روايات وقصص

الجزء الثاني والاخير

الجزء الثاني والأخير

رفعت ليلى عينيها ناحية الشاشة العملاقة المعلقة خلف المنصة، وبعدها قالت بصوت ثابت، رغم إن الميكروفون كان لسه مقطوعًا:

– بما إنكم قررتوا تمنعوني من الكلام، يبقى مفيش قدامي غير إني أوري الناس الحقيقة.

في اللحظة دي، مدّت إيدها داخل جيب روب التخرج، وطلعت جهازًا صغيرًا كانت مخبياه بعناية.

نادية الشافعي، اللي كانت قاعدة في الصف الأول، أول ما شافت الجهاز، اتغير لون وشها.

همست للي قاعدين جنبها:

– إيه اللي البنت دي بتعمله؟! حد يوقفها فورًا!

لكن محدش اتحرك.

كان فيه شيء في نظرات ليلى خلّى كل الموجودين يحسوا إن اللي جاي مش مجرد مشهد محرج في حفل تخرج.

ليلى ضغطت على زر في الجهاز.

وبعد ثوانٍ، أضاءت الشاشة العملاقة.

ظهر عليها ملف إلكتروني، ثم صور لمستندات رسمية، وبعدها تسجيل صوتي.

وفي اللحظة دي، اختفت الابتسامة من وش نادية تمامًا.

لأن أول صورة ظهرت على الشاشة كانت مستندًا يحمل اسم ابنها، آدم الشافعي.

أما المستند الثاني، فكان يحمل توقيعها الشخصي.

بدأت الهمسات تعلو في القاعة.

عميد الكلية التفت ناحية غرفة التحكم وهو بيصرخ:

– اقفلوا الشاشة فورًا! مين سمح بعرض الملفات دي؟!

لكن الشاشة فضلت شغالة.

ليلى كانت مجهزة نسخة مستقلة من الملفات، ومش معتمدة على نظام العرض الخاص بالجامعة.

وبصوت واضح، بدأت تتكلم من غير ميكروفون، بينما الكلمات ظهرت مكتوبة على الشاشة خلفها.

– أنا ليلى منصور، طالبة الطب اللي اتقال عنها النهارده إنها عار على عيلتها، وإن بنتها غلطة لازم تختفي.

سكتت لحظة، وبصت ناحية نادية.

– لكن قبل ما تحكموا عليّا، لازم تعرفوا إن الحكاية مش زي ما اتقال لكم.

نادية قامت من مكانها بعصبية.

– ده كذب! البنت دي بتحاول تبتز عيلتنا علشان الفلوس!

ليلى ما ردتش عليها.

بدلًا من كده، أشارت للشاشة.

ظهر تسجيل صوتي، وبدأ صوت امرأة يتردد في القاعة.

كان صوت نادية نفسها.

قالت في التسجيل:

– أنا مش هسمح لبنت من خلفية زي دي إنها تدخل عيلتنا بالطريقة دي. الحمل ده لازم يختفي من الصورة قبل ما الصحافة تعرف. لو آدم رفض يتصرف، أنا هتصرف بنفسي.

ساد الصمت.

نادية وقفت متجمدة، وكأنها مش قادرة تستوعب إن صوتها بقى مسموعًا قدام مئات الأشخاص.

أما آدم، اللي كان قاعد في الصف الأمامي بجوار أمه، فخفض رأسه، وحاول يخبي وشه عن الكاميرات.

لكن ليلى ما كانتش خلصت.

قالت:

– أنا مش هنا علشان أطلب فلوس من حد. أنا هنا علشان أوقف الناس اللي فاكرة إن الفلوس تديها الحق تتحكم في حياة الآخرين.

ثم ظهرت صورة جديدة على الشاشة.

كانت رسالة إلكترونية مرسلة من مكتب تابع لمجموعة مستشفيات الشافعي، وفيها تعليمات بمراجعة ملف ليلى الأكاديمي، والبحث عن أي مخالفة ممكن استخدامها لمنعها من استكمال تدريبها الطبي.

وبجوار الرسالة ظهر تاريخ الإرسال.

كان بعد أيام قليلة من اكتشاف نادية بحمل ليلى.

بدأ الحاضرون يتبادلون النظرات.

أحد أعضاء هيئة التدريس اقترب من الشاشة، وكأنه بيحاول يتأكد بنفسه من صحة المستندات.

وفي الصفوف الخلفية، سمعت امرأة بتقول لجوزها:

– يعني كانوا ناويين يضيعوا مستقبلها لمجرد إنها رفضت تتخلى عن بنتها؟!

ليلى أخذت نفسًا عميقًا، ثم رفعت الطفلة الصغيرة قليلًا، بحركة حنونة.

– البنت دي ما طلبتش تيجي الدنيا في ظروف صعبة. وما اختارتش أبوها يكون ابن عيلة غنية، ولا اختارت إن جدتها ترفض تعترف بيها.

نظرت إلى آدم مباشرة.

– لكن أبوها اختار يختفي. وأمه اختارت تهددني. وأنا اخترت إني أحمي بنتي.

آدم انتفض من مكانه.

– ليلى، كفاية! إنتِ مش فاهمة اللي حصل!

لأول مرة، ردت عليه مباشرة.

– أمال فهمني يا آدم. لما عرفت إني حامل، ليه اختفيت؟ ولما طلبت منك تيجي معايا المستشفى، ليه رفضت ترد؟ ولما أمك هددتني، ليه ما دافعتش عن بنتك؟

فتح آدم فمه، لكنه ما عرفش يقول حاجة.

كانت كل العيون موجهة ناحيته.

وبعد لحظات طويلة، قال بصوت منخفض:

– أمي قالت لي إنك وافقتِ تتنازلي عن الطفلة، وإنك مش عايزاني أتدخل.

ليلى ضحكت ضحكة قصيرة مليانة وجع.

– وأنت صدقتها من غير ما تسألني مرة واحدة؟

سكت آدم.

ثم أضافت:

– أنا بعتلك رسائل. اتصلت بيك عشرات المرات. حتى لما كنت في المستشفى، بعتلك اسم المكان ورقم الغرفة. إنت ما رديتش، لأنك اخترت الأسهل ليك.

نادية حاولت تقاطعهما.

– آدم، ما تردش عليها! دي عايزة تدمرنا!

لكن ابنها، للمرة الأولى في حياته، ما نفذش كلامها فورًا.

كان بيبص للشاشة، وشه شاحب، وإيديه بتترعش.

وفجأة، ظهر مستند جديد.

السابق1 من 4
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى