روايات وقصص

الجزء الثاني والاخير بقلم محمد عبده

فضلت باصة للرسالة على موبايلي.

“أنا فؤاد… وكنت مستني اليوم اللي تكبري فيه.”

إيدي كانت متجمدة.

فؤاد عبد الرحمن.

عمي.

الرجل اللي عيلتي قالت لي من وأنا طفلة إنه مات قبل ما أفتكره أصلًا.

لكن لو كان عايش…

ليه اختفى كل السنين دي؟

وليه ظهر دلوقتي بالذات؟

كتبت له:

“لو إنت فعلًا فؤاد، أثبتلي.”

الرد جه بعد أقل من دقيقة.

“روحي للمقابر القديمة في العامود. القبر رقم 217. هتلاقي اسم تعرفيه.”

مافكرتش كتير.

خرجت من البنك وركبت عربيتي.

طول الطريق، كنت بحاول أربط الأحداث ببعض.

أبويا اللي رباني كان عارف الحقيقة.

أمي كانت عارفة.

داليا عرفت من أربع سنين.

جلال كان عايش.

وفؤاد المفروض إنه ميت.

والفلوس اللي كنت فاكرة إنها فلوس أختي…

كانت مرتبطة بتركة تخصني أنا.

لكن أكتر حاجة كانت بتخوفني…

إن أبويا كتب بنفسه:

“فؤاد لم يمت.”

وصلت للمقابر.

كان المكان هادي بشكل غريب.

مشيت بين الصفوف لحد ما وصلت للرقم 217.

وقفت.

قدامي كان فيه قبر قديم.

الاسم المكتوب عليه:

“جلال منصور.”

اتجمدت.

جلال منصور…

والدي الحقيقي.

لكن التاريخ الموجود على القبر كان قديمًا.

يعني كان فيه قبر باسمه فعلًا.

وفي اللحظة دي فهمت إن حد كان بيحاول يصنع قصة كاملة.

مين دفنوه في القبر ده؟

وليه؟

موبايلي رن.

نفس الرقم.

رديت.

جاءني صوت رجل كبير:

“بصي وراكي.”

لفيت.

مفيش حد.

قال:

“مش هنا.”

سألته:

“إنت فين؟”

“في المكان اللي أبوكي كان بيخاف يروح له.”

“فين؟”

قال:

“البيت القديم.”

“بيت مين؟”

“بيت فؤاد.”

وبعدين قفل.

رجعت للعربية.

وبعد حوالي عشرين دقيقة وصلت للعنوان اللي أرسله.

كان بيت قديم في منطقة هادية.

الباب كان مفتوح.

دخلت بحذر.

البيت مليان تراب، لكن واضح إن حد كان موجود قريب.

لقيت كوب شاي لسه دافي.

وقبل ما أتحرك…

سمعت صوت من ورايا:

“إنتِ شبهه.”

لفيت بسرعة.

كان رجل كبير واقف عند باب الصالة.

شعره أبيض.

ملامحه قريبة جدًا من صورة قديمة كنت شفتها في بيت جدي.

قلت:

“فؤاد؟”

قال:

“أيوه.”

وقفت قدامه.

“إنت كنت عايش كل السنين دي؟”

قال:

“أيوه.”

“ليه خليت الكل يفتكر إنك ميت؟”

قال:

“علشان لو عرفوا إني عايش… كانوا هيقتلوني.”

تجمدت.

“مين؟”

قال:

“الناس اللي سرقت ثروة عيلتك.”

سألته:

“مين سرقها؟”

بصلي فترة طويلة.

ثم قال:

“أبوك.”

اتصدمت.

“أبويا؟”

“أبوك اللي رباكي.”

“بس إنت قلت إنهم سرقوا الثروة!”

قال:

“هو سرق جزء منها.”

“ليه؟”

“علشان يحميكي.”

رجعت خطوة.

“أنا مش فاهمة.”

قعد على كرسي قديم وقال:

“جدك كان عنده ثروة كبيرة. لكن كان عنده شريك.”

“مين؟”

قال:

“جلال.”

سكت لحظة.

“أبوكي الحقيقي.”

بدأت أفهم.

“يعني جلال كان شريك جدي؟”

“أيوه.”

“وأمي؟”

تنهد.

“أمك كانت عارفة كل حاجة.”

“طب إيه اللي حصل؟”

قال:

“قبل ولادتك، جلال اكتشف إن فيه تحويلات مالية بتخرج من الشركة من غير علمه.”

“مين كان بيعملها؟”

قال:

“سميحة.”

اتجمدت.

“أمي؟”

هز راسه.

“كانت بتحول الأموال لحسابات بأسماء مختلفة.”

“ليه؟”

“علشان كانت بتحاول السيطرة على التركة.”

قلت:

“بس ليه أنا؟”

نظر إليّ وقال:

“لأن جدك كتب في وصيته إنك الوريثة.”

“حتى وأنا مش بنته البيولوجية؟”

قال:

“أنتِ كنتِ حفيدته.”

“إزاي؟”

ابتسم بحزن.

“أمك كانت متزوجة من ابن جدي.”

سكت.

ثم فهمت.

أبويا اللي رباني…

كان ابن جدي.

يعني حتى لو جلال هو أبي البيولوجي…

أنا كنت فعلًا حفيدة جدي.

والوريثة القانونية للتركة.

لكن كان فيه شيء لم أفهمه.

قلت:

“طيب ليه أبويا مات؟”

سكت فؤاد.

وبعدين قال:

“لأنه اكتشف الحقيقة.”

“أي حقيقة؟”

“إن الفلوس اللي كانت بتختفي من الحسابات…”

توقف.

ثم أخرج ملفًا أسود من درج قديم.

وضعه أمامي.

“كانت بتروح لحساب واحد.”

فتحت الملف.

اسم الحساب كان واضحًا.

سميحة عبد الرحمن.

لكن تحت الاسم كان فيه توقيع آخر.

توقيع داليا.

صرخت:

“داليا كانت شريكة أمي؟”

قال:

“في البداية كانت مجرد واجهة.”

“واجهة لإيه؟”

“لتحويل الأموال.”

بدأت أقلب الصفحات.

كل تحويل.

كل تاريخ.

كل مبلغ.

كل شيء كان موثقًا.

لكن في آخر صفحة…

كان فيه تسجيل صوتي على فلاشة صغيرة.

قال فؤاد:

“ده أهم دليل.”

أخدت الفلاشة.

وقبل ما أتحرك، قال:

“اسمعيه لوحدك.”

“ليه؟”

قال:

“لأنك بعد ما تسمعيه، هتعرفي مين قتل أبوكي.”

اتجمدت.

“إنت قلت قتل؟”

هز راسه.

“أيوه.”

خرجت من البيت وأنا حاسة إن الأرض مش ثابتة تحت رجلي.

ركبت عربيتي.

وصلت البيت.

قفلت الباب.

شغلت التسجيل.

في البداية كان فيه تشويش.

ثم سمعت صوت أبويا.

صوته كان واضحًا رغم مرور السنين.

قال:

“أنا عرفت كل حاجة.”

ثم جاء صوت أمي.

“إنت فاهم غلط.”

رد عليها:

“الحسابات كلها باسمك.”

ثم صوت رجل ثالث.

صوت أعرفه.

صوت داليا.

قال:

“لو فضلت مصمم، نورا هتخسر كل حاجة.”

أبويا رد:

“نورا مش هتخسر حاجة. إنتوا اللي هتخسروا.”

وبعدين…

صوت ارتطام قوي.

صمت.

ثم صوت أمي وهي تصرخ:

“خدوا الورق!”

التسجيل انتهى.

فضلت قاعدة مكاني.

داليا كانت موجودة.

أمي كانت موجودة.

وأبويا كان عارف.

لكن التسجيل ما أثبتش مين تسبب في موته.

وقبل ما أقدر أستوعب…

وصلتني رسالة جديدة من فؤاد:

“ده مش التسجيل الكامل.”

ثم رسالة ثانية:

“الجزء الثاني موجود مع داليا.”

رفعت عيني عن الموبايل.

داليا كانت بتخبي عني جزءًا من الحقيقة.

لكن ليه؟

وبينما كنت بفكر…

رن جرس الباب.

فتحت الكاميرا.

وشفت داليا واقفة وحدها.

لكنها كانت بتبكي.

ولما فتحت لها الباب، قالت أول جملة:

“نورا… أنا مش اللي قتلته.”

سكتت.

ثم قالت:

“بس أنا عارفة مين قتله.”

يتبع…

فضلت واقفة قدام داليا، مش عارفة أصدق دموعها ولا أصدق الكلام اللي سمعته.

قلت لها:

“ادخلي.”

دخلت وقفلت الباب وراها.

قعدت على الكنبة، لكن أنا فضلت واقفة.

قلت:

“قولي.”

مسحت دموعها وقالت:

السابق1 من 4
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى