
تراجعت عنه.
—إذن أخبرني كيف يبدو!
لم يجب.
كنت أراقبهما بصمت.
قبل ساعات فقط، كانت نسرين تقف إلى جانبه وهي تبتسم، مقتنعة بأنني سأخرج من المنزل خالية الوفاض.
أما الآن، فقد أصبحت هي نفسها تنظر إلى كريم وكأنها تراه للمرة الأولى.
قالت:
—قلت لي إنك اشتريت العقار باسم شركة.
ظل صامتًا.
—قلت إنني لن أضطر إلى القلق بشأن أي شيء.
صمت.
ثم قالت بصوت مرتجف:
—هل استخدمت اسمي دون أن تخبرني؟
رفع كريم صوته:
—لا تتصرفي بغباء! أنتِ وقّعتِ على بعض الأوراق منذ فترة.
شهقت.
—قلتَ إنها أوراق تخص التأمين!
تدخل حسام بهدوء:
—وهنا تحديدًا تبدأ المشكلة.
نظر إليه كريم بغضب.
—لا تتدخل.
قال حسام:
—أنا مضطر للتدخل، لأن توقيع السيدة نسرين موجود على مستندات نقل ملكية وتمويل.
وضعت يدي على فمي للحظة.
لم أشعر بالشفقة على كريم.
لكنني شعرت بشيء من الأسى تجاه نسرين.
لقد دخلت هذه اللعبة وهي تظن أنها الرابحة.
والآن اكتشفت أنها قد تكون خسرت أكثر مما توقعت.
قالت لي فجأة:
—أنتِ كنتِ تعرفين؟
نظرت إليها.
—كنت أعرف أن هناك شيئًا غير طبيعي.
—ولماذا لم تخبريني؟
ابتسمت بحزن.
—لأنك لم تكوني مستعدة لتصديقي.
خفضت رأسها.
ثم قالت:
—كنت أعتقد أنه يحبني.
لم أجب.
فقالت:
—قال لي إن زواجكما انتهى منذ سنوات، وإنكِ كنتِ تتمسكين به فقط من أجل المال.
نظرت إلى كريم.
—وهل صدقتِه؟
قالت وهي تمسح دمعة من عينها:
—كنت أريد أن أصدقه.
لم يقل كريم شيئًا.
في تلك اللحظة، خرج صوت ابني من الخارج:
—أمي؟
تجمدت.
نسيت للحظة كل ما كان يحدث.
ركضت إلى الباب.
كان آدم وليان يقفان بجانب السيارة، وقد بدا على وجهيهما القلق.
قال آدم:
—ماما، لماذا لا ندخل؟
انحنيت واحتضنتهما.
—كل شيء سيكون بخير يا حبيبي.
نظر آدم إلى والده.
ثم سأل:
—بابا، هل نحن سنرحل؟
لم أستطع الإجابة فورًا.
لكن كريم حاول التدخل:
—الأمر مجرد…
قاطعته:
—لا.
ثم نظرت إلى أطفالي.
—لن يطردكم أحد من منزلكم.
نظر كريم إليّ بغضب.
—لا ترفعي صوتك أمام الأطفال.
أجبته:
—أنا لا أرفع صوتي. أنا أخبرهم بالحقيقة.
ثم أمسكت بيد ابني وابنتي وأدخلتهما إلى المنزل.
لكن قبل أن أغلق الباب، سمعت حسام يقول:
—هناك شيء آخر.
التفت إليه.
كان يحمل ظرفًا جديدًا.
قال:
—وصلت هذه الرسالة منذ دقائق.
—من مَن؟
نظر إلى كريم.
—من البنك.
تغير وجه كريم فورًا.
قلت:
—ماذا يوجد فيها؟
فتح حسام الظرف وأخرج ورقة.
—تم تجميد أحد الحسابات المرتبطة بالشركة.
حدقت في كريم.
—أي حساب؟
قال حسام:
—الحساب الذي كان يتم تحويل الأموال إليه بشكل منتظم.
جلس كريم على الكرسي وكأن ساقيه لم تعودا قادرتين على حمله.
همس:
—لا…
ثم نظر إليّ.
—أنتِ لا تفهمين ما تفعلينه.
قلت:
—بل أفهم الآن أكثر مما كنت أفهمه طوال اثني عشر عامًا.
ثم أضاف حسام:
—وهناك خبر آخر.
رفع كريم رأسه ببطء.
قال حسام:
—الجهة التي كانت تراجع المستندات طلبت مقابلة عاجلة مع كريم وشقيقه.
ساد الصمت.
ثم نظرت إلى نسرين.
كانت شاحبة تمامًا.
قلت لها:
—يبدو أن الليلة لن تنتهي بالطريقة التي خططتما لها.
نظرت إليّ طويلًا.
ثم قالت بصوت منخفض:
—سلمى… أنا بحاجة إلى أن أخبرك بشيء.
توقفت.
—ماذا؟
اقتربت مني وهمست:
—قبل أن يطلب منك كريم مغادرة المنزل اليوم… كان قد أعطاني نسخة من اتفاقية أخرى.
شعرت بقشعريرة تسري في جسدي.
—أي اتفاقية؟
نظرت إلى كريم بخوف.
ثم قالت:
—اتفاقية فيها شيء لم يخبرك به.
—ماذا يوجد فيها؟
أخرجت نسرين هاتفها.
—اسمه ليس وحده عليها.
ثم رفعت عينيها إليّ.
—اسمك موجود أيضًا… لكن بتوقيع لم تكتبيه أنتِ.
توقفت أنفاسي للحظة.
—ماذا قلتِ؟
فتحت نسرين هاتفها وأظهرت لي صورة للمستند.
اقترب حسام بسرعة.
أخذ الهاتف، ونظر إلى الصورة بتركيز.
ثم قال:
—من أين حصلتِ على هذه النسخة؟
أجابته نسرين:
—كريم أعطاني إياها قبل أسبوعين. قال إنها مجرد إجراءات قانونية، وإن سلمى وقّعت عليها بالفعل.
نظرت إلى كريم.
كان وجهه قد تغير تمامًا.
قلت:
—أنا لم أرَ هذه الورقة في حياتي.
قال كريم بسرعة:
—ربما نسيتِ.
ضحكت بسخرية.
—أنسى توقيعي؟
رفع صوته:
—كنتِ توقعين عشرات الأوراق!
قال حسام بصرامة:
—هذا التوقيع يحتاج إلى فحص.
ثم نظر إليّ.
—هل لديكِ نماذج من توقيعك القديم؟
—الكثير.
أخرجت من حقيبتي بعض المستندات.
قارن حسام التوقيع الموجود في الصورة بتوقيعي الحقيقي.
وبعد دقائق، قال:
—هناك اختلافات واضحة.
تنفست ببطء.
—هل يعني ذلك أنه مزور؟
أجاب:
—لا أستطيع إصدار حكم نهائي قبل الفحص الرسمي، لكن لدينا سبب قوي جدًا للاشتباه في ذلك.
صرخت نسرين:
—إذن كريم كان يكذب علينا كلنا!
قال كريم:
—توقفي عن الكلام!
نظرت إليه نسرين بغضب.
—لا تأمرني بعد الآن!
ثم التفتت إليّ.
—أنا آسفة.
لم أرد.
كنت أحاول استيعاب شيء واحد فقط:
ماذا كان كريم يحاول أن يفعل بهذا التوقيع؟
فتح حسام المستند كاملًا على جهازه.
قرأ البنود واحدًا تلو الآخر.
ثم توقف.
—سلمى…
قلت:
—ماذا؟
—هذا المستند لا يتعلق بالطلاق فقط.
شعرت بالقلق.
—إذن بماذا يتعلق؟
رفع عينيه إليّ.
—إنه ينقل حقوقًا مالية وملكية بعض الأصول إلى كيان آخر.
قلت:
—أي كيان؟
أجاب:
—شركة استثمارية.
سألته:
—ومن يملك الشركة؟
نظر إلى المستند.
ثم قال:
—هذا هو الجزء الغريب.
صمت قليلًا.
—الشركة مسجلة باسم شخص لا يظهر في سجلات أعمال كريم مباشرة.
قلت:
—من؟
نظر إليّ.
—والدك.
تجمدت في مكاني.
—والدي؟
أومأ.
—لكن والدك توفي قبل سنوات، أليس كذلك؟
لم أستطع الكلام.
كان أبي قد رحل منذ وقت طويل.
قبل زواجي من كريم بسنوات.
قلت بصوت مرتجف:
—هذا مستحيل.
تدخل كريم بسرعة:
—ربما هناك خطأ في السجلات.
نظر إليه حسام.
—خطأ في تسجيل شركة باسم رجل متوفى؟
لم يرد.
ثم قالت نسرين فجأة:
—كريم، أنت قلت إن والدها لم يترك لها أي شيء!
التفت إليها كريم بغضب.
—قلت لكِ ألا تتدخلي!
لكنني لم أعد أسمع بقية كلامهما.
كان هناك سؤال واحد يدور في رأسي:
لماذا يستخدم كريم اسم والدي؟
فتح حسام ملفًا آخر كان قد أحضره معه.
قال:
—هناك شيء لم أخبرك به لأنني كنت أنتظر وصول هذه المستندات.
نظرت إليه.
—ماذا؟
أخرج وثيقة قديمة.
—قبل وفاة والدك بفترة قصيرة، أسس كيانًا قانونيًا ووضع فيه مجموعة من الأصول.
قلت:
—أي أصول؟
—أصول عقارية، وحصص في شركات، وحسابات استثمارية.
شعرت أن الأرض تحركت من تحتي.
—ولماذا لم أعرف عنها؟
قال حسام:
—لأن الوثيقة تنص على أن هذه الأصول لا تنتقل إليكِ مباشرة إلا عند تحقق شرط محدد.
سألته:
—ما الشرط؟
نظر إليّ طويلًا.
ثم قال:
—انتهاء زواجك من كريم.
لم أجد الكلمات.
كان أبي قد توقع شيئًا كهذا؟
هل كان يعرف أن كريم سيحاول السيطرة على أموالي؟
أخرج حسام ورقة أخرى.
—وهناك شيء أكثر أهمية.
قلت:
—ماذا؟
—والدك لم يترك هذه الأصول لكِ فقط.
توقفت.
—لمن إذن؟
فتح الصفحة الأخيرة.
ثم قال:
—لأطفالك أيضًا.




