روايات وقصص

ابني

الجزء الثاني فتحت باب البيت وخرجت، وأنا حاضنة ابني بكل قوتي. كنت حاسة إن جسمه تعبان من الخوف والتوتر، وكل نفس كان بيطلعه كان بيخليني أحس إن قلبي بيتقطع. وصلت للعربية، وفتحت الباب الخلفي وحطيته بحرص على الكرسي. قبل ما أقفل الباب، بصلي وقال: “ماما… أنا آسف.” اتجمدت مكاني. “آسف على إيه يا حبيبي؟”

 

قال بصوت ضعيف:

“علشان خلتك تزعلي.”

حسيت دموعي نزلت غصب عني.

حضنته وقلت:

“إنت ما عملتش أي حاجة غلط. سامعني؟ ولا حاجة.”

قفلت الباب بسرعة وركبت العربية.

أول حاجة عملتها إني اتصلت بالمساعدة الطبية.

وأنا مستنية، بصيت على شاشة موبايلي…

الموبايل كان لسه في إيد أمي.

لكن كان عندي موبايل قديم احتياطي في درج العربية.

والغريب إن المكالمة ما كانتش أول حاجة عملتها.

قبل ما أخرج من البيت بدقايق، كنت قد قدرت أبعت رسالة قصيرة لجارنا “عم حسن”.

كنت كاتبة له:

“لو سمحت، لو شفتني خارجة بابني بسرعة، صور من بعيد أي حاجة تحصل.”

ما كنتش عارفة ليه عملت كده.

يمكن إحساس داخلي قال لي إن الموضوع مش هينتهي بمجرد خروجي من البيت.

وبالفعل…

بعد أقل من دقيقتين، وأنا مستنية، سمعت صوت عربية بتقف ورا عربيتي.

بصيت في المراية.

كانت عربية أختي.

نزلت منها بسرعة، وأبويا وراها.

أمي كانت معاهم.

اتجهوا ناحية عربيتي.

أختي خبطت على الشباك.

فتحت لها جزء بسيط.

قالت:

“انزلي نتكلم.”

رديت:

“مش دلوقتي.”

قالت بعصبية:

“إنتِ مصممة تعملي فضيحة؟”

بصيت لابني في المراية.

كان مغمض عينيه وبيحاول ياخد نفسه.

قلت لها:

“ابني تعبان وبيمر بظرف صعب.”

ردت:

“وإحنا هنوديه المستشفى.”

ضحكت ضحكة قصيرة من شدة الصدمة.

“بعد ما منعتوني أتصل؟”

سكتت.

أبويا قرب من الشباك وقال:

“اسمعيني. إحنا أهل. أي حاجة تحصل جوه البيت تفضل جوه البيت.”

قلت:

“لما يكون طفل محتاج لعناية، الموضوع ما بقاش سر عائلي.”

أمي بدأت تبكي.

وقالت:

“إنتِ عايزة تدمرينا؟”

بصيت لها من خلال الزجاج.

“أنا بس بساعد ابني.”

سكتت.

ولأول مرة، ماحدش منهم عرف يرد.

بعد دقائق، وصلت المساعدة الطبية.

المسعف فتح الباب الخلفي، وبمجرد ما شاف ابني، بدأ يسأله عن حالته والتنفس.

أختي حاولت تتدخل.

“هو كان بيلعب مع ابني…”

المسعف قاطعها:

“لو سمحتي، خلينا نسمع من الطفل ومن والدته.”

حسيت لأول مرة من ساعة الموقف إن حد بيسمعني فعلًا.

نقلوا ابني على النقالة.

وقبل ما يقفلوا الباب، مسك إيدي.

“ماما، تعالي معايا.”

قلت:

“هفضل جنبك.”

وأنا طالعة معاه، سمعت أختي بتقول لأبويا:

“لازم نتصرف قبل ما تعمل إجراء رسمي.”

الجملة دي علقت في دماغي.

لأنها أكدت لي حاجة كنت حاسة بيها من البداية.

هما مش خايفين على ابني.

هما خايفين من اللي ممكن يحصل.

في المستشفى، عملوا له الفحوصات اللازمة.

كنت قاعدة برا الغرفة، وإيدي بتترعش.

بعد حوالي أربعين دقيقة، خرج الدكتور.

وشه كان جاد.

قال:

“ابنك محتاج لعناية خاصة وراحة تامة.”

غمضت عيني.

سألته:

“هو هيكون كويس؟”

قال:

“إن شاء الله، لكن لازم راحة ومتابعة، والأهم نتجنب أي توتر في الفترة الجاية.”

هزيت راسي.

وبعدين سألته:

“ممكن أطلب منك حاجة؟”

قال:

“طبعًا.”

قلت:

“عايزة التقرير مكتوب بالتفصيل.”

بصلي باستغراب بسيط، ثم قال:

“ده حقك.”

أخذت التقرير.

ولأول مرة من ساعة ما خرجت من بيت أهلي، حسيت إن عندي حاجة في إيدي أقوى من أي كلام.

الدليل.

بعدها مباشرة، موبايلي القديم رن.

كان “عم حسن”.

فتحت المكالمة.

قال:

“أنا آسف إني اتصلت متأخر، بس لازم أقولك حاجة.”

سألته:

“إيه؟”

قال:

“أنا صورت اللي حصل قدام البيت.”

سكت.

قلبي بدأ يدق بسرعة.

قلت:

“صورت إيه بالظبط؟”

قال:

“صورت أختك وهي بتخرج وراكي، وصورت أبوكي وأمك وهما بيحاولوا يمنعوكي من إنك تتحركي… بس في حاجة تانية أهم.”

“إيه؟”

قال:

“أنا سمعت ابن أختك قبل ما يهرب.”

تجمدت.

“سمعته بيقول إيه؟”

سكت ثواني.

وبعدين قال:

“قال لأخته إنك لو اتصلتي بالجهات المختصة، هتندمي… وبعدها قال جملة أغرب.”

سألته:

“قال إيه؟”

قال:

“قال: ماما قالتلي إن محدش هيصدق الولد.”

فضلت ساكتة.

الجملة دي ضربتني في مقتل.

“ماما قالت له؟”

رد:

“أنا مش عارف يقصد مين بالظبط… بس التسجيل موجود.”

قفلت المكالمة.

وبصيت ناحية ابني.

كان نايم على سرير المستشفى.

في اللحظة دي، ما بقيتش عايزة أنتقم.

ما بقيتش عايزة أزعق.

أنا بس كنت عايزة أعرف الحقيقة كاملة.

مين كان عارف؟

ومين كان بيحاول يخبّيها؟

وليه كانوا واثقين أوي إن محدش هيصدق ابني؟

بعد أقل من ساعة، وصلني تسجيل عم حسن.

فتحته.

في البداية كان الصوت مش واضح.

وبعدين سمعت صوت أختي.

ثم صوت ابنها.

ثم صوت أمي.

ولما سمعت آخر جملة قالتها أمي…

حسيت إن الأرض اتسحبت من تحت رجلي.

لأنها ما كانتش بتتكلم عن خلاف عادي أصلًا.

كانت بتتكلم عن حاجة حصلت قبل كده بأيام…

حاجة ابني شافها بالصدفة.

وحاجة كانوا كلهم بيحاولوا يمنعوه يتكلم عنها.

وفي اللحظة دي فهمت ليه أمي كانت مستعدة تخطف مني الموبايل…

ليه أختي كانت مرعوبة…

وليه أبويا كان بيكرر إن الموضوع لازم يفضل “جوه العيلة”.

المشكلة ما كانتش في الموقف البسيط.

الممشكلة كانت في السر اللي ابني عرفه…

واللي ممكن يغيّر شكل عيلتنا كلها.

رجعت أسمع التسجيل مرة واتنين وتلاتة.

وفي كل مرة، كنت بحس إن الدم بيتسحب من وشي.

صوت أمي كان واضح جدًا:

“لو حد سأل، قول إنك وقعت لوحدك. محدش هيصدق طفل عنده ست سنين.”

قفلت التسجيل.

فضلت قاعدة في ممر المستشفى، مش قادرة أستوعب.

يعني الموضوع ماكانش مجرد خناقة بين طفلين.

كان فيه محاولة واضحة لتغيير الحقيقة.

لكن السؤال اللي كان بيقتلني:

إيه اللي ابني شافه؟

دخلت غرفة ابني.

كان صاحي، لكن عينيه كانوا نص مقفولين من التعب.

قربت منه وقعدت جنبه.

“حبيبي، ممكن أسألك سؤال؟”

هز راسه.

“قبل ما ابن خالتك يضربك… حصل حاجة؟”

بصلي شوية.

وبعدين قال:

“أنا شفت حاجة في أوضة جدو.”

قلبي اتقبض.

“إيه اللي شوفته؟”

قال:
“كنت بدور على العربية بتاعتي.”

سكت لحظة.

“لقيت باب الدولاب مفتوح.”

قربت منه أكتر.

“وبعدين؟”

قال:

“كان فيه شنطة سودا.”

سألته:
“وشفت إيه جواها؟”

بدأ يتوتر.

“فلوس… وورق.”

سألته:
“مين كان موجود؟”

قال:
“خالتي.”

اتجمدت.

“وأخوها؟”

هز راسه.

“لا.”

“طيب جدك؟”

قال:
“كان برا.”

السابق1 من 3
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى