روايات وقصص

بعد طردي من بيتي بقلم محمد عبده

وقبل ما يقدر آدم ينطق بكلمة، اتفتح باب القاعة الكبير.

دخل رجل في أواخر الخمسينات، مرتديًا معطفًا أسود طويلًا، وخلفه محاميان ورجلان من رجال الأمن.

أول ما شافه آدم، اتغير لون وشه.

أما والدته، فيكتوريا، فحطت إيدها على صدرها وقالت بصوت مرتجف:

— مستحيل…

رفعت عيني للرجل القادم ناحيتنا.

كان جلال منصور، المحامي اللي استعنت بيه قبل أيام قليلة.

لكن آدم ما كانش خايف من جلال نفسه.

كان خايف من الشخص اللي كان واقف خلفه.

رجل طويل، بشعر رمادي وملامح حادة، دخل القاعة ببطء.

توقفت همسات الضيوف تمامًا.

آدم حدق فيه وكأنه شاف شبحًا.

— عمي؟

الرجل لم يرد.

تقدم حتى وقف أمامي، ثم نظر إلى ليان النائمة بين ذراعي.

ابتسم بحزن وقال:

— أخيرًا شوفت حفيدتي.

اتسعت عينا آدم.

— حفيدتك؟

رفعت رأسي ونظرت إلى آدم.

ثم قلت بهدوء:

— أيوه.

ابتلع آدم ريقه.

أما فيكتوريا فصرخت:

— مريم! إنتِ بتعملي إيه؟!

التفت إليها الرجل وقال:

— اللي كان لازم يحصل من زمان.

ثم نظر إلى آدم مباشرة.

— أنا فارس هاريس… أخو والدك الأكبر.

ساد صمت ثقيل.

كان فارس قد اختفى من حياة العائلة منذ أكثر من عشرين عامًا، بعد خلاف كبير مع والد آدم.

لكن وجوده هنا لم يكن مجرد زيارة.

كان يحمل في يده ملفًا أسود.

قال فارس:

— آدم، قبل ما تكمل الحفل، لازم تعرف إن فيه حاجات كتير اتقالت عن مريم وأنا صدقتها في البداية.

نظر إلىّ.

— لكن الحقيقة ظهرت.

قال آدم بسرعة:

— أي حقيقة؟

رفع فارس الملف.

— الحقيقة إن مريم ما كانتش غير مستقرة.

ثم أضاف:

— وإن التقارير اللي قدمتها عيلتكم للمحكمة كانت مزورة.

تجمد آدم مكانه.

فيكتوريا صاحت:

— ده كلام فارغ!

لكن أحد المحامين فتح حقيبته وأخرج مجموعة من المستندات.

قال:

— عندنا نسخ من التقارير الأصلية، وشهادات من الأطباء، وسجلات المكالمات، وكمان تسجيلات من كاميرات المراقبة.

بدأت الوجوه تتغير في القاعة.

أمسكت ليان بقوة أكبر.

لم أكن أريد الانتقام.

كنت أريد فقط أن يعرف الجميع الحقيقة.

اقترب آدم مني وقال بصوت منخفض:

— مريم… اسمعيني. إحنا ممكن نحل الموضوع ده بعيد عن الناس.

نظرت إليه.

— زي ما حلّيته ليلة ما طردتني؟

لم يرد.

تابعت:

— فاكر الليلة دي؟

خفض عينيه.

— كان فيه تلج برا، وأنا كنت لسه والدة من تلات أيام. كنت بترتعش، وبطلب منك بس تسمحلي أنام في أي أوضة.

سكتُّ لحظة.

— لكنك قلت إن البيت مش مكان لست فاشلة زيي.

بدأت بعض السيدات في الخلفية يضعن أيديهن على أفواههن من الصدمة.

ثم قلت:

— وأمك كانت واقفة جنبك.

نظرت إلى فيكتوريا.

كانت تحاول الحفاظ على هدوئها، لكن وجهها أصبح شاحبًا.

قال آدم:

— أنا كنت غاضب.

ضحكت بسخرية.

— الغضب مش بيخليك تكتب تقرير كاذب وتقول إن أم طفلة حديثة الولادة غير مؤهلة لتربيتها.

فتح المحامي ملفًا آخر.

— ولسه فيه حاجة أهم.

نظر الجميع إليه.

قال:

— في نفس الليلة اللي خرجت فيها السيدة مريم من المنزل، تم تحويل مبلغ كبير من حساب شركة العائلة إلى حساب خاص باسم السيدة سيلين مورغان.

اتجهت كل العيون نحو العروس.

سقطت باقة الزهور من يد سيلين.

— ده مش حقيقي…

لكن المحامي أخرج ورقة أخرى.

— التحويل تم قبل طرد مريم بساعات.

نظر آدم إلى سيلين.

— إنتِ كنتِ عارفة؟

بدأت سيلين تهز رأسها بسرعة.

— آدم، أنا…

قاطعها:

— كنتِ عارفة إن مريم هتتطرد؟

لم تجب.

وهنا أدركت شيئًا مهمًا.

الليلة دي ما كانتش نهايتي.

كانت بداية سقوطهم.

لكن اللي لم أكن أعرفه وقتها…

إن الملف الأسود اللي كان يحمله فارس يحتوي على سر أخطر بكثير من كل ما ظهر حتى الآن.

سر يتعلق بولادة ليان نفسها…

وبسبب حقيقي جعل عائلة آدم تحاول بكل قوتها إبعادي عن طفلتها.
رفعت عيني نحو فارس، وأنا لأول مرة أحس إن في حاجة أكبر من موضوع الفلوس والتقارير المزورة.

سألته:

— إيه اللي في الملف؟

نظر لي للحظات، ثم قال:

— قبل ما أقولك، لازم تعرفي إن اللي هتسمعيه ممكن يغيّر كل حاجة.

تدخل آدم بسرعة:

— عمي، كفاية.

فارس التفت إليه ببرود.

— لأ. الكفاية كانت من ستة أسابيع، لما أنت وأمك قررتوا تخبوا الحقيقة.

ثم فتح الملف.

أخرج ورقة صغيرة، ووضعها أمامي.

نظرت إليها.

كانت نتيجة تحليل وراثي.

تجمدت أنفاسي.

قرأت الاسم الموجود في أعلى الصفحة أكثر من مرة.

ليان مريم منصور.

وتحت الاسم كانت هناك نتيجة تثبت صلة القرابة.

لكن النتيجة لم تكن تخص آدم.

رفعت رأسي ببطء.

— يعني إيه؟

لم يجب فارس فورًا.

نظر إلى آدم، ثم قال:

— آدم مش والد ليان البيولوجي.

توقفت الدنيا حولي.

حتى صوت الناس في القاعة اختفى من أذني.

نظرت إلى آدم.

كان واقفًا بلا حركة.

قلت:

— إيه؟

اقترب فارس خطوة.

— قبل زواجك من آدم، حصلت حادثة قديمة… والعيلة كانت عارفة إن فيه احتمال إن الطفلة تكون مرتبطة بشخص تاني.

هززت رأسي.

— أنا مش فاهمة.

قال فارس:

— لأنهم أخفوا عنك نتيجة التحليل الأول.

شعرت بيدي ترتجف حول البطانية.

— مين والد ليان؟

ساد صمت ثقيل.

ثم أخرج فارس صورة قديمة من الملف.

نظر إليها آدم، وفجأة تراجع خطوة.

كان واضحًا إنه يعرف الصورة.

أنا لم أعرف الرجل الموجود فيها.

سألت:

— مين ده؟

قال فارس:

— اسمه يوسف منصور.

اتسعت عيناي.

— منصور؟

أومأ.

— أخوكي غير الشقيق.

تجمدت.

السابق1 من 4
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى