
الجزء الثاني والاخير
فضلت ماسكة الورقة بين صوابعي، ومش قادرة أستوعب اللي شايفاه.
الاسم كان واضح قدامي.
“حسام الدمنهوري.”
حسام…
أخويا الأصغر.
الشخص اللي مات من سبع سنين في حادثة عربية على طريق القاهرة ـ الإسكندرية.
أو على الأقل… ده اللي كنت مصدقاه طول السنين اللي فاتت.
بصيت لليان وقلت بصوت متقطع:
“إنتِ عرفتي الاسم ده منين؟”
ليان بدأت تعيط.
“أنا مش عارفة… ماما هي اللي كانت بتتكلم معاه.”
قلبي وقف لحظة.
“بتتكلم مع مين؟”
هزت راسها.
“مع حسام.”
ضحكت غصب عني، ضحكة قصيرة مليانة خوف وإنكار.
“ليان، حسام مات من سبع سنين.”
رفعت عينيها ليا وقالت بهدوء غريب:
“أنا عارفة.”
سكت.
“طب إزاي بتقولي إن ماما بتكلمه؟”
مسحت دموعها بطرف كمها، وقالت:
“عشان سمعتها.”
حسيت بقشعريرة.
“سمعتي صوته؟”
هزت راسها.
“أيوه.”
قربت منها.
“إمتى؟”
قالت:
“كل مرة ماما كانت تدخل الأوضة وتقفل الباب، كانت بتكلمه. وفي مرة الموبايل وقع منها، وأنا سمعت صوته.”
حاولت أتمالك نفسي.
“وقال إيه؟”
ليان بصت ناحية باب المطبخ، كأنها خايفة حد يكون واقف ورا الباب.
وبعدين همست:
“قال لها: لو أختك عرفت الحقيقة، كل حاجة هتنهار.”
اتجمدت مكاني.
أختك؟
أنا؟
حسيت إن نفسي ضاق.
“وإيه الحقيقة؟”
ليان سكتت.
“قولي يا ليان.”
بدأت شفايفها ترتعش.
“ماما قالت له إنها عملت كل اللي طلبه منها… وإن الفلوس وصلت للشخص اللي كان مستنيها.”
سألتها بسرعة:
“فلوس إيه؟”
قالت:
“فلوس بيع البيت.”
فتحت عيني.
“أي بيت؟”
ردت:
“بيت خالي حسام.”
حسيت إن دماغي وقفت.
البيت اللي أختي كانت بتقول لي من سنين إنه اتباع بعد وفاة حسام، وإن فلوسه راحت في تسديد ديونه.
لكن أنا ما كنتش أعرف إن البيت اتباع أصلًا.
كنت فاكرة إن ملكيته دخلت في إجراءات قانونية طويلة.
قلت:
“مين اشترى البيت؟”
ليان بصتلي.
“مش عارفة.”
ثم أضافت بصوت ضعيف:
“بس في واحد كان بييجي عندنا بالليل.”
“مين؟”
“راجل كبير… ماما كانت بتخاف منه.”
“وكان بيقول إيه؟”
ليان بدأت تحرك صوابعها بعصبية.
“كان دايمًا يقول لها: لسه باقي خطوة واحدة.”
سألتها:
“خطوة إيه؟”
هنا بدأت تبكي بشدة.
“إنك إنتِ تختفي من الموضوع.”
سكتنا.
الكلمة دي كانت كفاية عشان أفهم إن اللي قدامي مش مجرد خلاف عائلي.
كان في حد بيخطط لحاجة.
لكن السؤال الأكبر كان:
ليه أنا؟
طلعت موبايلي بسرعة.
فتحت سجل المكالمات، ودخلت على رقم أختي.
اتصلت.
رنة…
رنتين…
ثلاثة…
وبعدين الخط اتفتح.
“ألو؟”
كان صوت سارة.
هادئ جدًا.
أهدى من اللازم.
قلت:
“إنتِ فين؟”
ضحكت ضحكة خفيفة.
“مش قولتلك مسافرة؟”
“أنا عايزة أعرف حاجة واحدة.”
سكتت.
“حسام لسه عايش؟”
الصمت اللي حصل بعدها كان أطول من اللازم.
ما ردتش.
سمعت نفسًا عميقًا من الناحية التانية.
وبعدين قالت:
“مين قالك الاسم ده؟”
قلبي دق بعنف.
لأنها ما قالتش:
“إنتِ بتقولي إيه؟”
ولا قالت:
“حسام مات.”
هي سألتني:
مين قالك الاسم ده؟
بصيت لليان.
كانت بتبصلي بخوف.
قلت:
“جاوبيني.”
سارة قالت:
“إنتِ ما كانش لازم تعرفي.”
وبعدها قفلت الخط.
فضلت ماسكة الموبايل وأنا مش قادرة أتكلم.
ليان قربت مني.
وقالت:
“أنا قلتلك إنهم هيبوظوا حياتك.”
في اللحظة دي، سمعت صوت عربية وقفت قدام البيت.
بصيت من الشباك.
عربية سوداء.
ما كانتش عربية أختي.
نزل منها رجل طويل لابس جاكت غامق.
وقف قدام باب البيت، وفضل باصص ناحية الشبابيك.
وبعدين طلع موبايله.
وبعد ثواني…
موبايلي رن.
رقم مجهول.
رديت.
ما حدش اتكلم.
قلت:
“ألو؟”
الصمت.
وبعدين سمعت صوت رجل منخفض:
“لو عايزة البنت تفضل بخير، ما تسأليش أسئلة أكتر.”
جسمي كله اتنفض.
قلت:
“إنت مين؟”
قال:
“إنتِ عارفة كويس.”
وقبل ما أرد، الخط اتقفل.
جريت ناحية الشباك.
لكن العربية كانت بدأت تتحرك.
وفي نفس اللحظة، ليان مسكت إيدي بقوة.
وقالت:
“خالتي… الراجل ده مش غريب.”
بصيت لها.
“إنتِ تعرفيه؟”
هزت راسها.
“أيوه.”
“مين هو؟”
قالت:
“ده الراجل اللي كان بييجي لماما.”
ثم سكتت لحظة، وأضافت:
“بس في حاجة أنا ما قلتهاش لك…”
“إيه؟”
قربت من ودني وهمست:
“أنا شفته قبل كده في صورة قديمة عند ماما… وكان واقف جنب خالي حسام.”
في اللحظة دي، فهمت إن موت حسام ممكن ما يكونش الحكاية اللي اتقالت لنا.
لكن اللي ما كنتش أعرفه…
إن الصورة القديمة كانت مجرد أول دليل.
أما الدليل اللي بعدها، فكان مخبّي في مكان أقرب مما أتخيل.
فضلت واقفة قدام ليان وأنا مش قادرة أستوعب كلامها.
“يعني إيه شوفتيه جنب خالك حسام؟”
قالت:
“في صورة عند ماما… كانت مخبياها جوه درج مقفول.”
سألتها:
“الصورة دي فين دلوقتي؟”
ردت بسرعة:
“في بيتنا.”
“إنتِ متأكدة؟”
هزت راسها.
“أيوه. ماما كانت بتخاف إني أشوفها.”
بدأت أفكر بسرعة.
كان لازم أجيب الصورة.
لكن في نفس الوقت، ما كنتش عارفة هل أسيب ليان لوحدها ولا آخدها معايا.
وفي النهاية قررت إننا نروح سوا.
قفلت باب البيت كويس، وخدت مفتاح عربيتي.
طول الطريق، ليان كانت ساكتة.
كانت قاعدة جنبي وبتبص من الشباك، وكل شوية تسألني:
“خالتي… إحنا هنرجع؟”
كنت بحاول أطمنها.
“طبعًا هنرجع.”
لكن الحقيقة إني ما كنتش متأكدة من أي حاجة.
وصلنا البيت في حوالي نصف ساعة.
كان بيت أختي في منطقة هادية في القاهرة، والشارع شبه فاضي.
أول ما دخلنا، ليان جريت ناحية أوضتها.
وأنا دخلت أوضة سارة.
فتحت الأدراج واحد ورا التاني.
ولا صورة.
ولا ورقة.
ولا أي حاجة.
لحد ما ليان نادتني:
“خالتي! هنا!”
جريت ناحيتها.
كانت واقفة قدام مكتبة صغيرة في الصالة.
وأشارت لجزء من الخشب.
“ماما كانت بتحط المفتاح هنا.”
دورت بإيدي.
وبالفعل…
لقيت مفتاح صغير ملزوق بشريط أسود تحت رف.
فتحت بيه درج سري في أسفل المكتبة.
الدُرج كان مليان أوراق قديمة.
عقود.
إيصالات.
صور.
وفي الآخر…
لقيت الصورة.
مسكتها.
كانت صورة قديمة لحسام.
واقف جنب عربية سوداء.
وبجانبه نفس الرجل اللي شوفناه قدام بيتنا.
لكن المفاجأة لم تكن الرجل.
كانت سارة.
أختي كانت واقفة بينهم.
وفي إيدها ظرف بني كبير.
قلبت الصورة من الخلف.
ولقيت تاريخ مكتوب بالقلم:
17 أكتوبر 2018.
تجمدت.
ده كان قبل حادث حسام بأسابيع.
وفي أسفل الصورة كانت فيه جملة قصيرة:
“آخر مقابلة قبل التنفيذ.”
حسيت إني مش قادرة أتنفس.
“التنفيذ؟”
ليان قربت مني.
“هو ده اللي كنت بخاف منه.”
سألتها:
“إنتِ شفتي الصورة دي قبل كده؟”
قالت:
“أيوه.”
“وماما قالتلك إيه؟”
ردت:
“قالتلي إن الراجل ده صاحب خالي.”
سكت لحظة.
ثم سألت:
“طب ليه كنتِ بتخافي منه؟”
قالت:
“لأنه مرة شافني وأنا بسمع كلامه مع ماما.”
“وقالك إيه؟”
خفضت صوتها:
“قال لماما: لو البنت دي فتحت بوقها، هنخلص منها زي ما خلصنا من أبوها.”
وقعت الصورة من إيدي.
“أبوها؟”
ليان هزت راسها.
“أيوه.”
سألتها وأنا أحاول أتمالك نفسي:
“إنتِ تقصدي إن باباكي… مات هو كمان؟”
قالت:
“ماما قالتلي إن بابا مات في حادث.”
أنا بدأت أربط الأحداث.
حسام مات.
والد ليان مات.
سارة كانت موجودة في الصورتين.
والرجل نفسه ظهر في المرتين.
لكن لسه ما كانش عندي دليل يربط كل ده ببعض.
وبينما كنت أقلب الأوراق، وقعت عيني على ظرف أبيض.
كان مكتوب عليه اسمي.
“إلى مريم… في حالة حدوث أي شيء.”
فتحت الظرف بإيدين مرتعشتين.
جواه ورقة واحدة.
والخط…
كان خط حسام.
قرأت أول سطر:
“لو إنتِ بتقري الرسالة دي، يبقى أنا ما قدرتش أوصل لك بنفسي.”
جلست على الكرسي.
وأكملت القراءة.
“مريم، أنا عارف إنك هتفتكري إن موتي كان حادثة، لكن الحقيقة مختلفة.”
وقفت عن القراءة للحظة.
ليان كانت بتبصلي.
رجعت أكمل:
“سارة دخلت في الموضوع بسبب ديون كبيرة. في البداية كانت فاكرة إنها بتساعدني. لكن بعد ما اكتشفت الحقيقة، حاولت تنسحب.”
قلبي بدأ يدق بسرعة.
“الناس اللي ورا الموضوع مش عايزين الفلوس بس. هم عايزين ملف موجود في مكان محدش يعرفه.”
قلبت الورقة.
وكان فيه سطر أخير:
“والشخص الوحيد اللي وثقت فيه لحماية الملف… هو مريم.”
رفعت عيني عن الورقة.
أنا؟
ليه أنا؟
قبل ما أفهم، سمعت صوت باب البيت بيتفتح.
ليان اتجمدت.
وبعدين همست:
“خالتي…”
“إيه؟”
“ماما رجعت.”
بصيت ناحية باب الصالة.
لكن سارة لم تكن وحدها.
كان الرجل اللي شوفناه قدام بيتي واقف جنبها.
دخلوا بهدوء.
سارة بصتلي مباشرة.
ولما شافت الورقة في إيدي…
اتغير لون وشها.
قالت:
“إنتِ فتحتي الدرج؟”
ما رديتش.
الرجل قفل الباب وراه.
وبص لليان.
ثم قال:
“كان المفروض البنت دي تفضل ساكتة.”
وقفت قدام ليان.
وقلت:
“لو قربت منها خطوة، هتندم.”
ضحك بهدوء.
ثم أخرج هاتفه.
ووضعه على الطاولة.
كانت عليه صورة حديثة.
صورة لي وأنا داخلة بيتي.
لكن الصورة كانت ملتقطة من بعيد.
قال:
“إنتِ فاكرة إنك بدأتي تعرفي الحقيقة النهارده؟”
ثم ابتسم.
“الحقيقة إننا كنا بنراقبك من سبع سنين.”
سارة بدأت تبكي.
وقالت:
“مريم… اسمعيني.”
صرخت:
“إنتِ كنتِ عارفة إن حسام عايش؟!”
سكتت.
الرجل تدخل:
“لا.”
ثم نظر لسارة.
“هي ما كانتش عارفة.”
بصيت له باستغراب.
“يعني إيه؟”
قال:
“لأن الشخص اللي إنتِ فاكرة إنه حسام…”
وتوقف.
ثم أضاف:
“ما كانش حسام أصلًا.”
ساد الصمت.
نظرت إلى سارة.
ثم إلى ليان.
ثم إلى الرجل.
وكنت على وشك أسأله مين كان الشخص اللي مات في الحادث…
لكن في نفس اللحظة، رن هاتف سارة.
نظرت إلى الشاشة.
وشحب وجهها.
لأن المتصل كان باسم:
حسام.
ردت وهي ترتجف.
وجاءني صوته من السماعة:
“مريم… ما تثقيش في أختك.”
ثم انقطع الاتصال.
وفي اللحظة دي، أدركت إن الشخص اللي كنت بدور على حقيقته…
كان أقرب إليّ مما أتخيل.
فضلت واقف مكاني كأني اتسمّرت في الأرض.




