
الجزء الثاني في الساعة السابعة وخمس وأربعين دقيقة من صباح اليوم التالي، كنت أجلس في مكتبي الصغير داخل مقر أطياف كابيتال. لم أنم سوى ساعتين. لكنني لم أكن أشعر بالتعب. كنت أنتظر شيئًا واحدًا فقط. تقرير التدقيق. دخلت ليلى، مديرتي القانونية، وهي تحمل ملفًا أسود سميكًا. وضعت الملف أمامي دون أن تجلس.
—ريم… الأمر أسوأ مما توقعنا.
رفعت عيني إليها.
—إلى أي درجة؟
فتحت الملف.
—شركة ميديكور لا تنمو كما يدعي كريم. الأرقام التي يعرضها للمستثمرين مضخمة بشكل متعمد.
قلبت الصفحة.
—هناك شركات أخرى مسجلة بأسماء أشخاص مقربين منه، وهذه الشركات تتلقى مبالغ ضخمة من ميديكور مقابل خدمات وهمية.
ظللت صامتة.
ثم سألت:
—والديون؟
تنهدت ليلى.
—هناك قروض متعددة، وبعضها مضمون بأصول لا يملكها أصلًا. والأسوأ أن جزءًا من الأموال التي حصل عليها من مستثمرين سابقين تم تحويله إلى شركات مرتبطة به.
أغلقت عيني للحظة.
كنت أتمنى أن أكون مخطئة.
لكنني لم أكن كذلك.
—هل وجدتم شيئًا متعلقًا بالتراخيص الطبية؟
أخرجت ليلى مستندًا آخر.
—نعم.
وضعت الورقة أمامي.
—هناك أجهزة طبية يتم تسويقها على أنها حصلت على جميع الموافقات اللازمة، لكن بعض الملفات المقدمة للجهات المختصة ناقصة، وهناك مستندات تحمل توقيعات مشكوكًا في صحتها.
رفعت رأسي إليها.
—أريد نسخة كاملة من كل شيء.
—ستحصلين عليها.
وقبل أن تغادر، سألتني:
—هل نوقف الاستثمار نهائيًا؟
نظرت إلى الملف.
—ليس بعد.
بدت عليها الدهشة.
—لماذا؟
قلت:
—لأنني أريد أن أعرف إلى أين ذهبت كل الأموال.
في تلك اللحظة، رن هاتفي.
كانت أختي سارة.
تركت الهاتف يرن عدة مرات قبل أن أجيب.
—ماذا تريدين؟
جاء صوتها متوترًا.
—ريم، أبي غاضب منك جدًا.
ضحكت بمرارة.
—بعد ما حدث بالأمس، هذا أكثر شيء يهمك؟
سكتت للحظة.
ثم قالت:
—أنتِ بالغتِ في رد فعلك. أبي لم يكن يقصد…
قاطعتها:
—صفعني وقال إنني لم أعد ابنته.
—كان غاضبًا.
—وأنتِ؟
لم تجب.
قلت:
—هل تصدقين فعلًا أن كريم يستطيع أن ينقذ العائلة؟
—كريم ناجح يا ريم.
—هل رأيتِ حسابات شركته؟
صمتت.
—بالطبع لا.
—إذن لا تتحدثي عن نجاح لا تعرفين حقيقته.
قالت بغضب:
—أنتِ دائمًا تحاولين التقليل من أي شيء يخصني!
ثم أغلقت الهاتف.
بعد دقائق، وصلني بريد إلكتروني من ليلى.
كان يحتوي على كشف حساب ضخم.
بدأت أراجع التحويلات واحدًا تلو الآخر.
ثم توقفت.
وجدت اسمًا أعرفه جيدًا.
محمود الشافعي.
والد كريم.
كان قد تلقى تحويلات مالية من إحدى الشركات التابعة لميديكور.
لكن المفاجأة لم تكن هنا.
وجدت اسمًا آخر.
محمود… والدي.
حدقت في الشاشة.
كان هناك تحويل مالي وصل إلى حساب أبي قبل أربعة أشهر.
المبلغ كان كبيرًا.
كبيرًا جدًا.
فتحت تفاصيل العملية.
كان الوصف:
«استشارة تجارية».
لكنني كنت أعرف أبي جيدًا.
لم يكن يقدم أي استشارات لشركة كريم.
رفعت الهاتف واتصلت بليلى.
—أريد معرفة كل شيء عن هذا التحويل.
قالت:
—كنت أخشى أن تلاحظيه.
—ماذا تقصدين؟
—هناك أكثر من تحويل.
توقفت أنفاسي.
—كم؟
—سبعة.
جلست في مقعدي.
سبعة تحويلات.
خلال عام واحد.
ثم قالت ليلى:
—وهناك شيء آخر.
—قولي.
—آخر تحويل تم قبل ثلاثة أيام فقط.
—ومن أرسل المال؟
صمتت لثوانٍ.
ثم قالت:
—شركة مرتبطة بكريم.
شعرت ببرودة تسري في جسدي.
تذكرت حديث أبي ليلة أمس.
«سارة وجدت رجلًا ناجحًا وأنتِ لا تتحملين أنكِ الفاشلة في العائلة».
لم يكن أبي يدافع عن كريم فقط.
كان لديه مصلحة في نجاحه.
لكن لماذا؟
فتحت ملفًا جديدًا.
—ليلى، أريد تدقيقًا منفصلًا في حسابات والدي.
—هل أنتِ متأكدة؟
—نعم.
—هذا قد يعني أن الموضوع أكبر بكثير من ميديكور.
أجبتها:
—لهذا السبب أريده.
في تلك اللحظة، وصلني إشعار برسالة جديدة.
كانت من رقم مجهول.
فتحتها.
كانت تحتوي على صورة.
صورة لوالدي وهو يجلس مع كريم في أحد المقاهي.
وتحت الصورة جملة واحدة:
«إذا أردتِ معرفة الحقيقة عن عائلتك، ابحثي عن مشروع النخبة».
حدقت في الكلمات.
لم أسمع بهذا الاسم من قبل.
بحثت عنه في ملفات أطياف كابيتال.
لا شيء.
ثم طلبت من ليلى البحث عنه في جميع الشركات التي تعاملت معها ميديكور.
بعد عشر دقائق، عادت إليَّ.
كان وجهها شاحبًا.
—وجدته.
—أين؟
وضعت أمامي مستندًا.
—شركة صغيرة جدًا تأسست منذ ثلاث سنوات.
—ومن يملكها؟
نظرت إليَّ.
—المالك الرسمي شخص اسمه عادل منصور.
قلت:
—ومن يكون؟
أجابت:
—سائق والدك السابق.
تجمدت في مكاني.
لم يكن الأمر مجرد احتيال داخل شركة كريم.
كان هناك مخطط أوسع.
والدي كان متورطًا.
وربما أختي أيضًا.
لكن السؤال الأخطر ظل بلا إجابة:
لماذا كان أبي يحتاج إلى أموال كريم أصلًا؟
وقبل أن أتمكن من التفكير أكثر، وصلت رسالة أخرى إلى هاتفي.
هذه المرة لم تكن من رقم مجهول.
كانت من كريم.
كتب:
«أتمنى أنكِ استمتعتِ بتدقيقك الصغير. لكنك نسيتِ شيئًا يا ريم… أنا أعرف من أنتِ».
توقفت للحظة.
ثم وصلت رسالة ثانية:
«أعرف أنكِ الشبح».
نظرت إلى الشاشة دون أن أتحرك.
لأول مرة منذ سنوات، شعرت أن الخطر لم يعد مجرد أرقام في ملفات مالية.
كريم عرف سرّي.
والآن أصبح يعرف أنني أنا الشخص الذي يملك القدرة على إسقاط شركته.
لكن ما لم يكن يعرفه…
أنني كنت قد بدأت بالفعل في إسقاطها.
وأن التدقيق لم يكن سوى البداية.
الجزء الثالث
بقيت أحدق في رسالة كريم عدة ثوانٍ.
لم أشعر بالخوف.
شعرت بالغضب.
ليس لأنه اكتشف أنني «الشبح»، بل لأنه ظن أن معرفة هويتي ستجعله قادرًا على تهديدي.
كتبت له:
—إذا كنت تعرف من أنا، فأنت تعرف أيضًا أنني لا أهدد الناس. أنا فقط أترك الأرقام تتحدث.
ظهرت علامة القراءة فورًا.
ثم كتب:
—أنتِ لا تفهمين ما يحدث.
أجبته:
—بل أفهم أكثر مما تتخيل.
لم يرد.
وضعت الهاتف جانبًا ونظرت إلى ليلى.
—أريد تجميد كل علاقة مالية بين أطياف كابيتال وميديكور.
قالت:
—سيكون ذلك بمثابة إعلان حرب.
ابتسمت.
—لقد بدأت الحرب بالفعل.
—
في العاشرة صباحًا، دخلت إلى مقر أطياف كابيتال مجموعة من المحامين والمحاسبين الجنائيين.
لم أكن أريد مجرد معرفة حجم المشكلة.
كنت أريد أن أعرف من يقف خلفها.
بدأنا بتتبع الشركات الوهمية.
شركة بعد أخرى.
كلما ظننا أننا وصلنا إلى النهاية، ظهر اسم جديد.
ثم اكتشفنا شيئًا جعل الجميع يصمت.
كانت هناك شركة مسجلة في الإسكندرية، يملكها رجل لا علاقة ظاهرة له بميديكور.
لكن الشركة كانت تتلقى مبالغ شهرية من كريم.
والغريب أن المبالغ نفسها كانت تُحوّل بعد أيام إلى حساب آخر.
حساب في الخارج.
قلت:
—تتبعوا الحساب.
بعد ساعات، عادت ليلى بالنتيجة.
—الأموال لا تذهب إلى كريم مباشرة.
—إلى من؟
نظرت إليَّ.
—إلى مؤسسة استثمارية مرتبطة باسم والدك.
شعرت أن قطعة أخرى من اللغز سقطت في مكانها.
لم يكن أبي مجرد شخص حصل على أموال.
كان جزءًا من شبكة مالية.
لكن لماذا؟
—
في المساء، عدت إلى المنزل.
وجدت أمي تنتظرني أمام الباب.
لم تقل شيئًا في البداية.
نظرت إلى وجهي، ثم قالت:
—أبوك نادم.
فتحت الباب.
—على ماذا؟
—على ما فعله بك.
قلت ببرود:
—الندم لا يمحو الصفعة.
اقتربت مني.
—ريم، نحن عائلة.
ضحكت.
—عائلة؟
ثم أضفت:
—العائلة لا تطلب من ابنتها أن تبيع بيتًا ورثته عن جدتها لإنقاذ رجل لا تعرف حساباته الحقيقية.
خفضت أمي عينيها.
ثم قالت بصوت خافت:
—كريم قال إنك ستدمرين مستقبل سارة.
—مستقبل سارة لن أدمره. كريم هو الذي يدمره.
رفعت رأسها فجأة.
—ماذا تعرفين؟
—أعرف أن كريم يخفي ديونًا.
سكتت.
—وأعرف أنه حوّل أموالًا إلى شركات وهمية.
ازداد شحوب وجهها.
ثم قلت:
—وأعرف أنه حوّل أموالًا إلى أبي.
تجمدت.
لم تقل شيئًا.
وكان صمتها كافيًا.
قلت:
—أنتِ كنتِ تعرفين.
هزت رأسها بسرعة.
—لم أكن أعرف التفاصيل.
—لكن كنتِ تعرفين أن هناك أموالًا.
بدأت الدموع في عينيها.
—أبوك قال إن المال مؤقت، وإن كريم سيساعدنا جميعًا.
نظرت إليها طويلاً.
—منذ متى؟
—منذ العام الماضي.
شعرت بخيبة أمل أكبر من الغضب.
ثم سألت:
—وسارة؟
ترددت.
—هل كانت تعرف؟
قالت:
—لا أعتقد.
في تلك اللحظة رن هاتف أمي.
كان أبي.
أجابته.
استمعت إليه لثوانٍ، ثم نظرت إليَّ.
—إنه يريدك أن تأتي الآن.




