روايات وقصص

القصة كاملة بقلم محمد عبده

الجزء الثاني آدم فضل واقف مكانه مش قادر ينطق. البنات التلاتة كانوا متعلقين بيا، وكل واحدة فيهم ماسكة في إيدي أو حاضناني من ناحية. واحدة منهم رفعت وشها وقالت: — مامي، وحشتيني! ضحكت وحضنتها. لكن لما رفعت عيني، لقيت آدم لسه واقف قدامي. وشه كان مختلف تمامًا. مافيش ابتسامة. مافيش غرور. فقط نظرة مليانة أسئلة.

 

اتقدم خطوة.

— سلمى… دول بناتك؟

بصيت له بهدوء.

— أيوه.

بلع ريقه.

— التلاتة؟

— أيوه. التلاتة بناتي.

بص عليهم تاني.

كانوا متشابهين بشكل واضح، رغم إن كل واحدة فيهم كان ليها ملامح مختلفة.

وبصوت متردد سأل:

— عندهم كام سنة؟

قبل ما أرد، واحدة من البنات قالت بحماس:

— أربع سنين يا مامي!

ساعتها آدم غمض عينيه للحظة.

وأخذ نفسًا عميقًا.

وبدأ يحسب.

كنت شايفة الحساب واضح على وشه.

أربع سنين.

خمس سنين من الطلاق.

وبداية الحمل…

قبل الطلاق بمدة.

فتح عينيه وبصلي مباشرة.

— إنتِ كنتِ حامل وقت الطلاق؟

ماجاوبتش.

سكتُّ فقط.

فقال بصوت أعلى:

— سلمى، أنا بسألك… كنتِ حامل وقتها؟

نزلت لمستوى البنات وقلت:

— يلا يا حبايبي، العربية مستنيانا.

البنات جريوا ناحية العربية.

لكن آدم وقف في طريقي.

— إنتِ عايزة تقوليلي إنك كنتِ حامل وأنا ماعرفتش؟

بصيت له لأول مرة بنظرة مباشرة.

— أيوه.

كأنه اتلقى صدمة.

— يعني… البنات دول اتولدوا بعد طلاقنا؟

— بأيام قليلة.

اتراجع خطوة.

وبص للبنات من بعيد.

ثم رجع يبصلي.

— ليه ماقولتيليش؟

السؤال ده تحديدًا خلاني أسكت.

لأن إجابته كانت أطول من كلمة.

رجعت بذاكرتي لخمس سنين فاتوا…

لليلة اللي خرجت فيها من بيته.

كنت وقتها في شهور الحمل الأولى.

كنت لسه عارفة إني حامل.

لكن آدم كان قد اتخذ قراره.

كان عايز الطلاق.

وكان مقتنع إن حياتي هتنهار من غيره.

وفي اليوم اللي طلب فيه مني أمضي على أوراق التنازل عن كل حقوقي تقريبًا، قال جملة عمري ما نسيتها:

“إنتِ مش هتعرفي تعيشي من غيري.”

وقتها…

ماقولتلوش إني حامل.

مش لأني كنت عايزة أنتقم.

لكن لأني كنت عارفة إنه لو عرف، كان هيستخدم الحمل كورقة ضغط.

وكان ممكن ياخد البنات مني أو يحاول يتحكم في حياتي من خلالهم.

فخرجت.

وبدأت من الصفر.

لكن آدم ماكانش يعرف إن اللي اعتبره خسارة…

كان بداية أعظم مرحلة في حياتي.

—

رجعت للحاضر.

قلت له:

— إنت كنت عايز تخرجني من حياتك يا آدم. وأنا احترمت رغبتك.

قال بسرعة:

— بس دول بناتي!

نظرت له بثبات.

— دلوقتي عرفت.

— إنتِ أخفيتيهم عني خمس سنين!

— وأنت قضيت خمس سنين من غير ما تسأل حتى أنا كنت فين أو حياتي وصلت لفين.

سكت.

لأول مرة ما لاقاش رد.

في اللحظة دي، واحدة من البنات رجعت تجري ناحيتي.

كانت الصغيرة اسمها ليان.

مسكت إيدي وقالت:

— مامي، مين الراجل ده؟

آدم بص لها.

ثم نظر إليّ.

واضح إن السؤال وجعه أكتر من أي كلام قلته.

قلت:

— ده… شخص كنت أعرفه زمان.

آدم اتصدم.

— شخص؟!

رددت بهدوء:

— أيوه.

ليان بصت له شوية، وبعدين رجعت تمسك إيدي.

— طيب نمشي يا مامي. بابا مستنينا.

آدم تجمد.

— بابا؟

لأول مرة ابتسمت.

مش شماتة…

لكن لأن اللحظة دي كانت كفيلة إنها تقلب كل الحسابات اللي عملها.

قال:

— مين بابا؟

ماجاوبتش.

ركبت العربية مع البنات.

وقبل ما أقفل الباب، آدم قرب وقال:

— سلمى… أنا محتاج أفهم.

قلت له:

— مش كل حاجة لازم تعرفها النهارده.

وقفلّت الباب.

تحركت العربية.

ومن خلال الزجاج، شفته واقف في مكانه.

لوحده.

بالضبط زي ما كان فاكر إني عشت الخمس سنين اللي فاتوا.

لكن الحقيقة كانت مختلفة تمامًا.

—

بعد حوالي عشرين دقيقة، وصلت الفيلا.

البنات نزلوا من العربية وجروا للداخل.

وأول ما دخلت…

سمعت صوت رجالي بيقول:

— وصلتوا أخيرًا!

البنات صرخوا:

— بابا!

وجروا عليه.

نزل على ركبته وحضنهم التلاتة.

كان اسمه عمر الشاذلي.

زوجي.

والرجل اللي وقف جنبي وقت ولادة البنات.

واللي كان يعرف قصتي كلها.

آدم ماكانش يعرف عنه أي شيء.

لكن اللي ماكنتش أعرفه أنا…

إن آدم ماكانش ناوي يختفي بعد اللي شافه في المطار.

في نفس الليلة، وصلني منه أول اتصال بعد خمس سنين.

نظرت للهاتف.

الاسم ظهر على الشاشة:

آدم الشناوي.

السابق1 من 4
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى