
لم أفعل شيئًا سوى أن وضعت يدي على الظرف الموجود أمامي.
كان كريم يراقبني بثقة، بينما وقفت نسرين خلفه وكأنها تشاهد مسرحية تعرف نهايتها مسبقًا.
قلت:
—حسنًا… إذا كنت مصممًا على أن أرحل، فأخبرني أولًا بشيء واحد.
ابتسم باستخفاف.
—ماذا تريدين أن تعرفي؟
نظرت حولي.
إلى الجدران التي اخترت ألوانها بنفسي.
إلى الصور المعلقة على الحائط.
إلى المدفأة التي قضينا أمامها أعيادًا كثيرة.
ثم عدت بنظري إليه وقلت:
—هل أنت متأكد أن هذا المنزل ملكك؟
ساد الصمت.
ثم انفجر كريم بالضحك.
—هل فقدتِ عقلك؟ بالطبع هو منزلي!
تدخلت نسرين وهي تبتسم:
—ربما تكون الصدمة جعلتها لا تعرف ماذا تقول.
لم أرد عليها.
فتحت الظرف ببطء.
كانت بداخله أوراق الطلاق، بالإضافة إلى نسخة من الاتفاقية التي أجبرني كريم على توقيعها قبل أسابيع.
قال كريم:
—وقّعي أوراق الطلاق وانتهى الأمر. الاتفاقية واضحة، وكل ما نملكه سيبقى لي.
رفعت عيني إليه.
—كل ما تملكونه؟
—نعم.
—أنت متأكد؟
تغيرت ملامحه قليلًا.
—ماذا تحاولين أن تفعلي؟
ابتسمت للمرة الأولى.
—لا شيء.
ثم أغلقت الظرف ووضعته أمامه.
—فقط أريد أن أرى إلى أي مدى أنت واثق من نفسك.
اقترب كريم مني وقال بصوت منخفض:
—لا تحاولي اختباري. أنت تعرفين جيدًا أنك لم تكوني لتملكي شيئًا لولا ما قدمته لك.
نظرت إليه بثبات.
—هل تصدق ذلك فعلًا؟
—أنا من دفع ثمن هذا المنزل. أنا من تكفلت بالمصاريف. أنا من جعل حياتك مريحة.
ضحكت ضحكة قصيرة بلا فرح.
—حقًا؟
—نعم.
—إذن لن يكون لديك مانع من مراجعة سجلات الملكية، أليس كذلك؟
تجمد للحظة.
لكن سرعان ما عاد إلى ابتسامته الواثقة.
—افعلي ما تشائين.
وفي تلك اللحظة، سمعنا صوت سيارة تتوقف أمام المنزل.
التفت كريم نحو النافذة.
توقفت سيارة سوداء أمام البوابة.
ثم فُتح بابها، ونزل منها رجل يرتدي بدلة رسمية ويحمل حقيبة جلدية.
تغير وجه كريم فورًا.
أما أنا…
فبقيت واقفة في مكاني.
دخل الرجل إلى المنزل بعد أن سمح له الحارس بالمرور، ثم اتجه نحونا.
قال:
—مساء الخير. هل السيدة سلمى نجيب موجودة؟
أجبت:
—أنا.
نظر إليّ ثم أخرج بطاقة من جيبه.
—أنا المستشار القانوني حسام فؤاد. جئت بناءً على طلبك.
اتسعت عينا كريم.
—محامٍ؟
لم أجب.
فتح حسام حقيبته وأخرج ملفًا سميكًا.
ثم وضعه على الطاولة.
قال:
—أحضرت لك المستندات التي طلبتِها.
حدق كريم في الأوراق.
—أي مستندات؟
نظر إليه حسام بهدوء.
—مستندات ملكية المنزل.
تدخلت نسرين بسرعة:
—هذا سخيف. المنزل ملك لكريم!
رد حسام:
—لو سمحتِ، دعينا نتحدث بالوثائق وليس بالافتراضات.
فتح الملف وأخرج نسخة رسمية.
ثم وضعها أمام كريم.
—هذه هي وثيقة الملكية الأصلية.
مد كريم يده وأمسك الورقة.
قرأ السطر الأول.
ثم الثاني.
وبعدها بدأ وجهه يفقد لونه تدريجيًا.
قلت بهدوء:
—اقرأ الاسم الموجود في خانة المالك.
لم ينطق.
كررت:
—اقرأه يا كريم.
ظل صامتًا.
فأخذت الورقة من يده.
ونظرت إلى نسرين.
ثم قلت:
—المنزل مسجل باسمي.
تراجعت نسرين خطوة.
—هذا مستحيل!
قال حسام:
—ليس مستحيلًا. المستندات رسمية ومسجلة منذ سنوات.
نظر كريم إليّ بصدمة.
—كيف؟
قلت:
—تتذكر المنزل الذي قلتَ لي إنك اشتريته قبل زواجنا؟
هز رأسه ببطء.
—نعم.
—لم تشتره أنت.
اتسعت عيناه.
—ماذا تقولين؟
—والدي اشتراه لي قبل زواجنا، وسجله باسمي. أنت كنت تعرف أنني أمتلكه، لكنك مع مرور السنوات بدأت تتصرف وكأنه ملكك.
ساد الصمت.
ثم قال كريم بغضب:
—لكن الاتفاقية!
ابتسم حسام.
—وهنا لدينا مشكلة أخرى.
التفت كريم إليه.
—ماذا تقصد؟
أخرج حسام ورقة أخرى.
—الاتفاقية التي وقعتها السيدة سلمى لا تنقل ملكية المنزل.
ثم أضاف:
—بل هناك بند يجعل بعض بنود الاتفاقية قابلة للطعن بسبب الطريقة التي تم الحصول على توقيعها بها.
حدق كريم فيه.
—ماذا؟
نظرت إليه وقلت:
—كنت تعتقد أنني وقّعت على مستقبلي كله.
ثم سحبت نفسًا عميقًا.
—لكن الحقيقة أنك لم تكن تعرف حتى ماذا كنت توقع عليه أنت.
ارتبك كريم.
—ماذا تقصدين؟
وضعت حقيبتي على الطاولة وفتحتها.
أخرجت ملفًا صغيرًا.
—هذا هو السبب الذي جعلني لا أجادلك الليلة.
فتحت الملف.
كانت بداخله مجموعة من المستندات والتحويلات البنكية والمراسلات.
نظر كريم إليها، ثم رفع عينيه نحوي.
—ما هذا؟
أجبته بهدوء:
—أدلة على أن هناك أموالًا وأصولًا أخفيتها عني طوال سنوات زواجنا.
اختفت ابتسامته تمامًا.
أما نسرين…
فلم تعد تبتسم على الإطلاق.
لكنني لم أخبرهما بعد بالشيء الأكبر.
لأن المنزل لم يكن سوى البداية.
كان هناك حساب مصرفي، وشركة، وعقارات أخرى… وكلها كانت مرتبطة بسر واحد لم يكن كريم يتوقع أن أعرفه.
ظل كريم واقفًا أمام الطاولة، وعيناه معلقتان بالمستندات التي أخرجها المحامي.
قال بعصبية:
—أنتِ تتهمينني بالسرقة الآن؟
هززت رأسي بهدوء.
—أنا لا أتهمك بشيء. أنا فقط أضع أمامك ما وجدته.
مد يده نحو الملف، لكن المحامي حسام أغلقه قبل أن يتمكن من أخذه.
قال حسام:
—هذه المستندات ليست لك.
صرخ كريم:
—إنها تخص عائلتي!
أجبته:
—بل تخص حياتي أيضًا.
تقدم كريم خطوة نحوي.
—منذ متى وأنتِ تعرفين؟
نظرت إليه للحظات.
—منذ فترة قصيرة.
—ومن أخبرك؟
—لم يخبرني أحد.
توقفت قليلًا ثم قلت:
—أنت أخبرتني بنفسك… دون أن تعرف.
قطّب حاجبيه.
—كيف؟
وضعت أمامه نسخة من تحويل مصرفي.
—هذا التحويل تم قبل ثلاث سنوات. مبلغ كبير خرج من حساب مشترك بيننا، ثم انتقل إلى شركة باسم مختلف.
نظر كريم إلى الورقة.
ثم تغيرت ملامحه.
—هذا لا يثبت شيئًا.
أخرج حسام مستندًا آخر.
—وهذا يثبت أن الشركة مرتبطة بك بشكل مباشر.
سقط الصمت في الغرفة.
حتى نسرين بدت مرتبكة.
قالت:
—كريم، ماذا يحدث؟
لم يرد عليها.
كان يحدق في المستندات وكأنه يحاول اكتشاف ثغرة للهروب.
قلت:
—كنت أعتقد في البداية أن الأمر يتعلق بالمال فقط.
رفع عينيه إليّ.
—ماذا تقصدين؟
—لكنني اكتشفت أن هناك أكثر من حساب.
وضعت مستندًا آخر أمامه.
—وهناك عقاران آخران.
شهقت نسرين.
—عقاران؟
قال كريم بسرعة:
—هذه أمور تجارية. لا علاقة لها بها.
ابتسمت.
—حقًا؟
ثم نظرت إلى حسام.
فأخرج ورقة جديدة.
—العقار الأول تم شراؤه أثناء الزواج، والعقار الثاني تم تمويله جزئيًا من أموال خرجت من الحساب المشترك.
نظر كريم إلى المحامي بغضب.
—أنت تعمل ضدّي!
قال حسام بهدوء:
—أنا أعمل لمصلحة موكلتي، وكل ما أقدمه مدعوم بمستندات رسمية.
ثم أخرج ظرفًا صغيرًا.
ووضعه أمام كريم.
—وهذا هو الجزء الذي أعتقد أنك لن تحبه.
لم يلمس كريم الظرف.
قال:
—ما هذا؟
أجبته:
—افتحه.
ظل مترددًا.
ثم مد يده وفتحه.
في الداخل كانت هناك صور ونسخ من رسائل ووثائق مالية.
بدأ يقلبها واحدة تلو الأخرى.
وفجأة توقف.
حدق في إحدى الصفحات.
ثم رفع رأسه نحوي.
—من أين حصلتِ على هذا؟
قلت:
—من الشركة التي كنت تظن أنك تتحكم فيها بالكامل.
تدخلت نسرين:
—أي شركة؟
نظرت إليها.
—الشركة التي كان كريم يستخدمها لإخفاء جزء من أمواله.
اتسعت عيناها.
—لكنها شركة شقيقه!
قلت:
—بالضبط.
التفتت نسرين فورًا إلى كريم.
—أنت قلت لي إن كل شيء قانوني!
لم يجبها.
وهنا فهمت شيئًا مهمًا.
نسرين لم تكن تعرف كل الحقيقة.
كانت تعرف جزءًا فقط.
ربما وعدها كريم بحياة جديدة، وربما أخبرها أنني سأخرج من المنزل بلا شيء، وأن كل أمواله ستبقى تحت سيطرته.
لكنها لم تكن تعرف أنني بدأت منذ أشهر في جمع الأدلة.
قال كريم:
—أنتِ لن تفعلي شيئًا بهذه الأوراق.
نظرت إليه بثبات.
—لقد فعلت.
تغير وجهه.
—ماذا فعلتِ؟
قلت:
—أرسلت نسخًا منها بالفعل إلى المحامي.
ثم أضفت:
—ونسخة أخرى موجودة لدى جهة مختصة.
تراجع خطوة.
—متى؟
—قبل أن تعود أنت إلى المنزل الليلة.
ظل يحدق بي.
ثم قال بصوت خافت:
—لماذا لم تقولي لي؟
ابتسمت بحزن.
—لأنني أردت أن أعرف إلى أي مدى ستذهب.
ثم نظرت إلى أوراق الطلاق الموجودة على الطاولة.
—والآن عرفت.
في تلك اللحظة، رن هاتف حسام.
نظر إلى الشاشة ثم أجاب.
استمع لثوانٍ قليلة.
وبعدها قال:
—حسنًا. أرسلها فورًا.
أغلق الهاتف.
سألته:
—هل حدث شيء؟
نظر إليّ بجدية.
—وصلت الوثيقة التي كنا ننتظرها.
سألت:
—أي وثيقة؟
نظر إلى كريم.
—الوثيقة التي تثبت أن هناك أصلًا آخر تم تسجيله باسم شخص قريب جدًا من زوجك.
تجمد كريم.
أما أنا، فلم أتحرك.
لأنني كنت أعرف بالفعل من هو ذلك الشخص.
وكانت المفاجأة أن الاسم الموجود في الوثيقة لم يكن اسم شقيق كريم… بل اسم نسرين نفسها.
ساد الصمت بعد أن نطق حسام باسم نسرين.
حدقت هي فيه وكأنها لم تفهم ما قاله.
—اسمي؟
أومأ حسام.
—نعم. العقار مسجل باسمك.
التفتت نسرين إلى كريم بسرعة.
—ما معنى هذا؟
قال كريم:
—لا أعرف.
صرخت:
—لا تعرف؟! كيف يكون عقار باسمي وأنت لا تعرف؟
حاول أن يقترب منها.




