
“مريم… ما تثقيش في أختك.”
بصيت لسارة.
وشها كان أبيض تمامًا.
الرجل اللي واقف جنبها مد إيده ناحية الموبايل، لكنها بعدت عنه بسرعة.
قالت وهي بتبكي:
“مريم، بالله عليكي اسمعيني… الموضوع مش زي ما إنتِ فاهمة.”
صرخت فيها:
“أمال إيه؟! أخويا مات من سبع سنين، وبعدين أسمع صوته في تليفونك؟!”
ردت:
“حسام عايش.”
الكلمة نزلت عليّ كالصاعقة.
“إيه؟”
هزت رأسها وهي منهارة:
“حسام عايش.”
ليان كانت واقفة ورايا، ماسكة في هدومي بقوة.
بصيت للرجل.
“إنت مين؟”
قال:
“اسمي فؤاد.”
“وإنت علاقتك بإيه بحسام؟”
سكت لحظة، وبعدين قال:
“أنا الشخص اللي ساعده يختفي.”
حسيت إن كل حاجة في حياتي خلال السبع سنين اللي فاتت كانت كذبة.
قربت منه خطوة.
“ليه؟”
فؤاد بص لسارة.
“لأن أخوكي اكتشف شبكة كبيرة كانت بتزوّر عقود ملكية وبتنقل أملاك ناس متوفية أو غايبة بأسماء وهمية.”
قلت:
“وإيه علاقة أختي؟”
سارة انفجرت في البكاء.
“أنا كنت مضطرة.”
صرخت:
“مضطرة تعملّي إيه؟!”
قالت:
“كانوا مهدديني بليان.”
نظرت إلى البنت الصغيرة.
فهمت فجأة ليه كانت مرعوبة طول الوقت.
لكن قبل ما أتكلم، فؤاد قال:
“سارة ما بدأتش معاهم من نفسها. هي دخلت في الموضوع لما حاولت تساعد حسام.”
سألته:
“طب ليه قالتلي إن حسام مات؟”
رد:
“لأن الناس دي كانت بتراقب كل حد قريب منه.”
ثم أخرج من جيبه ظرفًا أسود.
حطه قدامي.
“حسام طلب مني أديهولك لو ظهرت الورقة اللي إنتِ لقيتيها.”
فتحت الظرف.
كان بداخله مفتاح صغير وورقة.
قرأت:
“مريم، لو وصل المفتاح ليكي، يبقى الوقت جه تعرفي كل حاجة.”
وتحتها عنوان.
مخزن قديم في محطة مصر.
بصيت لسارة.
“إيه الموجود هناك؟”
قالت وهي بتمسح دموعها:
“الدليل.”
“دليل على إيه؟”
قالت:
“على إن حادث حسام ما كانش حادث.”
سكتُّ.
ثم سألت:
“مين حاول يقتله؟”
فؤاد قال:
“الشخص اللي كان بيدير كل حاجة.”
“مين؟”
نظر إليّ مباشرة.
وقال:
“شخص إنتِ تعرفيه.”
حسيت بقشعريرة.
“مين؟”
قبل ما يرد، سمعنا صوت خبط قوي على الباب.
مرة.
مرتين.
ثلاث مرات.
فؤاد بص لسارة.
وقال:
“لقونا.”
اتحرك بسرعة ناحية الشباك.
وأنا مسكت إيد ليان.
“هنخرج من هنا إزاي؟”
قال فؤاد:
“من الباب الخلفي.”
خرجنا بسرعة.
لكن أول ما فتحنا الباب الخلفي، وقفنا مكاننا.
كان فيه رجلين واقفين في الحوش.
فؤاد رجع خطوة.
قال:
“مفيش وقت.”
مسك إيدي وقال:
“في طريق تاني.”
دخلنا المطبخ.
فتح باب صغير كان ورا دولاب قديم.
كان فيه ممر ضيق.
قلت بدهشة:
“إيه ده؟”
قال:
“بيتكم القديم كان له مخرج خدمة.”
جرينا في الممر.
ليان كانت بتعيط بصمت.
فضلنا ماشيين لحد ما خرجنا في شارع جانبي.
ركبنا عربية فؤاد وانطلقنا.
طول الطريق، ما حدش اتكلم.
لحد ما سألت سارة:
“ليه خبيتي عني كل ده؟”
بصتلي وقالت:
“لأني كنت خايفة.”
“من مين؟”
قالت:
“من الشخص اللي كان بيمول كل حاجة.”
“مين؟”
سكتت طويلًا.
ثم قالت:
“جوزك السابق.”
اتصدمت.
“إنتِ بتقولي إيه؟”
قالت:
“جوزك السابق كان شريكًا لهم.”
رفضت أصدق.
“مستحيل.”
لكن فؤاد قال:
“للأسف، عندنا مستندات تثبت إن اسمه ظهر في تحويلات مالية مرتبطة بالشبكة.”
حسيت إني مش عارفة أتنفس.
كنت فاكرة إن أكبر خيانة في حياتي كانت إن جوزي السابق خبى عني حاجات في شغلنا وحياتنا.
لكن لو الكلام ده حقيقي…
فالموضوع كان أكبر بكتير.
وصلنا محطة مصر.
دخلنا من باب جانبي، ووصلنا لمخزن قديم مهجور.
طلعت المفتاح.
فتحته.
جواه كان فيه صندوق معدني.
فتحت الصندوق.
وجدت عشرات الملفات.
صور.
عقود.
تحويلات.
وتسجيلات.
ثم وجدت صورة جعلتني أفقد القدرة على الكلام.
كانت صورة لأخي حسام.
لكن الغريب أنه كان واقف فيها مع شخص آخر.
الشخص اللي ظننا جميعًا أنه مات في نفس الحادث.
والأغرب…
كان الشخص ده والد ليان.
ليان قربت من الصورة.
وبمجرد ما شافتها، قالت:
“ده بابا.”
ثم نظرت إليّ بعينين مليئتين بالخوف.
“بس ماما قالت إنه مات قبل خالي حسام.”
سارة انهارت على الأرض.
وقالت:
“أنا آسفة…”
بصيت لها.
“إنتِ كنتِ عارفة؟”
هزت رأسها.
“أيوه.”
“من إمتى؟”
قالت:
“من أول يوم.”
ثم فتحت أحد الملفات.
وأشارت إلى توقيع موجود في آخر صفحة.
“وده السبب الحقيقي اللي خلاني أقولك إن حسام مات.”
نظرت إلى التوقيع.
وتجمدت.
لأن التوقيع كان توقيع شخص واحد فقط…
والدي أنا.
وقبل ما أستوعب المفاجأة، سمعنا صوت خطوات تقترب من المخزن.
ثم صوت رجل من خلف الباب:
“مريم… افتحي.”
عرفت الصوت فورًا.
كان صوت جوزي السابق.
لكننا لم نكن نعرف…
أنه لم يأتِ وحده.
الباب اتفتح فجأة، وظهر جوزي السابق “كريم” واقف قدامنا.
لكن الصدمة الأكبر إنه ما كانش لوحده.
كان معاه رجلين، وأول ما شفتهم عرفت إنهم نفس الأشخاص اللي كانوا بيراقبونا.
كريم بصلي وقال بهدوء:
“كنت أتمنى إنك ما توصليش للمرحلة دي يا مريم.”
صرخت:
“إنت كنت عارف إن حسام عايش؟!”
ابتسم ابتسامة غريبة.
“كنت عارف أكتر مما تتخيلي.”
ليان استخبت ورايا.
أما سارة، فكانت بتبص لكريم وهي منهارة.
قالت له:
“كفاية… الموضوع انتهى.”
رد عليها ببرود:
“لسه ما انتهيش.”
فؤاد وقف قدامي.
“مش هتقرب منهم.”
كريم ضحك.
“إنت لسه فاكر إنك تقدر تحميهم؟”
وبعدين بصلي وقال:
“مريم، أبوكي كان أول واحد دخل في الموضوع.”
اتجمدت.
“أبويا؟”
طلع ملف من إيده ورماه قدامي.
“اقري.”
فتحت الملف.
كان فيه عقود قديمة، وتحويلات مالية، وصور.
وفي آخر صفحة كان فيه توقيع والدي.
لكن التوقيع كان على عقد نقل ملكية أحد العقارات.
قلت:
“ده مزور.”
رد كريم:
“لو كان مزور، ليه أبوكي احتفظ بنسخة أصلية منه؟”
فؤاد تدخل:
“لأن والدها اكتشف الحقيقة قبل ما يموت.”
بصيت له.
“إنت تعرف أبويا؟”
قال:
“كنت شغال معاه.”
سكت لحظة، ثم أضاف:
“وهو اللي طلب مني أحمي حسام.”
حسيت إن كل الأسرار اللي عشت عمري وأنا بعيدة عنها بدأت تظهر واحدة وراء التانية.
لكن كان لسه فيه سؤال واحد:
“لو حسام عايش… هو فين؟”
كريم ابتسم.
“اسألي أختك.”
بصيت لسارة.
سارة كانت بتعيط.
“مريم… حسام موجود في مكان آمن.”
“فين؟”
“في المستشفى.”
“ليه؟”
سكتت.
“ليه يا سارة؟!”
قالت بصوت مكسور:
“لأنه اتصاب في الحادث.”
فؤاد قال:
“حسام نجا، لكن إصابته كانت خطيرة. ولما اكتشفوا إن الناس دي بتدور عليه، اضطرينا نخفيه.”
سألت:
“طب ليه ما رجعش لي؟”
سارة بصت في الأرض.
“لأنه كان فاكر إنك ممكن تكوني مراقبة.”
قلت:
“يعني كل السنين دي… كان عايش وأنا فاكرة إنه مات؟”
رد فؤاد:
“كان بيحاول يحميكي.”
كريم بدأ يضحك.
“الحماية خلصت.”
ثم أخرج هاتفه.
فتح صورة.
كانت صورة حديثة لحسام.
كان جالسًا على كرسي متحرك داخل غرفة مستشفى.
قلت:
“إنت كنت بتراقبه؟”
رد:
“أنا كنت أراقب الكل.”
ثم اقترب مني وقال:
“لكن اللي ما تعرفيهوش إن حسام لسه عنده نسخة من الملف الحقيقي.”
سألت:
“فين؟”
ابتسم.
“هو الوحيد اللي يعرف.”
فجأة سمعنا صوت سيارات شرطة خارج المبنى.
كريم التفت للباب.
فؤاد ابتسم لأول مرة.
وقال:
“اتأخرت.”
كريم بص له بغضب.
“إنت عملت إيه؟”
قال فؤاد:
“قبل ما ندخل المخزن، بعت نسخة من كل الملفات.”
بدأت الشرطة تدخل المكان.
الرجلان اللي مع كريم حاولوا الهرب، لكن تم توقيفهم.
أما كريم، ففضل واقف مكانه.
وبصلي وقال:
“مريم… لو حسام اتكلم، هتعرفي إن والدك ما كانش الضحية الوحيدة.”
ثم أضاف:
“وفي شخص من عيلتكم لسه بيحميهم.”
اقتربت منه وقلت:
“مين؟”
ابتسم.
“إنتِ عارفة.”
ثم أخذوه بعيدًا.
فضلت واقفة مش فاهمة قصده.
سارة قربت مني.
“مريم…”
لكنني أبعدتها.
“أنا عايزة أروح لحسام.”
في نفس الليلة، وصلنا المستشفى.
دخلت الغرفة.
ولأول مرة منذ سبع سنين…
شفت أخويا قدامي.
كان أكبر، وأنحف، وملامحه اتغيرت.
لكنه هو.
حسام.
فتح عينيه.
وبمجرد ما شافني، ابتسم.
وقال:
“كنت عارف إنك هتوصلي.”
جريت عليه وأنا بعيط.
“ليه عملت فيا كده؟”
قال:
“كنت بحاول أحميكي.”
ثم أمسك إيدي.
“لكن فيه حاجة لازم تعرفيها.”
سألته:
“إيه؟”
بص ناحية سارة.
ثم قال:
“الملف اللي دوروا عليه سنين… مش عندي.”
اتجمدت.
“أمال فين؟”
قال:
“عند الشخص اللي بدأ كل حاجة.”
“مين؟”
حسام شد على إيدي.
وقال:
“والدك ما كانش هو اللي وقع العقود… كان بيحاول يوقفهم. الشخص الحقيقي كان واحد من أقرب الناس ليك.”
ثم نظر إليّ مباشرة.
“وأنا أخفيت الحقيقة عنك لأنني كنت أخاف أن تقتلك معرفتها.”
سألته:
“مين؟”
لكنه قبل ما يجاوب…
دخلت الممرضة بسرعة وقالت:
“دكتور، لازم تيجي فورًا!”
ثم نظرت إليّ.
“في حد مستنيكي بره.”
خرجت.
كان فيه رجل عجوز واقف عند نهاية الممر.
وأول ما شافني…
قال:
“أنا كنت أعرف والدك.”
ثم مد لي ظرفًا قديمًا.




