روايات وقصص

القصة كاملة للنهاية بقلم محمد عبده

بعد يومين، وصلت الإسكندرية.

وقفت قدام العمارة القديمة اللي كتب جدي عنوانها في الرسالة.

كانت عمارة هادية في شارع جانبي، بعيدة عن الزحمة، وشكلها مختلف تمامًا عن البيت الكبير اللي اتربيت فيه.

طلعت للدور الرابع، ووقفت قدام باب الشقة.

دخلت المفتاح في الباب، ولفيته ببطء.

الباب اتفتح بصوت خفيف.

الشقة كانت مغطاة بطبقة رقيقة من التراب، لكن الأثاث كان مرتبًا بعناية، وكأن صاحبها خرج منها من فترة قصيرة وهيفضل راجع في أي لحظة.

على الحائط كانت فيه صور قديمة لجدي، وصورة لست شابة شايلة طفلة صغيرة.

قربت من الصورة.

الست كانت أمي.

والطفلة كانت أنا.

لكن الغريب إن الصورة كانت أقدم بسنين من أي صورة فاكرها من طفولتي.

تحت الصورة كان فيه درج خشبي صغير.

فتحته، ولقيت جواه صندوقًا مقفولًا.

جربت المفتاح الصغير اللي نادية ادتهولي.

اتفتح الصندوق.

جواه كان فيه شريط تسجيل قديم، ومجموعة خطابات مربوطة بشريط أزرق، وصورة تانية لأمي وهي واقفة جنب جدي، وملامحها مختلفة تمامًا عن الصورة اللي أعرفها عنها.

لكن الحاجة اللي خلت إيدي تتجمد كانت ظرفًا مكتوبًا عليه بخط جدي:

«ليلى… لو وصلتي للصندوق ده، يبقى لازم تعرفي الحقيقة عن اللي حصل قبل ما تتمي خمس سنين.»

قعدت على الأرض، وقلبي بيدق بعنف.

قبل ما أفتح الظرف، سمعت صوت رسالة على موبايلي.

كانت رسالة من رقم مجهول.

فتحتها.

وكان مكتوب فيها:

«ليلى، لو عايزة تعرفي ليه أبوكي طردك من البيت فعلًا، اسمعي التسجيل اللي جوه الصندوق… لكن ما تسمعيش لحد من عيلتك قبل ما تعرفي الحقيقة كاملة.»

رفعت عيني ناحية الصندوق المفتوح.

مديت إيدي ناحية شريط التسجيل.

لكن قبل ما أشغله، لاحظت إن فيه ورقة صغيرة مدسوسة تحت الخطابات، وعليها توقيع أبويا.

وتحت التوقيع، كانت فيه جملة واحدة جعلتني أشعر أن الأرض بتنسحب من تحت رجلي:

«الموافقة على نقل الملكية… بشرط عدم إبلاغ ليلى.»

ملكية إيه؟

وليه اسمي مكتوب في المستندات دي؟

والأهم من ده كله… إيه اللي حصل لما كنت طفلة، وخلا جدي يحتفظ بكل الأسرار دي لحد النهارده؟

حطيت الورقة على الترابيزة، وشغلت جهاز التسجيل القديم.

صدر صوت تشويش لثوانٍ، وبعدها سمعت صوت جدي واضحًا، رغم ضعفه:

«لو إنتِ بتسمعي التسجيل ده يا ليلى، يبقى الوقت جه إنك تعرفي الحقيقة… الحقيقة اللي عيلتك حاولت تخبيها عنك سنين طويلة.»

وبعدها سكت لثوانٍ، قبل ما يقول اسمًا ما كنتش أتوقع أسمعه أبدًا.

اسم أمي.

ثم قال جملة واحدة جعلتني أوقف التسجيل وأنا مش قادرة أتنفس بشكل طبيعي:

«أمك ما كانتش عارفة إن أبوكي هيعمل كده… لكن اللي حصل بعد كده غيّر مصير العيلة كلها.»
فضلت قاعدة قدام جهاز التسجيل، مش قادرة أستوعب اللي سمعته.

صوت جدي كان لسه بيرن في ودني، وكلماته الأخيرة فتحت قدامي أسئلة أكتر بكتير من الإجابات.

إيه اللي حصل وأنا طفلة؟

وليه جدي احتفظ بالأسرار دي سنين طويلة؟

وإيه علاقة أمي بالمستندات اللي عليها توقيع أبويا؟

رجعت شغلت التسجيل من أوله، وحاولت أركز في كل كلمة.

بعد شوية تشويش، صوت جدي رجع يتكلم.

«يا ليلى، لو بتسمعي كلامي دلوقتي، فده معناه إنك وصلتي لسن تقدري فيه تفهمي الحقيقة وتحكمي بنفسك. أنا ما كنتش عايزك تكبري وإنتِ شايلة كراهية تجاه أي حد، لكن في نفس الوقت ما كنتش عايزك تعيشي مخدوعة.»

سمعت صوت أنفاسه المتعبة، وبعدها كمل:

«لما كنتِ عندك خمس سنين، أبوكي دخل في أزمة مالية كبيرة بسبب قرارات اتخذها في إدارة أموال الشركة. كان معرض يخسر جزءًا كبيرًا من ممتلكاته، ولجأ ليا عشان أساعده.»

وقفت التسجيل لحظة، وأنا بحاول أستوعب الكلام.

جدي كان عنده شركة استثمارية كبيرة، وأبويا كان بيدير جزءًا من أعمال العيلة.

كملت الاستماع.

«أنا وافقت أساعده، لكن بشرط إن أموال العيلة وممتلكات الأحفاد تفضل بعيدة عن أي مخاطر تجارية. وقتها طلب مني أبوكي أوافق على نقل ملكية بعض الأصول مؤقتًا، بحجة إنه محتاج يعيد تنظيم حسابات الشركة.»

صوت جدي بقى أكثر جدية.

«لكن لما راجعت الأوراق، اكتشفت إن بعض المستندات كانت بتدي صلاحيات أوسع بكتير من اللي اتفقنا عليه. ولو كنت وقعت عليها بالشكل ده، كان ممكن ممتلكات مخصصة لمستقبلك تتعرض للخطر.»

بصيت للورقة اللي قدامي.

كان عليها توقيع أبويا فعلًا.

لكن جدي ما كانش بيقول إن أبويا سرق فلوسه، ولا إن كل حاجة كانت محسومة.

كان بيشرح إن فيه خلافًا ماليًا قديمًا، وإنه رفض يوافق على ترتيبات ما كانش مطمئن ليها.

رجعت شغلت التسجيل.

«أمك عرفت بوجود الخلاف، واعترضت على الطريقة اللي كان بيتعامل بيها أبوكي مع الموضوع. لكنها ما كانتش طرفًا في أي اتفاق لنقل الملكية. بالعكس، هي اللي طلبت مني أتأكد إن مستقبلك يفضل محميًا، مهما حصل بين الكبار.»

اتسعت عيني.

أمي؟

أمي اللي وقفت تتفرج عليّا وأنا بتطرد من البيت؟

أمي اللي قالت لي إني لازم أتحمل نتيجة قراراتي؟

هي نفسها اللي طلبت من جدي يحمي مستقبلي؟

التسجيل كمل.

«بعد الخلاف ده، حصلت مشاكل كبيرة بين أبوكي وأمك. حاولت أصلح الأمور بينهم، لكن كل واحد كان عنده روايته الخاصة. أنا ما حبيتش أحطك في النص، ولا أخليكي تكبري وسط اتهامات ما تقدريش تفهميها.»

ثم سكت جدي لثوانٍ.

«لكن فيه حاجة لازم تعرفيها. الشقة دي مش مجرد مكان قديم. فيها المستندات الأصلية المتعلقة بملكية عقار في الإسكندرية، كان المفروض يتسجل باسمك لما تكبري، وفقًا لاتفاق قانوني اتعمل من سنين.»

حسيت إن قلبي وقف لحظة.

عقار باسمي؟

جدي كان سايب لي ميراثًا أكبر مما كنت أعرف؟

كمل صوته:

«أنا ما أقدرش أقول لك إن كل حاجة هتكون سهلة. فيه أوراق لازم تتراجع، وفيه حقوق لازم تتأكد بالقانون. عشان كده، ما تتسرعيش في اتهام حد، وما تسمحيش لأي شخص يضغط عليكي عشان تتنازلي عن حقك.»

وبعدين قال آخر جملة في التسجيل:

«يا ليلى، مش كل اللي بيخذلك عدوك، ومش كل اللي بيقول إنه بيحبك بيكون فعلًا خايف على مصلحتك. احكمي على الناس بأفعالهم، وافتكري إن الحقيقة مش بتتغير لمجرد إن حد مش عاجبه ظهورها.»

انتهى التسجيل.

فضلت قاعدة مكاني فترة طويلة.

كنت متوقعة أكتشف إن أبويا وأخويا كانوا بيخططوا للاستيلاء على الميراث، لكن اللي سمعته كان أكثر تعقيدًا.

فيه خلافات مالية قديمة.

وفيه عقار محتاج مراجعة قانونية.

وفيه أم يمكن كانت بتحاول تحميني في الماضي، لكنها في الحاضر اختارت الصمت لما كنت محتاجاها.

أخدت المستندات كلها، وحطيتها في حقيبتي، واتصلت بالأستاذة نادية.

لما حكيت لها اللي اكتشفته، طلبت مني ما أعملش أي مواجهة قبل ما تراجع الأوراق.

وبالفعل، خلال الأيام التالية، بدأت هي وفريق قانوني مستقل يفحصوا المستندات وسجلات الملكية.

وبعد مراجعة أولية، ظهر إن العقار الموجود في الإسكندرية كان مسجلًا باسم شركة عائلية قديمة، وإن فيه اتفاقًا موثقًا يتعلق بنقل حصة منه لصالحي عند بلوغي سن الثامنة عشرة، بشرط استكمال إجراءات معينة والتحقق من بعض الالتزامات المالية.

أما الورقة اللي عليها توقيع أبويا، فكانت جزءًا من ملف أكبر، وما كانش ممكن اعتبارها وحدها دليلًا على أي مخالفة.

نادية قالت لي بوضوح:

«إحنا مش هنفترض إن حد مذنب لمجرد إن فيه مستندات محتاجة تفسير. هنراجع كل حاجة، ولو ثبت إن ليكي حق، هنحافظ عليه بالقانون.»

وافقت.

ولأول مرة من أيام، حسيت إني مش مضطرة أتصرف بدافع الخوف أو الغضب.

كان عندي وقت أفهم الحقيقة.

—

بعد أسبوع، جالي اتصال من رقم أمي.

فضلت أبص للموبايل لثوانٍ قبل ما أرد.

«ألو؟»

سمعت صوتها مترددًا.

«ليلى… إنتِ فين يا بنتي؟»

السؤال استفزني.

«دلوقتي بس افتكرتي تسألي أنا فين؟»

سكتت.

وبعدين قالت بصوت مكسور:

«أنا عارفة إنك زعلانة مني، ومن حقك. بس محتاجة أشوفك.»

كنت عايزة أقول لها إنها خسرت الحق ده يوم ما سابتني أمشي من البيت.

لكن جزءًا مني كان لسه محتاج يسمع تفسيرًا.

قلت لها:

«لو عايزة نتكلم، تعالي مكتب الأستاذة نادية. مش هقابل حد لوحدي قبل ما نفهم كل اللي حصل.»

وافقت.

وفي اليوم التالي، حضرت أمي إلى المكتب.

كانت لابسة ملابس بسيطة، ووشها مرهق بشكل ما شفتوش عليها قبل كده.

قعدت قدامي، وحاولت تمسك إيدي، لكني سحبتها بهدوء.

بصت لي وقالت:

«أنا مش هطلب منك تسامحيني دلوقتي. بس عايزاكي تسمعيني للآخر.»

فضلت ساكتة.

بدأت تتكلم عن الخلاف القديم بينها وبين أبويا.

قالت إن جدي كان اكتشف مشاكل في إدارة بعض أموال الشركة، وإنها اعترضت على محاولات إعادة ترتيب الملكيات من غير مراجعة مستقلة.

لكنها أكدت إنها ما كانتش تعرف كل التفاصيل، وإنها ما عندهاش دليل يثبت إن أبويا كان ناوي يستولي على ميراثي.

سألتها:

«طيب، ليه وافقتي إنه يطردني من البيت؟»

نزلت عينيها للأرض.

«لأني كنت خايفة.»

ضحكت بمرارة.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى