمكن لأنه افتكر اليوم اللي وقّع فيه على أوراق تأسيس المؤسسة، أو يمكن لأنه بدأ يشك إني عارفة حاجة هو كان حريص جدًا إني ماعرفهاش.

لكن الحقيقة كانت أبسط من كده. آدم ماكانش يعرف إن المكان اللي اختار يهينني فيه هو نفسه المكان اللي ممكن يفضح أكبر كذبة عاش بيها سنين.

قبل ست سنين، وبعد وفاة بنتي مريم، كنت محتاجة مكان أقدر أروح له من غير ما أشوف نظرات الشفقة في عيون الناس. مريم كانت بتحب الجنينة دي. كانت صغيرة لما أبوها جابها أول مرة، وكانت بتجري بين الأشجار، وتجمع الأوراق المتساقطة وتحطها في جيوب فستانها، وبعدين ترجع البيت وتقول لي إنها جمعت كنزًا.

بعد وفاتها، رفضت فكرة إن المكان يتحول لمجرد حديقة عادية يزورها الناس وقت ما يحبوا. بمساعدة والدي، أسسنا مؤسسة الرفاعي للحفاظ على الحدائق التذكارية، واشترينا الأرض المحيطة بالحديقة، ورممنا المقعد اللي كانت مريم بتحبه. وخصصنا جزءًا منها لذكرى الأطفال الراحلين.

ماكانش الهدف إننا نمنع الناس من الحزن. كان الهدف إننا نوفر لهم مكانًا يحزنوا فيه من غير ما يحسوا إن ذكرياتهم معرضة للانتهاك.

أما آدم، فكان عارف إن المؤسسة مرتبطة بعيلتي، لكنه عمره ما اهتم بالتفاصيل. كان شايف إن كل حاجة تخصني تخصه تلقائيًا. ولسنين، سبت له الاعتقاد ده لأنه كان أسهل من الدخول في خلافات لا تنتهي. لكن بعد وفاة مريم، بدأت أكتشف إن سكوتي كان بيدي له مساحة أكبر مما يستحق.

رجعت للحظة الحالية لما سمعت صوت نورهان وهي بتقول: “آدم، أنا فعلًا مش مرتاحة. خلينا نمشي.”

لكنه ما اتحركش. كان مركز معايا، وكأنه بيحاول يقرأ أفكاري. قال: “إنتِ بتلمحي لإيه بالضبط؟”

رديت: “ولا حاجة. أنا بس بفكرك إن مش كل باب مفتوح معناه إنك صاحبه.”

اقترب مني خطوة أخرى. “اسمعيني كويس. أنا مش هسمح لك تستخدمي المؤسسة دي علشان تنتقمي مني.”

ابتسمت ابتسامة باهتة. “تنتقم منك؟ إنت متخيل نفسك مهم للدرجة دي؟”

وشه احمر من الغضب. لكني ما اديتوش فرصة يرد. لفيت ناحية البوابة، وناديت على حارس الحديقة، عم محمود، اللي كان واقف بعيد بيتابع الموقف بقلق.

“يا عم محمود، ممكن تسجل أسماء الزوار اللي دخلوا النهارده، وتحتفظ بتسجيلات الكاميرات من الساعة عشرة الصبح؟”

رد فورًا: “حاضر يا مدام ليلى.”

آدم بص له بصدمة. “إنت بتاخد أوامر منها؟”

عم محمود استغرب السؤال، ثم رد باحترام: “دي الحديقة التابعة للمؤسسة يا فندم، ومدام ليلى رئيسة مجلس الأمناء.”

الصمت اللي نزل على المكان بعدها كان أثقل من أي خناقة.

نورهان بصت لآدم. “إنت ما قلتليش إنها مسؤولة عن المكان.”

آدم تجاهلها، وفضل باصص لي. “رئيسة مجلس الأمناء؟”

قلت: “أيوه. ومن حقي أطلب مراجعة أي استخدام للمكان من غير تصريح.” ثم أضفت وأنا ببص للمصور: “ولو حضرتك اتفقت معاهم على جلسة تصوير تجارية، ياريت تحتفظ بنسخة من الاتفاق، لأن إدارة المؤسسة هتحتاج تراجعها.”

المصور هز رأسه بسرعة. “طبعًا يا مدام.”

آدم شد على أسنانه. كان متعود إن الناس تتعامل معاه على إنه الرجل اللي يقدر يحل أي مشكلة بالفلوس أو العلاقات. لكنه لأول مرة اكتشف إن المكان اللي جاي يستعرض فيه نفوذه، مش خاضع لسلطته.

وقبل ما يمشي، مال ناحيتي وقال بصوت ما يسمعوش غيري: “إنتِ هتندمي على اللي بتعمليه.”

بصيت له مباشرة. “أنا ندمت على حاجات كتير يا آدم. لكن إني أطلب حقي مش واحدة منها.”

ومشيت. ما بصيتش ورايا، لكني سمعت صوت خطواته الغاضبة وهو بيخرج من البوابة.

ولأول مرة من سنين، حسيت إني مش مضطرة أشرح حزني لحد، ولا أدافع عن حقي في إن بنتي تفضل جزءًا من حياتي. لكن اللي ماكنتش أعرفه وقتها، إن الصور اللي التقطتها هتفتح بابًا أكبر بكتير من مجرد خلاف على الحديقة.

وصلت البيت بعد الظهر بقليل. كان بيتنا في منطقة راقية من الإسكندرية، بيت كبير عاش فيه آدم سنوات طويلة وهو مقتنع إن كل ركن فيه شاهد على نجاحه.

دخلت مكتبي، وفتحت الكمبيوتر، وبدأت أراجع الملفات القديمة الخاصة بالمؤسسة. كنت بدور على مستند واحد بالتحديد. مستند متعلق بالحديقة، اتوقّع من أربع سنين، في الوقت اللي آدم كان بيحاول فيه يوسع شركته العقارية.

وقتها، قال لي إنه محتاج مساعدة مؤقتة علشان يخلص صفقة مهمة، وإنه هيرجع كل حاجة لمكانها خلال شهور. أنا ما وافقتش على استخدام أموال المؤسسة، لكني وافقت أساعده في مراجعة بعض الأوراق القانونية بصفتي زوجته، وبعد ما تأكدت إن المساعدة هتكون من أمواله الخاصة. على الأقل، ده اللي كنت فاكرَاه.

فتحت الملف. راجعت العقود. وبعد دقائق، لقيت ورقة خلت إيدي تتجمد فوق الماوس. كان فيه طلب قديم للحصول على تصريح باستخدام جزء من أرض الحديقة في مشروع تجاري مؤقت، ومرفق به مستند بيثبت موافقة مجلس الأمناء.

لكن التوقيع الموجود على المستند كان توقيعي. توقيع يشبه توقيعي بدرجة مخيفة. إلا إني ما وقّعتش الورقة دي أبدًا.

قربت الصورة من عيني، وراجعت التاريخ. كان التاريخ بعد وفاة مريم بأشهر قليلة. الفترة اللي كنت فيها بالكاد قادرة أقوم من السرير. الفترة اللي كان آدم بيتولى فيها معظم مراسلات البيت بحجة إنه عايز يخفف عني.

حسيت ببرودة تسري في جسمي. ماكانش مجرد استخدام غير مصرح به للمكان. لو المستند ده اتقدم فعلًا لجهة رسمية، فمعناه إن حد استخدم توقيعًا مزورًا علشان يحصل على موافقة باسم المؤسسة. لكن مين؟ وليه؟

اتصلت بمحامية المؤسسة، الأستاذة نادية منصور. ردت بعد رنتين. “أهلًا يا ليلى، خير؟”

السابق1 من 7
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى