روايات وقصص

القصة كاملة للنهاية بقلم محمد عبده

الجزء الثاني والاخير
وقفت قدام أبويا وأنا بحاول أستوعب اللي سمعته.

كان لسه واقف عند رأس السفرة، بيبص لي ببرود، كأنه بيتكلم عن واحدة غريبة مش بنته اللي لسه مكملة 18 سنة من كام ساعة.

قلت له بصوت هادي، رغم إن قلبي كان بيدق بسرعة:

«إنت بتطردني من البيت يا بابا؟»

رد من غير ما يتردد:

«إنتِ اللي اخترتي ده بنفسك. اللي مش واثق في عيلته، ما ينفعش يفضل عايش وسطها.»

بصيت لأمي، مستنية منها كلمة واحدة تدافع عني، أو حتى تسأله إزاي يقدر يعمل فيا كده.

لكنها اكتفت إنها تعدل منديل السفرة قدامها، وقالت ببرود:

«إنتِ بقيتي كبيرة يا ليلى، ولازم تتحملي نتيجة قراراتك. طالما شايفة إنك مش محتاجة حد، يبقى تقدري تعيشي لوحدك.»

في اللحظة دي، فهمت إنهم مش بيحاولوا يخوفوني عشان أرجع في قراري.

هما فعلًا عايزيني أمشي.

يمكن كانوا متخيلين إني هعيط، وأترجاهم، وأوعدهم إني هروح للمحامية وألغي كل الإجراءات اللي عملتها.

لكنهم ما كانوش يعرفوا إن جدي كان محضرني للحظة زي دي من غير ما أحس.

بصيت لأبويا وقلت:

«حاضر. همشي قبل الساعة اتناشر.»

اتغيرت ملامحه للحظة، كأنه كان مستني رد مختلف.

أما أمي، فرفعت عينيها وبصت لي باستغراب.

واضح إنهم ما كانوش متوقعين إني أوافق بالسهولة دي.

قمت من مكاني، وطلعت أوضتي.

قفلت الباب، وسندت ضهري عليه، وسمحت لنفسي إني أتنفس بعمق لأول مرة من ساعة ما نزلت.

كنت موجوعة، مش بسبب البيت اللي هسيبه، لكن بسبب الحقيقة اللي بدأت تظهر قدامي.

الناس اللي كنت فاكرة إنهم أماني، كانوا أول ناس مستعدين يسيبوني من غير أي حماية.

ومع ذلك، ما عيطتش.

فتحت الدولاب، وبدأت أحط هدومي في شنطتين.

ما أخدتش غير حاجتي الشخصية، واللاب توب، وبعض الصور القديمة اللي كانت بتجمعني بجدي.

وأنا بلم حاجاتي، عيني وقعت على صورة لينا سوا، كنا قاعدين في جنينة بيته القديم في الإسكندرية.

كنت وقتها عندي 12 سنة، وهو بيعلمني إزاي أزرع شجرة ليمون.

فاكرة إنه قال لي يومها:

«الشجرة يا ليلى مش بتكبر في يوم وليلة. بتحتاج صبر، وجذور قوية، ومية. والإنسان كمان لازم يكون عنده جذور قوية، بس ما ينفعش يربط نفسه بمكان أو ناس بيأذوه لمجرد إنهم من دمه.»

وقتها ضحكت، وما فهمتش قصده بالكامل.

دلوقتي بس فهمت.

بعد حوالي نص ساعة، كنت خلصت تجهيز شنطي.

نزلت بيهم، ولقيت أخويا كريم واقف في الصالة، ماسك موبايله، وبيتكلم مع سالي.

أول ما شافني، أنهى المكالمة وحط الموبايل في جيبه.

بص للشنط وقال بابتسامة ساخرة:

«إيه ده؟ مش معقول أخدتي الموضوع بجد! أنا كنت فاكر إن بابا بيحاول يفوقك بس.»

بصيت له وقلت:

«واضح إنه كان جاد أكتر منك ما كنت متخيل.»

اختفت ابتسامته للحظة.

وبعدين قرب مني وقال بصوت منخفض:

«اسمعي يا ليلى، خلينا نتكلم بعقل. إنتِ لسه صغيرة، ومش فاهمة الدنيا. موضوع الفلوس ده أكبر منك، وكان المفروض تتكلمي معانا قبل ما تعملي حاجة زي دي.»

سألته بهدوء:

«ليه؟ عشان تساعدوني أحافظ عليها؟ ولا عشان كنتوا عايزين تستخدموها؟»

اتغيرت ملامحه فورًا.

«إنتِ بتتهميني بإيه؟»

«أنا ما اتهمتش حد. أنا بس بسأل سؤال.»

ضحك ضحكة قصيرة وقال:

«إنتِ بقيتي بتشكي في كل الناس. الفلوس فعلًا غيرتك.»

كنت هرد عليه، لكن صوت أبويا جه من ورايا:

«كفاية كلام. هي لازم تمشي.»

لفيت ناحيته.

كان واقف جنب أمي، وملامحه جامدة.

حملت شنطتي، واتجهت ناحية الباب.

لكن قبل ما أخرج، سمعت كريم بيقول:

«على فكرة يا ليلى، لما الفلوس تخلص، ما ترجعيش تلومي غير نفسك.»

وقفت لحظة، وبعدها بصيت له.

«اطمن يا كريم. الفلوس مش هتخلص بالطريقة اللي إنت متخيلها.»

وخرجت.

—

الساعة كانت 11:42 صباحًا.

كنت واقفة قدام بوابة البيت، وشنطتي جنبي، ومش عارفة أروح فين بالضبط.

ما كانش معايا مكان جاهز أعيش فيه، لكن كان معايا حاجة أهم: رقم المحامية نادية منصور.

اتصلت بيها.

ردت من أول رنة تقريبًا.

«ليلى؟ كنت مستنياكي تتصلي.»

استغربت كلامها.

«كنتِ مستنياني؟»

قالت بهدوء:

«جدك طلب مني أكون مستعدة أساعدك لو حصل أي خلاف بينك وبين والدك بعد ما تتمي 18 سنة. هو كان عارف إن فيه مشاكل بخصوص الميراث، لكنه ما حبش يحطك تحت ضغط قبل ما تكوني مستعدة.»

حسيت بقبضة في صدري.

«يعني جدي كان متوقع إن ده يحصل؟»

سكتت لحظة، وبعدين قالت:

«كان قلقان من تصرفات بعض أفراد العيلة، لكنه ما كانش عايز يظلم حد. عشان كده، ساب تعليمات واضحة، وطلب مني ما أتكلمش عنها إلا لو احتجتيها.»

مسحت دموعي بسرعة، وقلت:

«أنا محتاجة أعرف كل حاجة يا أستاذة نادية.»

ردت:

«تعالي مكتبي. هبعت لك عنوان سكن مؤقت آمن، ومصاريفه هتتغطى وفقًا لشروط الصندوق. ولما توصلي، هنراجع الأوراق اللي سابها جدك.»

بعد حوالي ساعة، كنت قاعدة في مكتبها بوسط القاهرة.

قدامي كان فيه ملف بني كبير، عليه اسم جدي بخط إيده.

نادية حطت الملف على المكتب وقالت:

«قبل ما نبدأ، لازم تفهمي إن جدك ما كانش هدفه يعاقب عيلتك أو يحرم حد من حقه. هو كان هدفه يحمي مستقبلك ويضمن إن محدش يقدر يجبرك تتنازلي عن الميراث.»

فتحت الملف.

كان فيه نسخ من أوراق الصندوق الائتماني، وخطاب مكتوب بخط جدي، وكشوف حسابات، ومستندات قانونية تانية.

بدأت أقرأ الخطاب.

«إلى حفيدتي ليلى،

لو وصلتي لقراءة الرسالة دي، فده معناه إنك كبرتي بما يكفي عشان تختاري طريقك بنفسك.

أنا ما أعرفش إيه اللي ممكن يحصل بعد وفاتي، لكني أعرف إن الفلوس الكبيرة أحيانًا بتكشف حاجات كانت مستخبية في القلوب.

افتكري إنك مش مطالبة تشتري حب حد، ولا تثبتي قيمتك لأي إنسان، حتى لو كان من أقرب الناس ليكي.

خلي بالك من نفسك، واتأكدي إن كل قرار بتاخديه نابع من إرادتك، مش من خوفك من خسارة حد.

ولو في يوم لقيتي نفسك لوحدك، افتكري إن الوحدة أهون بكتير من إنك تعيشي عمرك كله تحت رحمة ناس شايفين إن حياتك ملكهم.

بحبك يا بنتي، وجدك عمره ما كان عايز منك غير إنك تعيشي حرة.»

ما قدرتش أكمل.

حطيت الرسالة على المكتب، ودموعي نزلت من غير ما أحس.

جدي كان الوحيد اللي فهمني فعلًا.

بعد ما هديت، أشارت نادية إلى مجموعة مستندات تانية.

«فيه حاجة لازم تعرفيها. قبل وفاة جدك بحوالي شهرين، طلب مني أراجع بعض التصرفات المالية المرتبطة بإدارة ممتلكاته.»

رفعت عيني ليها.

«تصرفات مالية إزاي؟»

فتحت ملفًا آخر، وطلعت منه نسخًا من تحويلات بنكية ومراسلات.

«فيه مبالغ اتطلب تحويلها من حسابات مرتبطة بأعمال العيلة، وكان فيه طلبات للحصول على صلاحيات أوسع لإدارة بعض الأصول. جدك رفض يوافق عليها قبل ما تتراجع قانونيًا.»

بصيت للأوراق، وبدأت ألاحظ اسمًا بيتكرر أكتر من مرة.

كريم الشافعي.

أخويا.

حسيت ببرودة في أطرافي.

«هو كان بيحاول ياخد فلوس جدي؟»

نادية ردت بحذر:

«المستندات دي بتثبت وجود طلبات وتصرفات مالية محتاجة تفسير، لكنها لوحدها ما تثبتش إن فيه جريمة. عشان كده، جدك طلب مراجعة قانونية مستقلة، وكل حاجة هتتم وفقًا للقانون.»

قلبت ورقة تانية.

لقيت توقيع أبويا على خطاب متعلق بإدارة بعض الممتلكات.

سألتها:

«وبابا كان عارف؟»

قالت:

«كان طرفًا في بعض المراسلات، لكن لسه لازم نراجع السياق الكامل قبل ما نستنتج أي حاجة.»

رجعت بظهري للكرسي.

فجأة، بدأت أفهم ليه أبويا اتعصب بالشكل ده لما عرف إني نقلت الميراث للصندوق.

الموضوع ما كانش مجرد فلوس عايز يتحكم فيها.

يمكن كان فيه شيء أكبر، شيء أنا لسه ما أعرفوش.

لكن نادية ما خلّتنيش أغرق في التخمينات.

قالت بجدية:

«ليلى، أهم حاجة دلوقتي إنك ما تتسرعيش، وما تدخليش في مواجهة مع أي حد من غير ما تكوني فاهمة حقوقك. احتفظي بكل المستندات، وما توقعيش على أي ورقة تخص الميراث من غير مراجعة قانونية.»

هززت رأسي بالموافقة.

وقبل ما أمشي، سألتها عن آخر حاجة كانت شاغلة بالي:

«هو جدي ساب لي أي حاجة تانية؟»

بصت لي لثوانٍ، وبعدين فتحت درج مكتبها وطلعت ظرفًا أبيض صغيرًا.

«أيوه. لكنه طلب مني أسلمهولك بعد ما إجراءات الصندوق تكتمل، وتكوني قادرة تتصرفي باستقلال.»

مدت الظرف ناحيتي.

كان مكتوبًا عليه اسمي بخط جدي.

فتحته بإيدين بيرتعشوا.

جواه كان فيه مفتاح صغير، وورقة مكتوب فيها عنوان شقة قديمة في الإسكندرية، وجملة واحدة:

«لو في يوم اضطرّيتي تسيبي بيتك، روحي للمكان اللي كنت بعتبره بيتك الحقيقي، وهتفهمي ليه كنت مصمم إنك تحتفظي باستقلالك.»

رفعت عيني لنادية.

«إيه المكان ده؟»

قالت:

«دي شقة جدك القديمة. كانت مقفولة من سنين، وهو طلب الاحتفاظ بيها باسمك. المفروض تلاقي فيها حاجات تخصه وتخص والدتك، لكنه ما شرحليش أكتر من كده.»

اتجمدت مكاني.

«أمي؟ إيه علاقة ماما بالموضوع؟»

لكن نادية هزت رأسها.

«ما عنديش إجابة مؤكدة. المفتاح والرسالة دول كل اللي سابهولي بخصوص الشقة.»

خرجت من المكتب وأنا حاسة إن حياتي اتقلبت في يوم واحد.

كنت فاكرة إنني خسرت عيلتي والبيت اللي اتربيت فيه.

لكن دلوقتي، كان عندي مكان أقدر أروح له، وميراث محمي قانونيًا، ورسالة من جدي، وأسئلة أكتر بكتير من الإجابات.

—

في نفس الوقت، وفي بيت عيلة الشافعي، كان أبويا واقف في مكتبه، بيتكلم مع كريم بصوت منخفض.

قال كريم بعصبية:

«أنا مش فاهم إنت سبتها تمشي ليه! كان ممكن نضغط عليها شوية، وكانت هتتنازل عن الصندوق.»

أبويا رد بحدة:

«إنت فاكر إني ما حاولتش؟ البنت دي طلعت أذكى مما توقعت.»

كريم قعد على الكرسي قدامه.

«طيب، هنعمل إيه دلوقتي؟»

أبويا سكت لحظة، وبعدين قال:

«لازم نعرف هي راحت فين، ومين بيساعدها. طول ما الفلوس تحت سيطرتها، خطتنا مش هتمشي.»

كريم بص له بقلق.

«وإيه اللي هيحصل لو عرفت بحقيقة الأوراق القديمة؟»

أبويا ضرب بإيده على المكتب.

«هي ما تعرفش حاجة، ومش لازم تعرف!»

لكن اللي الاتنين ما كانوش يعرفوه إن ليلى كانت بالفعل بدأت تكتشف أجزاء من الحقيقة.

وإن المفتاح الصغير اللي سابه جدها ليها كان هيفتح بابًا لحكاية قديمة، ممكن تغيّر كل اللي كانت فاكرته عن عيلتها.

السابق1 من 3
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى